عِـبَـر الأحزان وإرادة الحيـاة
جميـل روفائيـل
كثيـرة هي أقـدار الحياة ، وهي تجمع بين أفراح وأتراح ، لكن
المحزن والمؤلم منها هو الأكثر تأثيـرا في النفس ، والأوضح معالم ونتائـج وأيضا
تجارب وعـبـر .
وأشـد المؤلم هو الذي يسـببه الموت ، وأعمقه جرحا ما أصاب عزيـزا ، وكانت
مصيبتي بعزيزيـن ، بـدأت بابـن عمي ( ولا شقيق لأبي أنجب أولادا غير والده )
صبـري يونان ( 58 سـنة ) الذي كان يمثـل عندي شـقيقا رابعا ( كان يناديني
أخـونـي ) بالدرجة نفسـها التي يشـكلها أشـقائي الثلاثة من أبي وأمي ، خصوصا
أنه أصبح من دون شـقيق بعدما أعتـقل النظام المبـاد عام 1980 شـقيقه الوحيد (
أصغر منه وغير متزوج ) جلال بتهمة النضـال الشـيوعي وتـم الإعلام بإعدامه من
خلال ورقة صغيرة سـلمها رجال الأمن إلى منزل صبري مع كلام مختصر أنه : تـم دفنه
ولا يحق لكم طلب جثـته .
ولـم تـمر غيـر أسـابيع على فاجعتي بصـبري ، وقـبل أن يـبدأ الألم بالتخـفف ،
فوجعـت بشريكة حياتـي ( 61 سـنة ) التي قاسـينا حلـو الحياة ومـرّها معـا على
مـدى غالبيـة سـنوات العمـر .
لكـن للأحـزان والمآسـي أيضـا عِـبَـراً تسـتخلص منها ، فقـد أدركت أنها فوق
الخلافات وأقوى من الفرقة ، وحتى أكثر إزالة لتراكمات الضغائن وأهم تأثيـرا في
تحريك المشاعر التي كاد يخيـم النسـيان عليها بفعـل البعـاد وطول سـنينه .
ومـع أن لا مشـكلات شـخصية لـي مع أحـد ، كما أرى وأثـق ، وأن خلافاتي الخاصة
إن وجدت فهي وقـتية وتنحصر في التباين بين آرائـي ومواقف من أختـلف معـه في
الأمور القومية والوحدوية التي تخص شـعبنا ، فأنـا لا أجـد داخل شـعبنا (
الكلداني الآشوري السرياني ) أي فاصل ، ماضيا وحاضرا ومستـقبلا ، ما يتطلب
التميـيز بين الإنقسـامات المذهبية التي سـببت طوائف دينيـة ، وبيـن السـمات
القوميـة الجامعـة لشـعبنا مـن لغة وتاريخ وثـقافة وتـقاليد إجتماعية ومنطقة
جغرافية ، والتي تـتناقض مع تعـدد التسـميات .
إلاّ أنّـني ألتـزم الحوار في التـعبير عن رأيي ، وأعتـمد على المصادر الآثارية
والجغرافية ومراعاة الواقع في توضيح مـاأراه صوابا ومقبولا وكاشـفا للحقيقة
التي نكون بصـددها ، وهو مـاأجـده يوفر إحتـراما متبادلا يجمعني مع الذين لسـت
معهم على درب واحـد أو وفـاق كامـل . . . وأعتـرف أنـني تعلمت الكثير خلال
محاوراتـي ، وأدركت القسـم الأكبر من الأخطاء التي كنت أقع فيـها ، والتي منها
مايؤدي إلى إنحراف الحـوار عـن إطاره الصائب الذي ينبغـي أن لا يخرج عنـه ، وهو
مـا صـرت أتحـذره وأتجنـبه .
وفـي أحزانـي ، رأيت المواسـاة والمودة تأتيني من فئـات قومية وسياسية متنوعة
لشـعبنا ، سـواء التي يسـود الإتـفاق في الرأي بينـنا ، أو تـتراءى تباينـات
المواقف ـ شـديدا كان أم خفيفـا ـ بينـنا ، وإنـني إذ أعتـز بهـذه الآراء
جميعـا ، أجـد من الواجب أن أعبـر عن إمتـناني لأولئك الذين أتباين معهم ،
وبتـقديري أن هـذا دليل على أنـنا ، بالرغـم من التباين في آرائـنا ومواقـفنا ،
فإنـنا في درجـة من الوعي والتـفاهم ، توفر لنـا الإلتـقاء في السبيل المفـيد
لأمتـنا وبحيث يكون الرابح شـعبنا بكامله بما يضمن بقـاءه ورسـوخ مستـقبله ،
وهـو ما يعـني أن لا خاسـر في الرأي أو الموقف بينـنا ، فكلنا رابحـون
ومنتصـرون ومسـتـفيدون .
وأسـفرت أحزاني عن زيادة في عـدد معارفي ، فإضافـة إلى الذين كتبوا مواسـاتهم
من دون أن تكون معرفة مباشـرة بيننا ، فـإن كثيرين اتصـلوا بي هاتـفيـا
للتـعبير عن مواساتهم على رغم أنه لم تكن لي مثـل هذه العلاقة سـابقا معهـم ،
لابـل أن قسـما منهم كنت على علم بهم من خلال المواقع لا غيـر ، وهـذا جعلني
أتأكـد بأن لـي معـارف كثيـرين من خلال كتاباتـي ، وأن مجال الرأي والكتابة
والنشر هـو رابطة موصلة بين أقاصي الأرض ومختلف المسـاكن والأشـخاص ، كما كانت
دائمـا سـبيل الربط بين الماضي والحاضر . . نعـم كل الماضي مفيـد ولكن الأكثـر
فائدة فيـه ماكـان صادقـا ومرشـدا واختـياره معتـمدا على النقـاوة ، لا على
نزعـة الإنتـقائية والإسـتحسان القائم على الملاءمـة الشـخصية .
والـذي جـذب إنتـباهي حقـا ، كتابات المواسـاة الصادرة من أصدقاء ومعـارف
إنقطعت سـبل الإتصالات بينـنا منـذ ثلاثيـن سـنة أو أكثر ، حتى صـرت أجهل
مـاالذي فعلتـه صروف الدهـر وعـواتي أحداث الزمـان بهـم ، ومنهـم على سـبيل
المثـال والإشـارة في الإختـيار : ـ
سـيدا هرمز سـيدا ( الذي كان أول رئيس تحرير لمجلة قالا سوريايا وعملت معه عضوا
في هيئة التحرير ، وغادر العراق إلى أبوظبي ، ثم انقطعت أخباره عني ) وجوني
جورج يعـقوب ( الذي كان طفلا صغيرا عندما كنت أزور أهله الذين كانوا من أقرب
أصدقائي في بغداد ، وكنت معجبـا بجـده يعقـوب الآشوري النازح من حرير وبيطاس
الذي كان إنسـانا مجـدا في عمله من أجل أن يوفـر العيش لعائلته ، وطيبا إلى
أبعد الحدود مع معارفـه ) وشـموئيل إرميـا ( الذي عملنا معـا في المجلة
الثـقافية السريانية لتلفزيون كركوك ، حيث كنت أعـد مواد المجلة ويتولى هو
تـقديمها ، وهو الآن أنشـأ مع زميله يعقوب هاويل الإذاعة الآشورية في ملبورن ـ
أستراليا ) والصديقان العزيزان القديمان من قريتـي تللسقف الشماس خوشـابا يوسف
شاطي و كبـارا أسـوفي كبـارا ) . .
وإزاء كـل هـذا ، ينبغـي أن تكون إرادة الحيـاة والعمـل هي الأقـوى على تجـاوز
قسـوة الأحزان ، لا بـل تكون مشـجعا على مواصلة هذه الإرادة ، كمـا كانت قبل
مصائب الأحزان ، وفي هـذا تأكيـد على إسـتمرار وجود الإنسـان وعطائه ما بقـي في
القلب نبـض .