| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأربعاء 9/7/ 2008



معضلة الذاكرة .. وقصة الهروب من سجن الحلة
(18)

جاسم المطير

اللمسات الأخيرة في النفق انتهت كليا الليلة البارحة .. فريق التنفيذ أنجز جميع ما عليه بإسهام رباعي خالد أنجزه بشجاعة نادرة وبهمة نادرة وبمستوى عال من المسئولية كل من فاضل عباس وكمال كماله وحسين ياسين وعقيل حبش وهم جميعا يستحقون مشاعر الامتنان في تاريخ الكفاح الشيوعي للسجناء السياسيين في العراق .

هكذا كان حافظ رسن يتحدث بطريقته الخاصة المعهودة ونحن نتناول الإفطار المشترك اللذيذ على مائدتي المتواضعة.

كان يهمس همسا :

ــ بعد غد سنكون في بغداد .. ساعة الصفر هي السادسة مساء .. كن مستعدا وخلال اليومين القادمين سنكمل كل شيء. سأرتب الأمور مع شقيقتي التي لدي موعدا خاصا معها ، غدا ، إذ استطاعت الحصول على موافقة من وزارة الداخلية لمواجهتي.

كان يقول كلامه وهو في غاية البهجة والسرور . وكنت أتمنى أن تستمر البهجة في صدورنا خلال الساعات الــ48 القادمة لكي نجتاز النفق بنجاح وأمان وصولا إلى الحرية في بغداد ، بعد أن ننهي احتفالاتنا بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية التي مضى على نجاحها نصف قرن من الزمان . كانت هذه المناسبة سندا وعذرا في الحصول على ملابسنا من إدارة السجن بحجة الاحتفال بها في مهرجاننا داخل السجن ومن ثم إعادتها ــ حسب الوعد ــ إلى الإدارة يوم 8 – 11 بعد الانتهاء من المهرجان. في الواقع كان لنا غرض آخر هو ارتداءها حال هروبنا من السجن فليس من الصحيح والمأمون هروبنا بملابس السجن أو بالبجاما . هيأنا بدلاتنا وأربطتنا وقمصاننا وأحذيتنا . كما هيأ مظفر النواب ملابسه العراقية الصرف ، كوفية وعقال ودشداشة وسترة .

في السابعة من مساء اليوم أقدم محاضرة عن النفط واحتكاراته ومستقبل منظمة أوبك كجزء من مساهمتي في فعاليات المهرجان الثقافي المقام خصيصا لثورة أكتوبر . أنا واثق أن هذه المحاضرة هي الأخيرة لي في سجن الحلة ، فأملي كبير جدا بنجاح الهروب في عملية صعبة اكتملت جميع مقوماتها بجهود جبارة وإبداعات متنوعة صنعتها عقول وأيادي فريق التنفيذ .

في نهاية النفق ، أي بقرب فتحة الخروج يوجد كلب كبير متوحش مربوط هناك . مهمته حراسة الكراج ليلا بالنباح المتواصل حال رؤيته لأي إنسان غريب في تلك الزاوية . هذا الكلب يحتاج إلى معالجة كي نضمن وقف نباحه عند خروجنا . تم الاتفاق مع سجين صيدلي بتسميم الكلب . صنع سما خاصا ممزوجا بقوطية لحم مثروم ، ترمى القوطية للكلب قبل عشرة دقائق من البدء بالهروب وهي كافية لإسكات نباحه إذ سيموت فورا ، مع أسفنا الشديد ، فربما يكون للضرورة أحكام ظالمة ، لتقديم هذه الضحية المسكينة . أخبرني حافظ رسن وهو في غاية السرور أن السم أصبح جاهزا .

في تمام الساعة التاسعة صباحا وصلنا خبر من إدارة السجن عن وصول مدير السجون العام ( لا أتذكر أسمه ) وهو رجل عسكري برتبة لواء ركن . يرغب في الدخول إلى السجن لإجراء الكشف على الأسلاك الكهربائية القديمة التي أدت ذات يوم قبل ثمانية أشهر إلى استشهاد أحد السجناء بصعقة كهربائية . إثر هذا الحادث قدمنا مذكرة طالبنا فيها بتغيير الأسلاك الكهربائية جميعها وتجديدها . اليوم جاء مدير السجون العام بنفسه للكشف على الأسلاك . هل يعقل ذلك ..؟

صارت عندنا شكوك فورية بهذا الطلب .

لا بد أن لديه مهمة أخرى حتما. لقد كنا قد منعنا دخول جماعة الوزير لتفتيش السجن وهاهم من جديد يحاولون التفتيش بوسيلة أخرى ، بحجة أخرى . أقسمَ مدير السجن وسجان صديق للسجناء أن المدير العام يريد إنجاز مهمة خاصة به لا علاقة له بما جرى قبل بضعة أيام . سيدخل السجن مع مرافقه وهو شرطي ليكشف الأسلاك بنفسه تمهيدا لتجديدها حسب طلبنا.

صدقنا ما قيل لنا ولكن بحذر. وافقنا على دخوله مع شرطي واحد فقط . رحب وفدنا به حال دخوله من الباب الرئيسي إلى داخل السجن ثم اتجه مع مرافقه إلى القاووش رقم واحد في السجن القديم . ثم انتقل إلى القاووش رقم 2 وحال خروجه منه متوجها إلى القاووش رقم 3 جاءنا أحد رفاقنا ليؤكد لنا أن مهمة هذا المدير لا علاقة لها بالأسلاك الكهربائية بل هي مهمة تفتيشية تستهدف كشف أشياء أخرى . فقد أخبرنا أن المدير العام لم يرفع رأسه إلى أعلى داخل القاووشين رقم 1 و2 حيث الأسلاك الكهربائية موزعة قرب السقف على الجدران . بل ركز على تفتيش أرضية القاووشين بعد أن طلب من مرافقه الشرطي برفع بعض الافرشة في الزوايا .

عرفنا في الحال أن المدير العام يلعب لعبة تفتيشية سريعة . بعد تفتيشه القاووشين 3 و4 صدر توجيه لبعض السجناء الذين كانوا يغسلون أرضية ساحة السجن بالماء والصابون ، بأن يرشوا ماء الأرضية مع أوساخها على المدير العام أثناء مروره بالساحة كأنما ذلك جرى بالمصادفة . وإذا بدأ بالسؤال أو الاحتجاج فيمكن الاعتذار منه . رشوا الماء عليه حال مروره بوسط الساحة ووسخت ملابسه العسكرية . وقف المدير لحظة أمام الفاعل قائلا : شكرا جزيلا .

لم يظهر عليه التأثر أو الاهتمام وسارع في إكمال بقية القواويش . حين وصل إلى قواويش السجناء العاديين تجاوزها دون أن يدخلها للتفتيش علما أن الأسلاك الكهربائية فيها كانت تحتاج إلى التغيير أكثر من غيرها . بهذه الخطوة كشف بوضوح عن نياته في تفتيش قواويش السجناء السياسيين . بالضبط صارت لدينا قناعة أن المدير العام يبحث عن نفق . وأنه يستكمل ما بحث عنه الوزير والمحافظ ومدير الأمن، من قبل .

ماذا نفعل .. كانت الدقائق تمشي سريعا وها هو الآن في السجن الجديد يتابع التفتيش الكاذب عن الأسلاك الكهربائية مخفيا هدفه الحقيقي في البحث عن " نفق " . الصمت يملآ الساحة ويلف السجناء كلهم كأنهم يقفون في مقبرة . شيئا فشيئا يقترب المدير العام من المنطقة المأهولة بأسرار النفق . سألت نفسي في تلك اللحظة سؤالا غريبا : هل يتحول النفق إلى مقبرة ..؟

اكتفيت بالصمت مع نفسي ، فلا جواب عندي لنفسي . بل اشتد عذابي و اشتد خوفي .

وقفنا حائرين أنا ومظفر النواب متكئين على حائط أحد القواويش المقابلة للصيدلية ، أي المقابلة للنفق الذي كان فيه ذلك اليوم بقية أكياس التراب التي لم يجر تصريفها . أصبح المدير العام في القاووش القريب من الصيدلية . أصابني الانهيار الفعلي ، أحسست بالضعف التام وبعدم القدرة على فعل أي شيء فقد كنت أرى الخطر الفعلي لكن لا أستطيع إزاحته ، وربما لا أحد في تلك اللحظات الحرجة يتمكن من إزاحته . شعرت أن كل شيء سينكشف حال دخوله الصيدلية وستضيع فرصتنا في نيل الحرية القريبة.

أحس بثقل يكبر على كتفي وعلى عنقي شيئاً فشيئاً، صار التفكير بانكشاف النفق يثقلني و ينهكني، وكنت اشعر أن عيني بلا حدقات وأن لساني انغرس في عنقي وغير قادر على الكلام .

لم تمض غير لحظات قليلة إلا ومظفر النواب ينطلق من جانبي نحو أثنين من السجناء الأكراد، وهما طويلين وبجسمين ضخمين . أمسك بيديهما طالبا منهما الوقوف بباب الصيدلية وتغطيته كليا ، ثم تجمع بالقرب منهما عدد من السجناء لإكمال مهمة التضليل على الصيدلية – النفق .

نجحت خطة مظفر النواب نجاحا أعاد القوة فورا إلى جسمي المرتعش . فما أن خرج المدير العام من قاووش ما قبل الصيدلية حتى تجمع حوله عدد من السجناء ، كل واحد منهم يعرض عليه مشكلته الشخصية . وبين الإجابة على استفسار هذا وذاك من السجناء تجاوز المدير العام باب الصيدلية داخلا القاووش الذي بعدها وهو القاووش الأخير منهيا مهمته التفتيشية .

حال خروجه قبلت مظفر النواب على وجنتيه ، فقد كان هو المنقذ الحقيقي لطريقنا نحو الحرية . كان هو الوحيد الذي أزاح خطرا حقيقيا .

كان نصيف الحجاج وحافظ رسن في درجة من اليأس مقاربة للدرجة التي كنت فيها. كانا في غاية الحزن وكان يسيطر عليهما شعور بأن " النفق " أصبح يواجه الاحتضار ، إذ ستطبق عليه عيون المدير العام في الدقائق القادمة .

لكن خفت حشرجات صدريهما، الآن، مثلما خفت من صدور جميع الذين كانوا يعرفون بخفايا موجودات الصيدلية ــ النفق. لقد اتسعت دائرة الدم في وجوهنا بسرور كبير بعد خروج المدير العام للسجون العراقية مؤكدا في تقريره: لا وجود لنفق في سجن الحلة..!

لقد دهشت حقا لمبادرة مظفر النواب المنشغل دائما بالنحو والصرف والبحور الشعرية، غير أنه بدا اليوم شخصا آخر، رجلا من نوع آخر. لا يغضب عند لحظة الملمات ولا ينهار ، فإذا كانت أشعاره مثل أشعار عمر بن أبي ربيعة تجعل القلوب تلين وتحب وتعشق ، فإن مبادراته في المواقف الحرجة قادرة على أن تصيب النجاح في لحظة الفشل ، وقادرة على تحقيق فرص الأمل في لحظة تجاوز اليأس .

أيقنت ُ تلك الليلة أن بستانا أو سجنا يوجد فيه مظفر النواب لا تجد فيه غير الورد ، وأن كل شوك يموت ، حتما ، بإرادة باسقة شماء تفور في صدور ِ مجمع ِ أحباب ٍ من شيوعيين سجناء تموج على ألسنتهم كلمات : (يا سعود أحنه عيب نهاب ) .

تدافعت الإرادات ، في كل الساعات اللاحقة ، بأقصى قوة في دواخلنا ، جميعا ، مركزة على ضرورة الاستعداد لساعة الصفر بعد غد .


يتبع

بصرة لاهاي في 77 – 2008

¤ الجزء السابع عشر
¤ الجزء السادس عشر
¤ الجزء الخامس عشر
¤ الجزء الرابع عشر
¤ الجزء الثالث عشر

¤ الجزء الثاني عشر

¤ الجزء الحادي عشر

¤ الجزء العاشر

¤ الجزء التاسع

¤ الجزء الثامن

¤ الجزء السابع

¤ الجزء السادس

¤ الجزء الخامس

¤ الجزء الرابع

¤ الجزء الثالث

¤ الجزء الثاني

¤ الجزء الأول


 


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس