معركة من اجل قيم عالمية
د. جواد الديوان
تنشر مجلة قضايا خارجية (انجيل السياسة الخارجية للولايات
المتحدة الامريكية) في كانون الثاني ـ شباط 2007 مقالا لرئيس الوزراء البريطاني
توني بلير تناول فيه الحرب ضد الارهاب مع تصوراته الفكرية عن الارهاب وجذوره في
العالم العربي والاسلامي وتناول بالشرح برنامج العالم المتقدم لمحاربة الارهاب.
ولم نتعود ان يتناول الساسة في العالم العربي والاسلامي الاسس الفكرية لبرامجهم
السياسية او لخطواتهم في الحكم، وكل الحراك السياسي في بلادنا رد فعل لخطوات في
عالم اخر. ووددت تناول المقال باعتباره الاساس الفلسفي للشريك الاول في الحرب
على الارهاب، حيث ابتلى العراق بكونه ساحة لهذه الحرب.
جذور التطرف:
استجابة الغرب لهجمات 11 أيلول اكثر خطورة مما ظهر وقتها، ليس لاختيار
الامن اساسا للمعركة بل لاختيار القيم اساسا لها، وعدم الرغبة بشكل اخر لطالبان
او صدام حسين. ولا يمكن هزيمة ايدولوجيات التعصب والتطرف بسجن او قتل قادتها
وانما يجب هزيمة الافكار. وستحسم الحرب الغير تقليدية التي يواجهها العالم على
مستوى القيم كما على مستوى القوة، بابراز القيم العالمية باعتبارها الاقوى
والافضل لتكون اكثر من قيم بديلة. وللحصول على دعم شعوب المنطقة فيجب مهاجمة
الفقر وتلوث البيئة والظلم في العالم.
جذور الموجة الجديدة من الارهاب والتطرف العالمي عميقة وظهرت بسبب عقود من
الاستلاب والظلم والاضطهاد السياسي في العالم العربي والاسلامي. ويؤكد بلير
بانه يكتب باحترام كامل باعتباره يتبع ديانة اخرى، فيجد بان القران يعيد
اليهودية والنصرانية الى اصولها الاولى كما فعل الاصلاحيون للكنيسة قبل قرون.
فالقران شامل يمجد العلم ويمقت الخرافة وينظم الزواج واحوال النساء والحكم.
وبارشاداته انتشر الاسلام وفرض سيطرته على الاراضي المسيحية والوثنية. وخلال
قرون كانت هناك امبراطورية اسلامية قادت الى الاكتشافات والفن بالحضارة.
في بداية قرن العشرين، وبعد حركة النهضة الاوربية (حركة انتقالية في اوربا بين
القرون الوسطى والعصر الحديث) مرت على اوربا حركتي الاصلاح الديني والتنوير في
حين كان العالم العربي والاسلامي غير امن وفي طور الدفاع عن نفسه. واتجهت بعض
البلدان الاسلامية مثل تركيا نحو العلمانية في حين اضطربت الدول الاخرى
بالاستعمار والتطرف الديني. والاسلاميون يشعرون بالاسى لحالة البلدان الاسلامية
تعاطفا مع الاسلام وتبادل المتطرفون السياسيون والدينيون المواقع. تعاونت
السلطة في البلدان العربية والاسلامية مع قادة التطرف الاسلامي ومنظريه (محاولة
لكسب ود الاسلاميين) وقمعت المتطرفين السياسيين فكانت النتيجة كارثية. ووجدت
السلطة بان التيارين يمثلون الحاجة للتغير حاولت دمج التطرف الديني والسياسة
الشعبية (سيطرة الدولة على الاقتصاد والانتاج) وابراز الغرب ومن تعاون معه
اعداء.
التطرف الديني شمل كل المذاهب الدينية، ولكن بعض من الاخوان المسلمين وبدعم من
التطرف الوهابي انتشر في الشرق الاوسط واسيا وتم تصديره للعالم. ولم يبدأ
الارهاب في شوارع نيويورك بل فقد العديد حياته خلال العصيان المسلح والهياج ضد
المصالح الغربية في كل العالم. وكان في اراضي الهند واندنوسيا وليبيا وباكستان
وروسيا والسعودية واليمن والجزائر والشيشان وكشمير ضحايا للارهاب. واصبحت اسباب
الصراع السياسية غير قابلة للحل بشكل مؤلم. واليوم في 30 الى 40 قطرا يخطط
الارهابيون لافعال ضعيفة الارتباط مع الايدولوجيا الدينية، رغم ان الكادر
الارهابي يستخدم الانسلاخ بين العروبة والدين بشكل واضح.
الاعمال الارهابية جزء من حركة نامية تعتقد ان المسلمين تركوا ايمانهم الصحيح
واقتبسوا من الثقافة الغربية بتشجيع الحكام الخونة، ولا اصلاح الا بالايمان
الصحيح فقط واستعادة كرامة المسلمين وثقتهم بانفسهم. والنضال ضد الارهاب في
مدريد او لندن او باريس هو نفسه في لبنان او فلسطين او العراق. والقتل في لندن
هو جزء من ايدولوجية الارهاب كما هو في ليبيا او السعودية او اليمن. وعندما
تسند ايران او تساعد مثل هذه المجاميع تصبح جزء من المعركة.
الايدولوجيات السياسية تتبلور بالتشاور واحيانا بالغرائز، اما في حركة الارهاب
فان الايدولوجيا عن طريق الغرائز. وللحركة نظرة عامة للعالم وادلة وحجج، وتشبه
الحركة الشيوعية الثورية وقتها، ولا تحتاج الى تركيب تنظيمي او مراكز قيادة او
اتصالات موسعة وانها تعرف ما تفكر به. لقد توضحت استراتيجية الحركة في نهاية
التسعينات من القرن الماضي، فقد كان القتال داخل الاسلام، فادرك المتطرفون ذلك
فخلقوا معركة مختلفة بين المسلمين والغرب. وهذا ما فعلته هجمات اا أيلول، ومن
المذهل زيادة عدد من يشير للارهاب بعد غزو افغانستان والعراق في حين ان الارهاب
قبل اا أيلول.
طبيعة النضال:
الاعداء في ايدولوجيا الحركة هم كل من يتعامل مع الاخرين بانفتاح ويؤمن
بالديمقراطية والحرية وحقوق الانسان سواء كانوا مسلمين او مسيحين او هندوس. ان
هذا صداما حول الحضارة وليس بين الحضارات. انه صراع قديم بين التطور ورد الفعل
وبين التفاؤل والامل من جهة والتشاؤم والخوف من جهة اخرى.
بعض الافكار الغربية تشير الى ظهور الارهاب بسبب اخطاء الغرب. ان الارهاب عالمي
وموجه ضد الولايات المتحدة وحلفائها والامم التي تشكل جزء من الغرب. وما يجري
في افغانستان والعراق هو سبب لبقاء جنود الغرب هناك. ولم يكن الارهاب نتاج
الفقر، ولكنه تبرير لاعمالهم وبعض المتعصبين ابطال للاعمال الاقتصادية. لم تكن
غاية الارهابيين قيام دولة فلسطين بل منع قيامها وتدمير اسائيل. ويأملون بان
يؤدي قوس التعصب الذي يمتد في المنطقة الى تداعي الاسلام الحديث، ويتم حكم
المنطقة من قبل اقلية بنظام حكم ديني شبه اقطاعي.
عدد من الدول الغربية تصدق دعايات المتطرفين (يستخدم المتعصبون وسائل الاعلام
الغربية للترويج للعنف)، وتجد هذه الدول ان اراقة الدماء في العراق سبب
للانسحاب، وكل مذبحة تحصل تؤشر المسؤولية الغربية، وبذلك يعتقد الكثير بان ما
حصل في 2003 كان خطأ، وان الارهاب سببه قمع الغرب للمسلمين، والانسحاب سيؤدي
الى توقف الهجمات. ان اول خطوة على طريق النصر هي معرفة اسباب المعركة، ولكن
غالبية الافكار الاوربية لا زالت بعيدة عن الصورة. ولن ينهزم الارهابيون الا
بتحدي افكارهم ليجد العالم ان مواقفهم تجاه الولايات المتحدة منافية للعقل.
ومفهومهم للحكم لفترة ما قبل الاقطاع ومواقفهم من المراة والدين والايمان هي
ردود افعال لا غير. ويجب رفض افعالهم البربرية واحساسهم بالظلم من الغرب.
ونتيجة التصادم بين الارهابين والتقدم تحدد مستقبل الغرب ولا خيار الا المعركة،
فقد فرضتها التغيرات في العالم، والتكاسل عن المسؤولية للولايات المتحدة فقط او
الخداع بتصوير الارهاب حوادث فردية يقوض الانتصار.
جبهتان :
رغم كل العنف والتخويف في العراق فقد شارك الناس باعداد غفيرة مخجلة
للديمقراطيات الغربية في الانتخابات. وهذا يؤشر بان الناس لا ترغب
بالديكتاتوريات ثيوقراطية كانت او مدنية. واوضح المسلمون في العراق وافغانستان
بان الديمقراطية حق لهم، حيث الرغبة في مجتمع يتعايش فيه مختلف الاديان
والثقافات، وهذا هو نضال الغرب.
يحاول خليط من المجاهدين الاجانب والصداميين الرافضين للعملية السياسية في
العراق، وكذلك بارونات المخدرات وطالبان والقاعدة في افغانستان، ايقاف العملية
الديمقراطية باعتبارها مفهوم غربي تم فرضه على الثقافة الاسلامية. وتشير نظرية
المؤامرة الى رغبة الغرب في السيطرة على النفط العراقي واعادة السيطرة
الامبريالية، وتؤيد بعض الدول الغربية هذه النظرية (مواقف انفعالية) حيث
الاساءة لحقوق الانسان من جانب بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية التي حصلت
ضمن المعركة بين الديمقراطية والعنف. والمواقف الانفعالية تحاول ايقاف اعادة
الاعمار والديمقراطية بالعنف. واصبحت الطاقة والكهرباء من المشاكل المزمنة في
العراق بسبب التخريب وليس كسل العراقيين او قوات التحالف، واصبح الشعب خائفا من
الارهاب والجريمة والعصابات التي تشكًل بعضها من المجرمين الذي اطلقهم صدام قبل
سقوطه. وعندما فشلت ردود الافعال في اخراج التحالف من العراق في وقت مبكر،
وايقاف التصويت، فاستدارت الى القتل الطائفي والاعمال الوحشية وبدايتها تدمير
المرقدين العسكريين. ان نجاح المتطرفين في العراق او افغانستان او لبنان يهدد
مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية والاسلامية، وفشلهم يعني ضربة قوية
للمتعصبين والمتطرفين ودعاياتهم ضد الغرب وقيمه. قوات الولايات المتحدة
وبريطانيا والامم الاخرى في العراق وافغانستان تساعد القوات المحلية وتسند
عملية الديمقراطية لتكون حصنا ضد الارهاب، وهناك تفويض كامل من الامم المتحدة
لتواجدها.
لقد شكل العراق تهديدا، فخاض حربين اقليميين وضده 14 قرارا من مجلس الامن،
وبعدها ظهر تقرير مجموعة دراسة العراق النهائي، وبعد حرب العراق تم وقف تكاثر
اسلحة التدمير الشامل (ما حصل في ليبيا وشبكة خان النووية). المسالة المهمة لم
تكن تغير الانظمة وانما تغير القيم التي تحكم تلك الامم، وعرف المتعصبون
والمتطرفون خطورة ذلك اكثر من بعض الدول الغربية.
معركة من اجل القلوب والعقول:
ان المعركة من اجل التحضر، ومنها ما يمكن انجازه ضمن الاسلام، فان التعصب
ليس صوت الاسلام الصحيح، فيحترم ملايين المسلمين في العالم ديانة الاخرين وهي
معركة من اجل التقدم. واذا اراد الغرب الامن لحياته، فلا يوجد طريق اخر سوى
القتال من اجل ذلك، وهذا يعني الدفاع عن قيمه في العالم، وبناء تحالف لهذه
القيم للعمل من خلاله.
يعمل ضد الغرب من يكرهه، ومعه من يتسائل حول دوافع الغرب وصدق نواياه ومساعداته
دون الكره. وهولاء من يمكن ان يسند القيم العالمية اختيارا عندما يؤمن بها.
انهم جميعا بحاجة الى اقناع ويحتاجون للتعلم حول العدالة وعدم التحيز والامن
والتقدم والازدهار. ولذلك هنالك اسئلة حول مصالح الغرب، واختبارات حيوية حول
التزاماته بالقيم العالمية. فان كان الغرب يؤمن بالعدالة فكيف يسمح بوفاة 30000
طفل يوميا بامراض يمكن الوقاية منها. واذا امن بالمسؤولية تجاه الاجيال
القادمة، فكيف يتعامل بلا مبالاة مع تلوث الارض وتدميرها. وكيف يستطيع الغرب
جلب السلام للشرق الاوسط اذا لم يجد حلا للسؤال حول اسرائيل. وكيف لا يتضامن مع
الشعوب عندما تعيش في خوف كما في مينمار وكوريا الشمالية والسودان وزيمبابوي.
ان كل ذلك يحتاج الى سياسة خارجية نشطة لا العزلة، ولا يمكن تحقيقها الا بتحالف
قوي مع الولايات المتحدة واوربا. ان الولايات المتحدة الامريكية صديق صعب،
والخطر في صداقته يكمن في امكانياتها على سحب الجسر المتحرك لتترك اهتمامها
بالعالم، واهميتها تكمن في استحالة حل المشاكل التي تضغط على الغرب على الغرب
بدونها.
ما بعد الامن:
امام الغرب تحدي اكبر من الامن، والخطر من انقسام السياسة العالمية الى
سياسة قاسية تركز على مطاردة الارهاب واخرى ناعمة لحملة على الفقر والظلم. ان
الحرب على الارهاب والفقر والظلم تستوجب الالتزام بالقيم العالمية. وتفعيل
السلام بين اسرائيل والفلسطينيين بشكل كامل ومثير مهم بالنسبة لمسالة الشرق
الاوسط (معركة ابعد من تصحيح وتحديد عهود الفلسطينيين). ومقارعة الفقر والمجاعة
والمرض والنزاعات وبالاخص افريقيا وزيادة المساعدات لها من خلال نشاط الغرب
فيها. وقبل 2005 لم يكن موضوع افريقيا والتغيرات المناخية مطروحا على الجدول
السياسي في لندن. ومن المهم تحريك مصادر التمويل لتحويل التزامات الغرب في 2005
الى افعال (اذا كان هناك التزام من قبل حكومات افريقيا، فان الشعوب بامكانها ان
تنجزالباقي)، ورغم الواقع المزري فعلى الغرب التفاؤل.
حماية الزراعة الاوربية فكرة وسياسة تكونت في عصور سابقة، وهذا وقت لانهاء ذلك،
لتتحقق تجارة متميزة ومستمرة، ولا يكفي التغير في اوربا، فعلى الولايات المتحدة
الامريكية فتح اسواقها وكذلك اليابان. وعند التعامل مع الاسواق الغير رزاعية
فستكون القيادة من قبل البرازيل والهند، وعلى الغرب ان يعمل لاعداد برنامج
لتطوير الدول الافقر. وكل العالم يحتاج الى التركيز على التغير في المناخ، ولن
تتسامح الاجيال القادمة على اهمال موضوع التغير في المناخ. ويحتاج العالم الى
افعال ذات نتائج يمكن قياسها. ومن الاعمال القومية تحقيق قفزة في التكنولوجيا
النظيفة التي تقلل التلوث. والولايات المتحدة تعمل من اجل اقتصاد قليل الكاربون
وتستثمر بثقل في التكنولوجيا النظيفة، ويجب ان تشارك الصين في ذلك، والعالم
امام بداية جديدة وتستطيع واشنطن قيادة ذلك.
وخلال سنوات عمله كرئيس وزراء يؤكد بلير بانه لم يصبح مثاليا او شكوكا بالدوافع
البشرية. واصبح اكثر اقتناعا بعدم التفريق بين السياسة الخارجية التي تقودها
القيم والاخرى التي تقودها المصالح. فالعولمة تتطلب التعاون والاخير يستوجب
نظام قيم مشترك. والقيم تمثل تطور الانسانية عبر العصور، وفي كل مرحلة حاربت
الانسانية من اجل القيم، وفي العصر الجديد يجب القتال من اجلها مرة اخرى.