د. جاسم محمد الحافظ
الخميس 13/3/ 2008
فشلوا في إدارة البلاد... فأشاعوا البؤس والخرافات !د. جاسم محمد الحافظ
هاتفت والدتي لأطمأن على وضعها الصحي ووضع بغداد معآ ،شكرت الرب على كل شئ كعادتها...وأردفت قائلة ، رحمة...الحمد لله على ما نحن فيه من خير...وإستمرت في حديثها حتى فاجأتني قائلة ...مئات من فاقدي البصر ،عاد لهم بصرهم بعد زيارة أربعينية الإمام الحسين (ع) ، ومثلهم من المقعدين عادوا الى ذويهم سيراً على الأقدام...دهشت لهذا النبأ ، وسألت أمي ، أرأيتي أحداً من هؤلاء المحظوظين بعينك يا والدتي ، قالت : كلا ، لكن إبن فلان أبلغني بذلك . حينها أدركت ما وراء قول إبن فلان هذا .وحزنت كثيراً على والدتي ،وهي المعروفة برجاحة عقلها ، وبنت أحد كبار علماء النجف الأفاضل ، في الأربعينات من القرن الماضي .والتي دأبت على أن لا تصدق شيئاً إلا بعد أن تتحقق من وجوده . وتساءلت في سري لم يجري كل ذلك لأهلنا ؟ وعند أي حدود ستقف احزاب الإسلام السياسي في خداع الناس وتضليلهم ؟ والمذهب الجعفري إنفرد دون سواه من المذاهب الإسلامية بإطلاق حق الإجتهاد وتفعيل العقل ، الى الدرجة التي يحق فيها للمجتهد أن يسقط النص القرآني على زمان قومه ومكانهم ،ليتسنى له تفسيره وفق شروط ذلك الزمان والمكان لمعالجة الظواهر والمستجدات التي تواجه المؤمنين ، لتهدئة نفوسهم كما أراد الدين لهم ذلك ، وإني لعلى علم بأن الذي يفتح الباب هكذا لابد أن يكون جاهزاً لجعل كل عناصر وطقوس منظومة الإيمان عنده في وحدة متوازنة ومتجانسة ، لتحقيق هدف إشباع حاجات أتباعه الروحية ، ولهذا فإن المؤمنين الشيعة لا يجمعون على فقيه بعينه ، بل تتوزعهم مدارس فقهية تختلف في تحديد طرق علاقات الناس ومعاملاتهم على الأرض ، مما أدى الى تطور منهج الإعتدال عندهم مع تطور وعي الفقهاء وتجدد مدارسهم ، وإلتفاف المؤمنين طواعية حول اكثرهم ورعاُ وتقوى .على العكس من النهج السلفي عند أهل السنة ، الذين أوصدوا باب الإجتهاد بوجه العلماء ، وظلوا يأنون تحت ثقل إتساع الفجوة الحضارية بين أيام صدر الإسلام الخوالي ، وأيامنا الحاضرة هذه ، -- كحال أهل نجد والحجاز اليوم ،وهم في حيص بيص من أحقية نسائهم في قيادة العجلة من دونه -- حتى نتج عن ذلك كله جمودآ عقائديآ ، إختل فيه توازن سلوك الأتباع الى درجة إنهم لاذوا بالتطرف والعنف حد الإنتحار والقتل الذي حرّمه الإسلام لمواجهة كل جديد .
إنطلاقاً من ما تقدم ومن علم الناس بنهج الحسين (ع) المناهض للإستبداد والتجهيل ،وتيمناً بالمواقف الفكرية المعاصرة لكثير من الفقهاء ومن بينهم العلامة الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله ، في دعواتهم الدائمة الى تجنيب المذهب من كل ما يضعه في مواجة التنوير، أرى إنه من الضرورة بمكان ، أن تستعيد المراجع الشيعية زمام المبادرة في السيطرة على سلوك ومظاهر التعبير عن مشاعر وعواطف الناس أثناء الشعائر الدينية ، وخاصة المواكب الحسينية ،التي أخذت أحزاب الإسلام السياسي تجّيرها لصالح أطماعها وأهدافها الأنانية الضيقة لضمان حشد هؤلاء الفقراء وراء جداول أعمالها البائسة . للتغطية على فشلها في إدارة شؤون البلاد ، ان نهج شحن عواطف الناس بشكل هستيري وإستفزازي وإستحضار كل ما يفرقهم من حوادث التأريخ القديم كالقول: بإن السيوف التي تقتلنا ،هي نفسها التي قتلتك ياحسين ، تصب في إتجاه زيادة الإنقسام الطائفي ، الى جانب صور تطبير الأطفال الرضع ، وحشود البؤساء السائرون على الاقدام مئات الأميال ، -- المهددون بتقطيع أوصالهم بقنابل حقد القاعدة والبعثيين ، -- والجلد بالسلاسل الموصولة نهاياتها بشفرات حادة ، وإطلاق إشاعات تستخف بعقول المؤمنين . نهج خطير، يضع المرجعيات الدينية امام مسؤوليتها التأريخية في توعية أتباعها وأن تقول رأيها الشجاع والواضح في ذلك . للحفاظ على تراث هذا المذهب الموسوم بالتعقل والإعتدال ،كما على المثقفين جميعاً كسر حاجز التردد في الخوض في هذه الأمور وإبطال الاعيب وحجج الإسلاميين ، بأن هذه الميادين حكراً لهم ولا يجوز لغيرهم إقتحام أسوارها ، وهم الذين قال فيهم المناضل والشاعر العراقي الكبير مظفر النواب يوماً ،( مولاي علياً ، لو جئت اليوم لحاربك الداعون إليك وسموك شيوعيا ) . إن توعية الناس تشترط أحترام مشاعرهم وعقائدهم الى إقصى درجات الإحترام ، لأن ذلك من صلب الممارسة والحياة الديمقراطية التي ننشد بناءها في بلادنا . وأنا على يقين بأن غالبية قيادات أحزاب الإسلام السياسي من كل المذاهب ،لا تؤمن بالديمقراطية ولا تتمناها لشعبنا ، وأنها من أخطر القوى السياسية المناهضة لهذا النهج .