الخميس 23/3/ 2006
البصرة..ملتقى البريكان الإبداعي الثالث
جاسم العايف
على مدى يومين أحيى أدباء البصرة الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر (محمود البريكان) إذ كرس اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة طاقات شبابه واندفاعهم لهذا الملتقى متجاوزين في ذلك المشهد العراقي الدموي مؤكدين قدرات العراقيين على صنع أيامهم التي تكشف طاقاتهم في الإبداع والانتماء لروح الوطنية العراقية التي تسامى بها الراحل البريكان إلى آفاق الإبداع والتحضر بنتاجه وشخصه اللذين مثّلا روح التطلع الحداثوي المتمدن في نسيج الثقافة.. ومن بين مآثره تنقيبه في صبوات وتضاريس الروح العراقية وتراثها الإنساني وفرادتها في رفض مخاتلات الواقع، متسامياً من خلال بحثه في الوجه المغيب للتاريخ محتفيا بعظمة الكائن نائيا بروحه عن المكرور الباهت, ماسكا جمر المصائر بيديه ملتحفا بشقاء وعيه الحاد متمسكا بإرادته الحرة متجاوزا الإطناب والبهرجة والتزويق ,متحصنا بعزلته الخلاقة التي لم تكن نتاج النرجسية اوالنوستاليجيا بقدر ما كانت موقفا احتجاجيا ضد تزوير الحقيقة وتأبيد المهانة، وظل ينظر باشمئزاز لمآدب السلاطين وزمر الطبالين مؤثثا حياته بالأحلام الإنسانية المشروعة البسيطة, محلقا بالشعر نحو الكوني من اجل خلاص الكائن في نزوعه للحرية والحياة الإنسانية اللائقة.. وعلى هامش الملتقى احتفى الاتحاد بالشاعر (عادل مردان)في صباح الجمعة 10 /آذار/ قدمه الأستاذ هاشم تايه بدراسة عنوانها ((عادل مردان الخارج على قنوطه)) ... عن منجزه الشعري حيث أكد أن((شعر عادل مردان، خاصّة المكتوب قبل انهيار التاريخ السابق، نتاج وعي مصدوم تطبعُهُ , في الغالب, نبرةّ حادّة بإيقاعّ متوتّر قلق يتناغم وأسىً متأمّل, وبانفتاحّ للّغة على أَلوان أساليبها, ممّا يُقرّبُها من لوحةٍ, أو عمارة تُرص فيها المفردات, كما لو أنّها قطع موزائييك..
بعد ذلك ألقى المحتفى به الشاعر عادل مردان كلمة أعرب فيها عن تقديره لاتحاد الأدباء في البصرة على الاحتفاء به وتكريمه خلال هذا الملتقى الثالث للراحل البريكان، وأثنى على ظاهرة إقدام أدباء البصرة ممن عانوا من حرمان منجزهم المخطوط من الطباعة، على تولّيهم طبعه على نفقاتهم الخاصّة وتوزيعها مجانا بطريقة((المشاعيين))... وختمها بإعلاء دور الشاعر الخلاق بنصوصه المشعة التي تجعل منه طبيب الحضارة ومستشرف المستقبل وبهلوان الرؤى المنادي بقصيدة العوالم التي يتقدمها الفكر الشعري. وقرأ بعد ذلك مجموعة من نصوصه الجديدة.. ثم ألقى الكاتب جاسم العايف وجهة نظر عامة في شعر عادل مردان المؤسس برأيه على فرضية (التواصل المعرفي) لا ثيمة الصوفية المشعّة بالإشراق الوجداني المتطلّع الى (الحلول) في ذات (المتعالي)، ورأى ان قصائد عادل مردان تتمسك بقصدية (الإدراك المعرفي) ومن خلال هذا تؤكد على الذات الإنسانية وتجلياتها وعندما تخفق تتوسل بالتاريخ وأساطيره، والشاعر يتعامل مع نصه الأخير على أساس الخلاصات التي تحتوي على كل شيء من الحاضرالى التاريخ الاسطوري مما يجعلها احيانا محتشدة بالتفاصيل بشكل قصدي بلا مبرر فني وليس في نصوصه خاصة الأخيرة (ما بعد) كما أنها لا تعبأ (بالماقبل) وبانتقاله من نص لآخر فأنه يتبنى (الصور) المترادفة- المتراكمة التي تتوسل بالصمت لتخلق الضجيج ولو كانت مادته الذاكرة الاسطورية. ثم قرأ الشعراء عبد السادة البصري وكريم جخيور وعمار علي كاصد قصائد تحية للشاعر وتحدث القاص باسم القطراني عن اهتمام الشاعر بالنتاج القصصي لأصدقائه من الشباب...
وفي اليوم الثاني تواصل الملتقى في قاعة عتبة بن غزوان وافتتح بآيات من القرآن الكريم والوقوف حدادا على أرواح شهداء العراق وألقى الأستاذ مجيد جاسم العلي رئيس الاتحاد كلمة أكد فيها على أهمية الاحتفاء بالبريكان في هذه اللحظة الحاسمة من واقع العراق وثقافته الوطنية.. ثم ساهم أكثر من عشرين شاعرا بصريا في قراءات شعرية متنوعة.. وبعد استراحة الغداء عقد المحور النقدي برئاسة الناقد جميل الشبيبي والكاتب جاسم العايف وساهم فيه الاساتذة مجيد الموسوي و د. رياض الاسدي والقاص فاروق السامر والقاص كريم عباس زامل..وقد ساهمت الجمعية العراقية للتصوير الفوتغرافي في البصرة بمعرض شامل حول الحياة في الاهوار.. وتفضل أستاذنا القاص والروائي (محمود عبد الوهاب) بتقديم درع الملتقى للشاعر عادل مردان...ملتقى البريكان الإبداعي الثالث إشارة دالة على الدور الثقافي الوطني المسؤول لأدباء البصرة واتحادهم في المساهمة الفعالة لتفعيل دور الثقافة العراقية-الوطنية وعمقها التاريخي الإبداعي والمساهمة الفعالة في هذا الظرف العصيب الذي يمر به وطننا وشعبنا.