| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم العايف

 

 

 

 

الأحد 24 /12/ 2006

 

 

حفل التأبين الأول في الذكرى السنوية لوفاة الشاعر بدر شاكر السياب


جاسـم العايـف

في الشهر الرابع من عام 1964 اقتادونا للمثول أمام المجلس العرفي العسكري الأول الذي عقد جلساته في مقر القاعدة البحرية في البصرة وبعد ان (صفونا كالخراف) في قفص الاتهام وبطريقة النسق العسكرية المعروفة نهض المدعي العام العسكري النقيب /حينها/ راغب فخري واتهمنا بكل ما يحمل من حقد ولؤم وخسة عن (نشاط هدام- شعوبي) يعود الى اعوام 1959 –1962وكان رئيس المجلس في حينه العقيد شمس الدين عبد الله والذي يكنى بأبي (حرب) حيث اطلق هذا الاسم على ابنه بكل فخر وامتياز ويمكن تصور هذه الشخصية من خلال كنيتها واختيارها لاسم ابنها والذي ايد كل ما جاء في مرافعة الادعاء العام ومنعنا حتى من الحديث بكلمة واحدة حول صحة الآتهام من عدمه وخلال دقائق أنزلت بنا عقوبة السجن مع الاشغال الشاقة ثم حشرونا مساء في عربات الحمل داخل القطار الصاعد إلى بغداد، أنزلونا في مدينة الحلة وألقوا بنا في سجنها..
يقوم عادة السجناء السياسيون بتنظيم حياتهم اليومية بطريقة لائقة، اذ تختفي في حياة السجن المهن والأوضاع الاجتماعية الخاصة ويقصي المستوى الطبقي الذي عليه السجين،وتختفي أحياناً حتى الاسماء ويستعاض عنها بكلمة (زميل) ولمواجهة أيام السجن البائسة ولياليه الموحشة الكالحة ولغرض استمرار الحياة اليومية داخل السجن ينعكس مستوى الدرجات الحزبية في الخارج على الحياة داخل السجن، إذ ثمة لجنة قيادية - سياسية عليا تتفرع عنها لجان فرعية أدنى تسير شؤون الحياة اليومية من خلال مسؤولي اللجان الفرعية منها مثلاً لجنة العلاقات العامة المختصة بالعلاقة مع إدارة السجن الرسمية، ولجنة الاحتفالات بالمناسبات الحزبية والوطنية والأممية وما أكثرها في ذلك الوقت..ولجان أخرى للصحة والخدمات و اللجنة الثقافية بشقيها السياسي والأدبي. صحف السلطة تصلنا يومياً، أما الصحف السرية ووثائق التثقيف الحزبي فتصل بين حين وآخر عبر شبكة سرية تعتمد العوائل أيام المواجهات وكذلك بعض السجانين المتعاطفين أو ممن لديهم أقارب وأخوة وأبناء داخل السجن...الكتب بأ نواعها تصل عن طريق المتعهد الذي يرسل في كل اسبوع اواقل عربة تحتوي عشرات الكتب الحديثة من اصدارات دور النشر اللبنانية والمصرية، في أواسط عام 1964 بدأت الصحف تتحدث عن الحالة الصحية المزرية والمرض الفتاك الذي ألم بالشاعر بدر شاكر السياب، نحن المهتمين بالأدب والفن والثقافة شغلنا ذلك ومع قلة عددنا إلا أننا كنا معروفين بين السجناء بنشاطنا الثقافي – الفني من الاسماء المعروفة في ذلك الوقت بين السجناء في ما يسمى بــ(القلعة القديمة) الشاعر فاضل العزاوي والشاعر حسين الرفاعي والصديق خليل المياح من جماعة 12 قصة بصرية في مابعد ، والصحفي عمران رشيد عمران والفنان ابراهيم دراج والشاعر الشعبي المتميز مجيد الخيون. وفي ما يسمى( القلعة الجديدة) من السجن كان ايضا من يهتم بالنشاط الثقافي والفني وفي مقدمتهم استاذي- زمن الدراسة في المرحلة المتوسطة- المرحوم هاشم الطعان و الصديق الفنان التشكيلي(هادي الصكر) الذي تعود معرفتي به لايام موقف البصرة عام 1962 وآخرون لا تسعفني الذاكرة الآن على تذكرهم. لقد كتب الشاعر فاضل العزاوي روايته (القلعة الخامسة) عن ذلك السجن وكذلك أفرد له فصلاً مطولاً في كتابه (الروح الحية).
بعد وفاة بدر شاكر السياب في 24 / 12 / 1964 و في أوائل عام 1965 كنت مع الشاعر فاضل العزاوي نتجاذب أطراف الحديث في وقت متأخر من الليل وكنا عادة نقرأ ليلاً وربما حتى الصباح والاستغراق في النوم لما بعد الظهر، قلت له لماذا لا نقيم أمسية خاصة لبدر شاكر السياب بعد وفاته؟؟. وظل موضوع أمسية بدر مثار نقاش طويل بين فاضل العزاوي والصديق خليل المياح وبيني، وحاولنا استحصال موافقة لجنة التنظيم العليا حول هذه الأمسية لما لموضوع بدر من حساسية قد ينقسم فيها الرأي العام داخل السجن على نفسه، كنا جميعاً على دراية تامة بسلوك بدر وعلاقته السياسية المعقدة جداً بالطيف السياسي الموجود داخل السجن، وتقاطعه التام معه والذي وصل حد العداء لا بل الاستعداء المشترك بينهما، لقد سعينا إلى الارتفاع عن الصغائر والخلافات الضيقة وفضلنا عدم التعامل مع شخص بدر شاكر السياب شخصياً والذي خضع نهائياً لسلطة الغياب المادي المتمثل بالموت، وسيبقى بدر شاكر السياب الشاعر أرثاً ثقافياً كبيراً في خارطة الموروث الثقافي العراقي ولربما كانت فكرة الأمسية في ذلك المكان والزمان وأمام ذلك الطيف تعبر عن تحدّ لنمط من السلوك السياسي-الثقافي والذي يضع الثقافة والمثقفين في خانة ((الخوارج)) والتذبذب والتهميش و حتى الاندحا ر، ولقد كانت موافقة لجنة التنظيم السياسي العليا على إقامة هذه الأمسية بعد جهود حثيثة وشاقة ومضنية ومشروطة بأ ن لا تكرس تلك الامسية فقط لذكرى (بدرشاكر السياب) وان تكون مفتوحة ولامانع من تخصيص محور فيها لبدر الشاعر بادرة طيبة كشفت عن جذور كامنة مهيأة للنمو في وجدان العراقيين وأعماقهم وعلى مختلف مستوياتهم ومراكزهم وتوجهاتهم السياسية منذ ذلك الوقت لما يسمى حالياً بـ (ثقافة التسامح السياسي والتعدد والشفافية والانفتاح) .. وأقيمت الأمسية بالتزامن مع الذكرى الأربعينية الأولى لوفاة الشاعر بدر شاكر السياب، تحدث فيها الشاعر فاضل العزاوي عن مواضيع ثقافية وفنية وعرج على بدر شاكر السياب وشاعريته وأذ كر أنه أبدى رأياً متحفظاً حول ثقافة بدر وخاصة (الانكليزية) وكذلك حول شعره وساهم فيها آخرون كنت بينهم.قمنا بتهريب بعض المواد الثقافية الخاصة ببدر الى محرر صفحة (المنار الثقافي) التي تصدر في جريدة (المنار) في بغداد الذي ربما كان الشاعر خالد الحلي الذي نشرها بأوقات متباعدة وبأسمائنا دون ان نشير إلى حفل التأبين الأول للشاعر بدر شاكر السياب والذي أقمناه داخل اسوار سجن الحلة المركزي وفي القلعة الخامسة تحديداً.