| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. جمانة القروي

 

 

 

الثلاثاء 28/12/ 2010



العتمة والغياب

د. جمانة القروي
 

رمى بجسده على السرير الذي صر تحت ثقلــــــه. اغمض عينيه احس بحرقة فيهما، بدا الالم يضايقه، نهض الى الحمام اخذ يصب عليهما الماء البارد، شعر ببعض الارتياح ،عاد الى سريره مرة اخرى ،كانت الشقة لاتزال غارقة في العتمة والفوضى حيث تناثرت هنا وهناك الكتب والجرائد وكؤوس فيها ثمالات الشاي او العصير، وبعض الصحون فيها بقايا الطعام . تذكر انه لم يضع حتى ولا لقمة واحدة في فمه منذ الصباح، ليس لديه رغبة بالاكل،ولا يحس بالجوع ايضا، مكث في مكانه لا يلوي على شئ!!
لقد مرعليّ وقت طويل وانا اسكن هذه الشقة المنعزلة المظلمة القابعة في الطابق الرابع من احدى البنايات العالية بضواحي المدينة الكبيرة المزحمة بعماراتها ذات الالوان المختلفة،و التي استحال بعض منها جراء العوامل الطبيعة الى الوان كاحلة فقدت حيوتها. مرات عديدة فكرت بتغيرهذا المكان الذي بات يثقل علىّ بالذكريات وبوجوه الناس الذين عاشوا معي فيه.
الليل والسكون يلفان كل شئ حوله، لم يعد قادراً على الاستمرارهكذا دون هدف محدد، لقد اضناه الذهاب الى هذا وذاك لايجاد فرصة عمل ومقابل اي مبلغ مهما كان ضئيلا،على الاقل لتوفير جزء بسيطا من مصاريفه اليومية الضرورية.
أنا اعرف بالضبط مسالك شقتي هذه ، على الرغم من االظلام الحالك ، حتى اني لا احتاج الى النور كي ادخل غرفها، أو اصل لما اريده.! دخلت عليه مبتسمة لتجلس قرب رجليه، مثلما كانت تفعل دائما حين يعود متعبا ً او مستاءاً ،لازالت كما هي لم تتغير، سألته بصوتها ذي البحة المميزة " لقد اتعبك البحث عن عمل؟ إليس كذلك ؟ اين الناس الذين كانوا يحيطونك يوم كنت تملك كل شئ ؟ لماذا لم تعد تجدهم؟" . فتح عينيه كانتا تؤلمانه، تسائل مع نفسه" اين انت الان ياترى؟ وهل تذكريني كما اذكرك،؟ كم انا بحاجة اليك في هذا الوقت بالذات ،لا ليس الان فحســب وانما منذ اليوم الاول لغيابك ورحيلك عني ؟ آه كم افتقدك ! لقد مر وقت طويل على اخر مرة كنا فيها معا.! يومئذ كانت في اشد حالات غضبها، لقد كنت قاسيا معها، جرحتها وخنتها وغدرت بها مرات عديدة، إلا انها صبرت على وسامحتني كثيرا، لكني لم اتعض من حماقاتي . لقد احبتني بصدق واخلاص لم اجد مثلهما عند اي امرأة اخرى، وقد كافئتها بالكذب والرياء والخيانة .! كنت دائما اللعب بمشاعرها واحاسيسها واستغل حبها لي باستعبادها " !!
" لم اعد احتمل كل هذا الظلم والقسوة !! " رنت في راسه كلماتها الاخيرة قبل ان تغلق الباب خارجة من حياته الى الابد .! أراد ان يقول لها شيئا ما، إلا ان طرقات عنيفة على باب شقته جعلته يصحو من تأملاتــــه!
من الذي سيأتي الي في هذه الساعة، ربما هي! إلا تزال تذكر العنوان ؟ ربما غفرت لي زلاتي العديدة وجفائي المتعمد، وعادت لتحتويني بحبها الذي لاينضب ابدا ! ياليت، انا لا اريد غيرها هي الوحيدة التي فهمتني، على حقيقتي وقبلتني على علاتي ، ولم تتذمر! إلا بعد أن طفح كيل ظلمي وقساوتي عليها..
تحامل على نفسه وقام ليفتح الباب الذي يطرق بقوة وبتلاحق غريب، كأن الطارق فقد صبره ! اسرع وهو يردد بصوت مسموع " مهلا مهلا "! من يكون ذلك المستعجل المتلهف الذي يقف عند الباب ! خطوات قليلة هي ما يفصله عمن في الخارج ! لا احد سواها سيذكرني ، او يفكر بزيارتي في هذا الظلام الشاحب . اخذت الشكوك تعصف برأســـــه وتصفر كما الريح فـــــي وادٍ ضيق عميق ! حاول أن يكسو وجهه بايتسامة ترحيبة. سأخذها بين ذراعي، ولن اتوانَ في تقبيل جبينها معتذرا عن كل اساءتي لها.! تزاحمت الكلمات التي سيستقبلها بها في ذهنه المتعب،ولكنه اصيب فجأة باحباط . بماذا ساعلل لها صفعاتي وطردي لها من حياتي ؟، حتما نسيت كل شئ وعادت الي، وهذا يكفي ! لن اتفوه باي كلمة ولن اثير غبار الماضي ، او ارمي الحجر في الماء الراكد ، فما دامت قد طرقت بابي بعد طول انتظار فلما العتب ونكأ الجراح ! استعد تماما لكي يفتح بابه الموصد امام حنان تلك المراة التي احبته بقوة وتضحية لايوجد مثيلا لهما ولا يشوبهما شائبة .. هاهو يمني نفسه بلقاءها.! فتح الباب لم يجد امامه سوى العتمة ، ورائحة العفونة التي يتميز بها مدخل العمارة..
إ إكون قد تأخر فملت الوقوف في الظلام ؟ لا، لا حنان صبورة اذا عادت فانها حتما ستنتظرني حتى أفتح لها، ومهما استغرق ذلك من وقت، او حتى لو اقتضى الامر ان تجلس على السلم الذي يقابل الشقة كما فعلت في ذلك الاصيل.."إتذكر؟ حينما صرخت في وجهي كبركان هائج يقذف بحممه المحرقة ، يوم واجهتك بخيانتك لي؟ وكيف كسرت شوكة كبريائي عندما قلت لي اخرجي ولا تعودي فلم اعد اطيقك !!" فتش عن مصدر صوتها تلفت، مشى عبر الممر، ركض الى الطابق الاسفل عله يلحق به.! لو كانت هي لاستنشقت عطرها الذي احبه، والذي يسبقها دائما! لا لم تكن هي ! أذن من يكون ؟
تزاحمت الاسئلة والاستفسارت في ذهنه المشوش المتعب! عاد الى غرفة نومه بعد ان اغلق الباب،وقبل ان يصل الى مدخلها ، سمع ذات الطرقات المتلاحقة القوية مرة اخرى!اسرع متلهفا ليرى من يقف خلفـــــــه.! هي حنان، تحاول اللعب باعصابي، لا احد غيرها، حتما هي من يقرع هذا الباب الذي صدأ! ربما تريد معرفة ردت فعلي لمجيئها ، اكيد هي ، حاستها السادسة انبأتها بحاجتي لعودتهـــــا الى بيتها الذي هربت منـــــه ! " أنا لم اهرب انت من اجبرنـــي على الرحيـــل ، انت الذي كنت تناكدني وتثير غيرتي ،لقد اشقيتني بايثار النساء الرخيصات عليّ! أين من اهملتني من اجلهن؟ وهل كن يستحقن ما فعلته بي " ! سمع صوتها يؤنبـــه.! مهما حاولت التخفي والتنكر والتصنع بانها الوحيدة في حياتي إلا انها كانت تشعر باني مع امراة اخرى، وكم مرة واجهتني بأثمي فغضبت ونكرت وكذبت !..لاني على يقين بانها لن تحتمل البعد عنـــي مهما طال الزمان.! ساحتضنها وساقول لها اني بانتظارها منذ يوم رحيلها عني!
لم استطع الاستغناء عنك، حاولت ذلك، كابرت ارتميت باحضان اخريات محاولا البحث عنــــك فيهن، في عيونهن بحثت عن عينيك، واصلت البحث في وجههن عنك ، إلا اني لم اجد سوى سراب وهزائمي امامك ! فتح الباب مرة اخرى فواجهه دجى المدخـــل الدامس .
إتكأ على سريره ، الى متى سانتظر عودتها، وهل ستاتي قريبا ؟ مضى زمن على النار التي خلفتها، ومازالت تشعلها بالغياب، انا بحماقاتي وإسلوبي الفج أضعتها، لماذا انقطعت اخبارها ، اتراها رحلت عن علمنا الملئ بالمتاعب، هل نفذت وعدها لي؟
عاد الى ذلك الصبي النحيل الخجول الذي يحمل معولاً اطول منه واثقل من وزنه ، بينما السكون والوحشة يطبقان على الطريق، الهواجس تنهش داخله وأسئلة عقيمة تدور في راسه ،لماذا ولدت في بيت فقير، تملؤه المشاكل ، اباً عاجزاً ، وام لاتعرف كيف تطعم افواه اطفالها الجائعة!!
عند غسق ذلك اليوم حينما كانت الشمس تختبئ تحت عباءة الليل رويدا رويدا، كنت عائداً من ذلك العمل المضني ، وكتفي يئن تحت وطأة ثقل المعول، امشي كعادتي مثل كل مساء عابرا تلك المسالك حيث الصمت يخيم بظلاله على كل ما حولي ، لا يقطعه سوى حفيف الاشجار، و خرير الماء الذي ينساب من الجدول الصغير، الذي اعبره على خشبة مثبتة كيف ما اتفق عليه، بمثابة جسرٍ صغير، كنت مجبرا على اجتياز ذلك البستان ذو الاشجار المثمرة ، حيث اتوغل بعيدا عن الشارع الذي تقطعه السيارات المسرعة. قلبي الفتي يرتجف هلعا لاي حركة غير عادية او لسماعي اي صوت حتى وان كان ياتي من بعيد.! وبين الحين والاخر ينطلق عواء الكلاب الجائعة حينئذ كنت اطلق صوتي مغنيا، وفؤادي المرعوب يلوذ في جنباتي كطائر مذعور، حتى ارجلي لاتكاد تحملني فاسرع الخطى، لهاث خوفي يصل الى مسمعي ، اعدو والهلع يورق ويتشجر في داخلي ولا يبقى امامي سوى الركض كي اصل الناحية الاخرى من ذلك البستان حالك الظلمة، وما ان يلوح لي شحوب نور بيتنا الذي يقبع ضمن بيوت عديدة اخرى ،يتسرب لنفسي نوع من الاطمئنان والراحة .. يومئذ وهو يجتاز ذلك البستان واذا به يسمع خشخشة تكسر اوراق الاشجار اليابسة، وصوت انين مكتوم وتنهدات انبثقت من بين سعف وقصب ذلك الكوخ القصــي.. سار بأتجاهه،ما ان اقترب بضع خطوات حتى راى ثلاثة رجال يجلسون بجانبه، اختبئ خلف احدى الاشجار الهرمة !!
انتظرت برهة ،خرج احدهم من الكوخ فدخل اخر اخترق سمعي ذات الانين البطئ الثقيل الذي يخرج من نفس مجهدة ، لم يمر وقت طويل حتى دخل الثاني والثالث!! كمن في مكانه حتى رأهم يبتعدون عن المكان !! قفز كما السنجاب ودخل الكوخ ليستقصي الامر .. كانت المراة ماتزال تلملم اسمالها وتمسح دموعها بكفيها حينما باغتها هو الاخر!!..
انا ايضا اريدك ! رفضت إلا اني طرحتها ارضا، وهددتها بتهشيم راسها، فاذعنت لاغتصابي اياها.. كانت المرة الاولى التي اذق فيها طعم اللذة ..
شعر بغثيان ودوار، انتابه سعال لم يستطع الفكاك منه، حاول الاسترخاء والنوم. تمددت حنان قبالته، وضعت راسها على راحت يدها، وهي مبتسمة، اراد مسك يدها كي تضعها على راسه ، الذي شعر به، كأنه مرجل من الماء المغلي . فجأة تلاشت الابتسامة عن ذلك الوجه الضاحك الوديع لتحل محله الصرامة ." لاتلمسني ، لماذا فعلت بي كل هذا ؟ وانا التي قدمت نفسي قربان لك، إمن اجل الاولاد الذين كنت تحلم بهم ، لم يكن ذنبي ابدا. لقد بذلت من اجلك كل شئ إلا انك وبدون ان يرف لك جفن كنت تسدد الطعنة تلو الاخرى! عن ماذا كنت تبحث؟ كم مرة قتلتني ؟" تداخلت الاصوات في داخله حاورته وناقشته وخاطبته، دفعته للاعتراف بذنوبه ، باجحافه.. صرخ بصوت حارق " لقد ندمت الف مرة ، بحثت عنك في كل مكان ، لم اجدك اختفيت كأن اعصار جرفك في تياره العاتي ". !! انتابه شعور غامض، لم يشفَ منها، فقد تغلغلت في داخل شراينه، واخترقت مسامات جلده، واصبح يتعثر بعطرها اينما ذهب. مازالت انفاسها تطوقـــه، انارت الدمعات المتلاحقة وجهه المظلم ، وغص بالكلمات المتحشرجة الموقدة لنحيبــــــه..
تلاحقت الطرقات على الباب وصوت يناديه باسمه.. انه صوت حنان هذه نبرتها لاسرع كي لا ترحل وتتركني للعتمة والغياب مرة اخرى.. متلهفا فتح الباب عله يرى عينيها العسليتين اللتين كانتا تقطران بالحب والصدق قد عادتا اليه! ادار كوة الباب بسرعة ، فاتحا اياه على مصراعيه مرحبا بها . كانت قطة الجار السوداء تنظر اليه كطفل تاه عن اهله ، وتتوسله ان يعيدها اليهم بمواءها الحزين ..
عاد يجر اذيال الخيبة الى غرفته، اتجه الى نافذتها ليفتحها عسى أن تضئ انوار الشارع جزءاً من سواد الليل .. " اتذكر ياحبيب عمري كيف اشترينا هذه السائر وفصلناها؟، كم كنت سعيدة يومها رغم كل الجهد الذي بذلته بتحقيق شئ بسيط من السعادة واضفاء الجمال لبيتنا !!"
هذه المرة سمع طرقا عنيفاً على الباب ، واصواتنا ، وكلمات مبهمة متداخلة تأمره بفتح الباب .. ركض، تعثر، كاد يسقط ..!!وحينما فتحه لم يجد احد هناك سوى عتمة حالكة كعتمة القبر !!
ليتني اعرف اين حنان الان ؟؟ وماذا تفعل وكيف تعيش ؟ لقد القيت بعبء فشلي عليها، اي نحس يواجهني الومها عليه! اعنفها وانكر عليها وقوفها خلفي، المسيكنة كانت دائما ورائي.. انهرها واستخف بها ولاتفه الاسباب.. قدستني .. احتقرتها ، تسابقت لارضاء هذه ، وتلك دونها.. تشظيت، تناثرت من اجل نساء لم يكن يساوين ذرة من حنان ..!! وقفت امامه " الان عرفت واحسست ان ماكنت تقوم به من تخبط لم يكن إلا علامات الفشل الذريع الذي لحقك ، كم رغبت بابعادك عنه إلا ان اصرارك عليه كان غريبا ".. !!
اخذ الباب يرتجف امام طرقهم ودفعهم اياه ..لازالت الاصوات تسكب الخوف فيه ، وتجلجل بداخله ظلمة الوحشة والوحدة القاتلة ... صم اذنيه وانفجر يصرخ .. ويصرخ... ويصررررررررررخ...!!





 

free web counter