| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأحد 31/8/ 2008



نقرة السلمان
(2)

جاسم المطير

أول نموذج للحكم الذاتي الديمقراطي في العراق
أعتقد أنني سأكون قادراً ، خلال اقامتي هنا ، على اعتمــاد الصبر الطويل صديـــقاً حميماً لي .

كلمة سجين تنمو بقوة في أعماقي.

أنا سجين إذاً عليّ أن التمس السلام والهدوء .

ايقنتُ من اللحظة الأولى حقيقة أن من يصل الى هذه البقعة من الأرض الصحراوية الجنوبية لا يعرف متى تأتيه الحرية ، ولا يعرف هل سيواجهه موت أم مرض أم سقوط . كثيرون قبلنا تعلموا الصبر والحرية في هذا المكان قبل عقد من الزمان واكثر من امثال محمد حسين ابو العيس وحسين احمد الرضي ونافع يونس وزكي خيري وعمر علي الشيخ ومهدي حميد وحميد عثمان وحسقيل قوجمان وغيرهم .

حقيقة الأشياء غير مرئية ، لا في سياسة الحكومة العارفية ( عبد السلام عارف ومن بعده عبد الرحمن عارف ) ولا في إجراءات إدارة السجن ، ولا في تصرفات وسلوكيات وطباع السجانين .

الأشياء كلها ، في هذا المكان ، هي أسوار مضافة الى أسوار أربعة شاهقة تحجب الرؤية حجباً تاماً. كل الاحلام هنا مجنونة الا حلم الحزب الشيوعي والثقة بانتصار الشعب العراقي فهو حلم دائم العقلانية يستطيع السجين ان يهنا بملامحه .

عليّ ، مثل كل سجين آخر ، أن أدرك أن ميراث سجناء نقرة السلمان السابقين الذين عذبتهم اساليب مديرية التحقيقات الجنائية في العهد الملكي أنتقل إلينا نحن الجيل الجديد من السجناء القادمين من عذابات مقرات الحرس القومي وسجون وزارة العمل والشئون الاجتماعية ومن سراديب مديريات الأمن والشرطة ومعسكرات الجيش .

كيف يفكر أهالينا ..؟ كيف تفكر والدتي الآن .. كيف يفكر والدي الذي كان سجيناً ذات يوم في سجن البصرة ..؟ كيف تفكر زوجتي التي تطاردها فلول الامن في بغداد والبصرة ..؟ هل لديهم قناعة بأن أقامتي ستطول . هل يبكي والدي كما تبكي والدتي أو زوجتي ..؟

أمعنتُ النظر جيداً فوجدتُ أن قرار الحكم الصادر من المحكمة العرفية العسكرية في البصرة التي تشكلت وانعقدت في إحدى قاعات القاعدة البحرية العسكرية في منطقة الجبيلة ــ المعقل ــ الذي شملني مع عدد من الأصدقاء الآخريرن ( كان معي جياد تركي ، عضو سابق في اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة ، وعبد الحسين خليفة عضو سابق في مكتب المنطقة الجنوبية في الحزب الشيوعي العراقي .)

وقفنا أمام المحكمة موجهة إلينا بواسطة المدعي العام العسكري تهمة العمل على مقاومة الأنقلاب العسكري الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم ، والذي أطلقوا عليه " ثورة رمضان " أو " ثورة 8 شباط " التي نفذها حزب البعث العربي الاشتراكي بتحالفه مع بعض القوى القومية العربية وأحزابها وبدعم مباشر بالمال والسلاح من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر . التهمة الموجهة الينا كانت تنص على مدعيات باننا أستخدمنا القــوة المسلحة لمقاومة " ثورة رمضان " ومحاولة الإطاحة بها وتنصيب الحزب الشيوعي العراقي على رأس السلطة . وقد طالب المدعي العام باصدار حكم الاعدام بحقنا ..

لكن المحكمة لم تصدر حكمها كما اراد المدعي العام بل حكمت علي بالسجن لمدة عشرين عاماً . نفس الحكم الصادر بقرار واحد مشترك مع زميليّ.

رغم قساوة القرار إلاّ أنني مثل صاحبيّ سررتُ لهذا القرار .

كنا طيلة ساعات المحاكمة وما قبلها قاب قوسين أو أدنى من الاعدام . كنا نفكر بالإعدام المحتم .

المهم أننا أحياء الآن .

بادرتُ بالهتاف ، من داخل " القفص الخشبي " في المحكمة العرفية بسقوط الفاشية والدكتاتورية .

أجاب صاحباي بصوت مدو ، بشجاعة وقوة .

لاحظنا وجوماً غاضباً على وجوه ممثلي الأمن والأدعاء العام . ربما أرتعبوا من أصواتنا . لكن وجوه قضاة المحكمة الثلاثة بدت فيها معالم ارتياح رغم أنهم من صلب النظام العسكري الجديد الذي سيطر على الدولة بعد الانقلاب ــ في 18 تشرين الثاني 1963 ــ على حزب البعث العربي الاشتراكي وثورته التي لم تستمر في السلطة أكثر من تسعة شهور .

طالب المدعي العام من المحكمة إصدار أحكام إضافية بحقنا بسبب " شتم " حكومة الثورة وتحدي المحكمة والهتاف ضد الدكتاتورية .

خلال دقائق قليلة أصدرت المحكمة حكماً إضافياً بثلاث سنوات لكل واحد منا . بلغت سنوات محكومية كل منا ثلاثا وعشرين عاماً ..

خرجنا من قاعة المحكمة ، تنهال علي رؤوسنا وظهورنا ضربات حراسها بعصيهم وبأخامص بنادقهم عقاباً لصوتنا واحتجاجنا على الظلم والظالمين في هذا المكان المظلم ــ كان التيار الكهربائي منقطعاً ــ .

حال دخولي السجن جاءتني فكرة تدوين بعض تفاصيل ما أراه وما اسمعه وما أمارسه وما يواجهه السجناء كلهم .

بدأتُ مسرعاً في الكتابة ، فالزمن لا يمكن لأحد معرفة المخبوء فيه .

الآن توفر ظرف يساعدني على حمل الوريقات التي اكتبها في داخل السجن الى خارجه معنونة الى والدتي التي تعرف جيداً كيف واين تخبئها لضمان عدم ضياعها . سلمت أول رسالة أرسلتها الى والدتي بيد عائلة أحد السجناء التي جاءت لزيارته وهو ـ كاظم شاهر ـ من أهالي البصرة . في الحقيقة أنني لا أتذكر هل ان كاظم شاهر هو أسم صريح أم هو من اختراعي في تلك الفترة لأخفاء اسمه الحقيقي ضمانة لسلامته من الشرطة . أخفيتُ الرسالة الاولى بطريقة لا يمكن كشفها من قبل شرطة السجن أثناء تفتيشها. وضعتها في اسفل ترمس الشاي ورجوت من أم كاظم شاهر أيصالها الى صديقتها ، أي والدتي . وكانت والدتي تعرف هذه الطريقة في اخفاء الرسائل منذ زمان طويل فقد حملت الكثير من ترامس الماء والشاي بين بغداد والبصرة وفي اسفلها كانت رسائل حزبية خطيرة .

بدت لنا نحن السجناء الجدد القادمين من البصرة ، هذه الصحراء اليــابسة والقاســية "جميلة جداً " بعد أن قضينا عشرة شهور كاملة في الزنزانات المظلمة للحرس القومي أو في مراكز اعتقال أخرى بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 بقيادة عبد السلام محمد عارف . في الوهلة الأولى وجدنا آفاق الصحراء الجنوبية مضيئة وواسعة برغم عدم رؤيتنا لأي إنسان عدا أفراد الشرطة في سيارتهم الناقلة .

بعد ربع ساعة من مغادرة السيارة مدينة السماوة تاه السائق في الطريق . سار في طريق خاطئ . طبعاً لم يكن الطريق الطويل بين السماوة والنقرة مبلطاً ، ووجدنا أنفسنا بعد حين أننا على الحدود السعودية أمام مجموعة من البدو الرحل معهم أغنامهم الكثيرة . أنزلتنا الشرطة من السيارة غير مقيدين ـ كنا عشرة سجناء ـ . كان الجو بارداً رغم سطوع الشمس في ذلك اليوم الكانوني . أصبحنا قلقين لا نعرف مصيرنا بلا ماء ولا بانزين ، لكن لم تبدُ أية ملامح حيرة على وجوه الشرطة .

بعد دقائق قليلة من حديث الشرطة مع البدو ، بلهجة لم يكن أي واحد منا يفهمها أو يميزها إن كانت نجدية أم عراقية ، قدم لنا البدو ماءً ولبناً وتمراً ، وأكرمناهم نحن أيضاً فاكهة وصموناً وتبغاً . المهم قلبنا ارجلنا على أرض الصحراء بعد أن أضناها جلوسنا الصعب داخــل السيارة .

زاد كرمهم حين قدم أحدهم ، وهو سائق سيارة بيكاب قديمة تنكة بانزين رفض أن يستلم ثمنها من الشرطي السائق .

أثناء الحديث مع أحد البدو قال لي ما معناه : ( سلمني على السجناء كلهم ..سأدعو من الله في صلاتي هذه الليلة أن يخلصكم من هذه المحنة .. أنا لا افهم في السياسة لكن أعرف انتم سجناء مظلومين ..)

بهذه الكلمة شعرتُ بالبهجة .

أحسستُ أن لي وللسجناء السياسيين شأن في قلوب الناس ، حتى في قلوب هؤلاء الناس المنعزلين في صحراء نائية . كما انتاب نفس الشعور أصدقائي الآخرين .

أرشد أحدهم من البدو سائق سيارتنا الى الطريق الصحيح ونجونا بعد مسيرة ساعتين من الوصول إلى ما يشير بوجود بشر في قرية صغيرة فضمن كل واحد منا مصيره .

أننا نقترب من سجننا ، مصيرنا .

قبل نزول السيارة من تل غير مرتفع بدت ألوان صخور حجرية ناصعة مع بقايا شمس توشك أن تعلن غروبها . بعض الصخور كان يميل الى اللون الأحمر . الآخر كان يميل الى اللون الأصفر . كما شاهدت الوانا اخرى مختلفة تحت ضوء شمس الغروب لم اكن قد شاهدتها سابقا .

في بداية إنطلاق سيارتنا من مركز شرطة السماوة متجهين الى نقرة السلمان كان أهالي السماوة المارين في شوارعها التي اجتزناها يلوحون لنا بإشارات التحية . غادرنا المدينة الصغيرة الواقعة على الفرات حيث أقترن بها أسم المتنبي ، أما الآن فأن شرطة النقرة وأفراد من السجانة وشرطة البادية ومديرها ومدير السجن ومحاسبه إضافة الى وفد من داخل السجن ضم عباس بغدادي وخالد حبيب والضابط السابق النشيط أبو سليك ( كنعان العزاوي ) كانوا بانتظارنا بباب السجن مهنئين إيانا بسلامة الوصول . كانوا متوقعين ضياعنا في الطريق إذ كان موعد وصولنا لا يتجاوز الساعة الثانية عشرة بعد إرسال برقية شرطة السماوة حال مغادرتنا لها كما تقتضي عادة الاتصالات بين السجن وشرطة السماوة .

في داخل السجن كان السجناء يرحبون بنا مهنئين أيضاً بسلامة وصولنا فقد كانوا قلقين أيـضاً ..

شعرتُ بسعادة لا توصف في تلك اللحظة . كذلك أصدقائي الآخرون الذين بان على وجوههم انشراح كبير . كأننا دخلنا لحضور احتفال كبير وليس الى سجن كبير .

جاءتني سعادة غامرة حال رؤيتي والتقائي بعدد كبير من الرفاق والأصدقاء والمعارف . أنهم جميعاً أخوة وأحبة سبقوني الى هذا المكان . بعضهم دخل إليه في العام 196. بعد أن أعادوا فتحه في زمن عبد الكريم قاسم لاستقبال المعتقلين والسجناء الشيوعيين وأصدقائهم وحلفائهم . كان عددهم يتزايد ، يوماً بعد يوم ، بعد انحراف ثورة 14 تموز وقلبها ظهر المجن بوجه الشيوعيين ، حتى صار عددهم بالآلاف في المعتقلات المنتشرة في أنحاء مختلفة من مدن العراق .

حين شاهدنا نقرة السلمان من خارجها عرفنا أنها خشنة وغليظة في صخورها ورمالها وطريقها الترابي الوعر. لكننا وجدنا سجنها مختلفاً عنها تماماً .

الساحات الخلفية داخل السجن مغروسة بعدد من الأشجار . غرسها ورعاها السجناء أنفسهم . كما أن مساحات أخرى مزروعة بأنواع من الخضار وببعض أشجار فاكهة لم تثمر .

أول شيء يجب أن يطلبه السجين من أهله حين زيارة السجن هو جلب بذور خضار وشتلات من الكالبتوس إذ الحاجة إليها مستمرة . هكذا وردتنا أول توصية لتشييد السياج الأخضر حول السجن كي يحمينا من العواصف الترابية التي تهبّ علينا هائجة بين فترة وأخرى .

هذا ما تضمنته رسالتي الأولى الى والدتي التي ستزورني بعد أيام قليلة إذ جرى الاتفاق معها حين ودعتها أمام الباب الرئيسي لمركز شرطة السماوة قبيل مغادرتنا بقليل .

تقع مباني السجن داخل مستطيل في وسط الصحراء . تبعد بمسافة قليلة عن مساكن السجانين وعن مبنى شرطة البادية الجنوبية .

ما يثير الغرابة أن كل الأمكنة والأبنية في نقرة السلمان مستطيلة الشكل .

مبنى مديرية شرطة البادية مستطيل الشكل .

سجن حديدي صغير موجود في داخل المديرية مستطيل أيضاً. وهو مخصص لحجز المهربين والسجناء العاديين .

بيوت القرية مستطيلة .

بناء مستوصف القرية مستطيل الشكل .

قاعات سجننا وعددها عشرة مستطيلة .

مبنى مدير السجن وغرفه مستطيلات أيضاً ، ولا أحد يعرف من هو صاحب الفكرة في الاستطالة ولا الغرض منها.

في السجن بناءان :

الأول هو السجن القديم . مظلم ومبني من الحجر الصلد تظهر فيه من أول لحظة مقاصده المتوحشة في قطع صلة نزيله عن الحياة وعن رؤية الشمس وعن تنفس الهواء النقي . لا شبابيك فيه بل فتحات صغيرة في أعلى كل قاعة .

المبنى الثاني هو الذي أطلقوا عليه " السجن الجديد " ليس له باب منفصل عن القديم ، بل ان الدخول إليه يمر من بوابة السجن القديم .

السجن الجديد هو في الواقع كبير جداً . كل قاعة من قاعاته العشرة تعادل مساحة السجن القديم كلها . كانت القاعات العشرة قبل ازدياد عدد السجناء مخصصة للخيول والحيوانات وساحاته لسيارات شرطة البادية وبعض القاعات مخصصة للعلف الحيواني .

أشاد السجناء أنفسهم بداخله وبموجب تخطيط هندسي مدروس قام به بعض السجناء المهندسين ومن ذوي الخبرة ، مبان عديدة . أولها مطبخ كبير " مربع الشكل ..! " كما أشادوا مستوصفاً داخلياً صغيراً وقاعة صغيرة للاجتماعات الحزبية ومقراً لغرف تحرير واستنساخ الجريدة اليومية التي يصدرها السجناء . كما أشادوا الحمامات والتواليتات ونظموا ساحـة لكرة القـدم " شبه نظامية " وساحة أخرى لكرة السلة ، وعدة ساحات لكرة الطائرة ، وساحات عديدة لكرة الريشة وكرة المنضدة .

كما أشادوا عدداً من صفوف الدراسة .

ظاهرة العمران في السجن ظلت مستمرة . لا يمر يوم من دون وجود أعمال بناء أو تعمير أو تصليح .

سكنتُ في القاعة ( القاووش ) رقم أربعة ولم أغيره منذ أول يوم دخولي إليه حتى أخر يوم نقلوني منه . في هذه القاعة وجدتُ عدداً من أصدقائي . منهم المحامي نصيف الحجاج ، والمحامي كاظم علي جواد ، والتاجر سالم كتيباني ، والرائد أحمد درويش الخطــيب . وغيرهم . كل واحد من هؤلاء ، مثل باقي السجناء ، يشكل ظاهرة خاصة من ظواهر النضال الشيوعي لها تقييماتها الخاصة . فلكل سجين قصة تكشف وضعا خاصا من الماساة التي خلقتها الدكتاتورية البشعة في العراق .

بصورة عامة تكفي مساحة القاعة الواحدة لحوالي عشرين سجيناً أو أكثر بقليل . لكنني حين دخلت السجن في أول يوم كان عدد ساكني كل قاعة أكثر من مائة سجين يتصاعد كل يوم مع تزايد القادمين الجدد . حتى زاد عددنا ذات يوم في أواخر عام 1964 الى مائتين وأربعين سجيناً في القاعة الواحدة .

تقوم بإدارة السجن ، داخلياً ، شبكة واسعة من السجناء العاملين في أمور الخدمات تقودهم هيئة إدارية منتخبة توزع اختصاصات العمل والواجبات اليومية بين أعضائها .

هناك من هو مسئول عن الطبخ والمطبخ والتموين بالمواد الغذائية اللازمة لتغذية بضعة آلاف من السجناء لثلاث وجبات يومياً .

هناك مسئولية أخرى لتجهيز الماء الكافي يومياً ونقله الى السجن من آبار متعددة ، قسم منها قريب من السجن وقسم آخر بعيد في الصحراء . كما تقوم الهيئة بتوفير المياه اللازمة للسجناء بمستويات ثلاثة ، أولها ماء الشرب والطبخ . وثانيها مياه الحمامات وغسل الأواني والملابس ، وثالثها مياه السقي ومياه رش ساحات السجن صيفاً .

· هيئة أخرى متكونة من أطباء وممرضين مسئولة عن توفير الأدوية والعلاجات الطبية ومستلزمات العمليات الجراحية الصغرى (..كان بيننا من السجناء الاطباء والاختصاصيين والجراحين عدد كبير .منهم الدكتور الجراح رافد أديب بابان ، والدكتور فائق السامرائي ، والدكتور عبد السلام محمد ، وطبيب الأسنان فاضل الطائي والدكتور قتيبة الشيخ نوري وطبيب التخدير الدكتور سعيد غدير والدكتور الجراح احمد حسين البامرني والدكتور الصيدلي نعمان ثابت والطبيب الاخصائي عبد الصمد نعمان وغيرهم. ) .

كذلك توجد هيئة أخرى تعتني بشئون الدراسة ومكافحة الأمية ودراسة اللغات الأجنبية وتدريس الاقتصاد السياسي.

وهناك أيضا هيئة تحرير الجريدة اليومية .

اللجنة الثقافية مهمتها أقامة الندوات الأدبية والفنية أو إلقاء المحاضرات .

اللجنة الرياضية مهمتها تنسيق المباريات الرياضية المختلفة ، كرة القدم والسلة والطائرة وألعاب الساحة والميدان .

تولانا العمل اليومي بساعاته . كل سجين يمارس عملاً ما من أجل السجناء كلهم ثم يقضي باقي وقته مع هواياته التي هو حر فيها ، حتى النوم له حريته الكاملة في الحصول عليه مرتين باليوم الواحد . من الساعة الثانية ظهــراً حتى الثالثــة ، فترة القــيلولة يسمونها " فترة الهدوء " لا يحق فيها لأي واحد أن يزعج الآخرين ، أما النوم وإما الصمت .

الشعارات هنا محفورة في قلب كل سجين، كما يلي :

أنا أعمل إذاً أنا مسئول .

أنا أتولى نفسي وأعتنق مصير السجناء كلهم .

قدرتي من قدرة الآخرين .

ها هنا تتكون اول علاقات ديمقراطية حقيقية داخل مجتمع صغير اسمه السجن فقد ولدت هنا ونمت فكرة " الحكم الذاتي " وهو حكم يديره " مجلس " يتألف من " كل سجين " وهو بالشكل الذي سبق أن قرأته عن " المجلس العام " في أثينا . هنا في نقرة السلمان " كل " سجين يخدم " كل " سجين .

هذه هي أهم شعارات أول جمهورية للحكم الذاتي أنشأها بأنفسهم لأنفسهم سجناء شيوعيون ووطنيون في نقرة السلمان .

أول جمهورية شيوعية " حرة " في عمق الصحراء تحاول أن تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد وبسعادة مشتركة محدودة بنفس الحدود لجميع مواطنيها ، يأكلون نفس الطعام ويتذوقون نفس الشراب ويتنفسون نفس الغبار .

اول اسطورة من اساطير الديمقراطية اجدها متحققة في ظروف قاسية وتركيب اجتماعي قاس وتنظيم انساني قاس . وجدت ُ المقولة الشهيرة لابراهيم لنكولن ( حكومة الشعب يديرها الشعب من أجل الشعب ) متوفرة أيضا في هذه النقرة ، حيث السلطة الواقعية داخل السجن بيد السجناء أنفسهم أي أن القاعدة التي نادى بها لنكولن قد تغيرت إلى ( حكومة السجناء يديرها السجناء من أجل السجناء ) .

في الليل كتبتُ رسالة بريدية الى والدتي ..

( والدتي العزيزة وردة عباس

أرجو أن تكوني وصلتِ البصرة سالمة وبصحة جيدة . أعتقد أنك الآن بحاجة الى أطنان من الصبر الذي سبق وأن حملتِه على ظهرك منذ سنوات طويلة . أنني ، أيتها الوالدة العزيزة ، وصلتُ بالسلامة الى النقرة . لا أهتم بشيء الآن غير تذكيرك بضرورة العناية بصحتكِ كي تستطيعي معاودتي في المواجهات القادمة . كما أرجو عدم إشغال تفكيرك بي .

· لا تنسي الاتصال بعائلة عبد الوهاب طاهر وأبلاغها تحياته والطلب إليهم بضرورة إرسال حاجاته الخاصة التي سبق أن طلبها منهم . ( المقصود بالحاجات الخاصة هي المنشورات الحزبية الصادرة في تلك الفترة . )

الأخ سامي أحمد يرسل إليكِ تحياته الحارة .

· حسب توصيتكِ كتبتُ قبل قليل رسالة الى " سعاد " زوجتي (سميرة محمود البصري ) الهاربة من البصرة بعد أن فلتت من أيدي الحرس القومي . وتعيش مختفية في بغداد. )

سأرسلها لها غداً بالبريد الى بغداد .

تحياتي الحارة للوالد العزيز . أرجو موافاتي بمعلومات واضحة عن صحة عينيه فأنا قلق جداً عليها . أملي أن يتعافى بالرعاية الفائقة التي توليها له . كان والدي قد أصيب بالعمى الفجائي بعد يوم واحد من أعتقالي بيد الحرس القومي . )

حبي لكِ وللبصرة بأهلها ونخيلها . والى اللقاء قريباً.

المخلص / أبنكِ جاسم المطير ..

 

¤ نقرة السلمان (1)

 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس