| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الثلاثاء 26/8/ 2008



من قتل كامل شياع ..؟

جاسم المطير

إنها وضعية سوداء ، ليست قصوى ، حين نسمع باغتيال رجل اسمه كامل شياع يتميز بكونه من أصحاب النوايا الثقافية الحسنة ، وأنه احد المناضلين النشيطين لمحو وصمة الظلم الواقع على المثقفين العراقيين منذ عقود عديدة من زمن القهر والاضطهاد .

ذهب من عاصمة الجمال والحياة بروكسل إلى عاصمة الاستجابات السريعة للعنف ، بغداد ، مندفعا بالقيم الإنسانية المتلائمة مع تكوينه العقلي والفني والنضالي . وجد نفسه حال سقوط الدكتاتور والدكتاتورية عام 2003 قادرا على المناداة بإزالة الحواجز أمام دور المثقفين في بناء عراق ٍ جديد ٍ أصابه وجع ٌ كبيرٌ من حروب ٍ ، داخلية وخارجية ، كان يعرف أنها تحمل أعباء مباشرة وغير مباشرة على العراق ، وما بعدها من نتائج كثيفة وخطيرة ، باهظة التكاليف ، وهي مدمرة ومكلفة إلى حدود كبرى .

لكنه عاد ، إلى وطنه ، من منفاه ليسهم مع المناضلين العراقيين كلهم ومع طليعتهم الثقافية لإيقاف سفك الدماء الزكية وإيقاف ضياع الأموال وإيقاف خراب الديار وإيقاف تدهور الثقافة العراقية .

لم تكن عودته إلى وطنه عبئا على أحد ، ولم تكن عبثا ، بل وجد في العودة عدالة القضية التي من اجلها انتمى ، ومن اجلها اتخذ قراره أن يكون مثقفا ، وأن يكون صحفيا من النوع الهادئ لتحقيق تحرير المثقف العراقي من القهر والطغيان والاستغلال . كان يعمل بداينميكية الأساليب الحضارية .. كان متحدا مع الثقافيين المتنورين وكان نشاطه في وزارة الثقافة نموذجا ثقافيا تكنوقراطيا . كان فارسا شهما في زمن الإرهاب وكان عصاميا في زمن الفساد وسطوة المفسدين . كان وريثا ملتزما لوعي عبد الجبار وهبي وعدنان البراك وشمران الياسري وغيرهم من أصحاب الدفاتر النضالية الأرجوانية حيث كتبوا فيها جدل الشعب العراقي حول قضيته ومستقبله بأروع أنواع الحبر ورسوم التضحيات .

كان يعرف احتمالا ً أن تأتيه رصاصة من عدو ملثم مجهول أو من معلوم متستر .

كان يعرف انه سيقتل بأيدي أعداء العدالة والمساواة .

كان يعلم انه سيكون يوما ما ضحية التناحر والتقاتل من اجل المناصب الطائفية .

كان يفهم أن عدالة قضيته ستكون عند آخرين منطلقا أساسيا للعدوان على حياته .

هو يعلم أن من يعمل بقوة الفضيلة وحرية الثقافة واستقلالية الموقف وبروح الحفاظ على الأخلاقية الوطنية إنما يعرض صدره لرصاصة تكتم صوته إلى الأبد .

لهذا اغتيل كامل شياع .

قتلته قوة العصابة التي تعرف أن الدولة لا تحميه .

قتلته العصابة التي تعرف أن الدولة مشغولة بتجهيزات الطائفية .

قتلته العصابة التي تظن أن العنف يمكن أن يدمر الثقافة .

قتلته عصابة تسرح وتمرح في الشوارع بلا مساءلات .

وبعد ،

من حق المثقفين العراقيين أن يمجدوا قوة الثقافة بتمجيد إرادة كفاح كامل شياع ، المكرسة عنده في الوطن والمنفى ، لتأصيل حضور المثقف العراقي وضميره في عملية هندسة وتخطيط مستقبل الشعب كله .

من حق المثقفين العراقيين أن يفخروا بالمناضل كامل شياع :

لأنه مشروع ثقافي

لأنه حياة نشيطة

لأنه أنموذج التنظيم الكبير

لأنه حرية مسلحة بالعقل الكبير

ولأنه يحمل رسما تخطيطيا لمستقبل الوطن العراقي .

لهذه الأسباب قتلوه .

يجب ، الآن ، على الوطن أن يسعى من اجل الحرية ، وان لا يخاطر بواقعه الديمقراطي . وان على المثقفين الديمقراطيين ، خارج العراق وداخله ، أن يقتدوا بكامل شياع وان يمدوا جذور ثقافاتهم إلى أعماق التنظيمات الجماهيرية ليقيموا فيها كما أقام كامل شياع ، وان يعيشوا في دروب ملاحم الشعب العراقي كما عاش كامل شياع .


بصرة لاهاي في 25 – 8 2008
 


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس