جمال الخرسان
gamalksn@hotmail.com
ذاكرة القصب (5)
عن نشوء الاهوار
جمال الخرسان
في كتابه عرب الاهوار يقول الرحالة ويلفريد ثيسيجر Wilfred Thesiger: "أن سقوط الحضارات وانتهاء عصر الحكام الأقوياء أدى إلى انهيار السدود وانهدام النواظم واندرست الأنهار وقنوات الري فأصبحت المياه تتدفق بلا موجّه أو مدبّر فغمرت الأراضي الشاسعة في جنوب العراق وكوّنت مساحات واسعة من المياه غطت معالم وآثار الحضارة القديمة .. في حين أحتفظت آثار المدن القديمة بارتفاعها كتلال تسمى (اليشن) ومفردها (ايشان) وعاشت فيها أنواع كثيرة من الحيوانات المائية والمتوحشة وهاجرت إليها الطيور في مواسم البرد.. وهكذا كانت الاهوار عالما كبيرا طالما أحتفظت بمكنوناتها المائية والنباتية والحيوانية نتيجة لما يصب فيها من مياه عند نهايات الانهارالكثيرة". ربما يعود الرأي لقناعات الرجل وربما استقاه ممن سبقوه، في كل الاحوال فان تلك القناعة لازالت حتى الان هي التفسير الاكثر اقناعا فيما يتعلق بالاهوار وتكوينها الى جنب الحواضر التاريخية التي عاشت في تلك المنطقة، ذلك الرأي الاكثر منطقية حول تفسير اتساع رقعة الاهوار وغمورها بالمياه من جهة، ووجود مدن واثار قديمة جدا من جهة اخرى، وهو ما يخطّيء النظرية التي يذهب اليها كافن ماكسويل "Gavin Maxwell" في كتابه "قصبة في مهب الريح" عن بدايات الاهوار حيث يقول:"في العصور البابلية أمتد الخليج العربي إلى أعالي العراق ..، وعندما تقهقر البحر ترك في أثره إقليما من الاهوار والجداول والمستنقعات ..، وعلى مر القرون انقسمت الاهوار الطبيعية المعرضة للتغيير بسبب تأثير البحر إلى مساحات يؤثر عليها الفيضان الموسمي والى أهوار شبه دائمة والى مساحات مركزية من الاهوار الدائمة الخضرة الواقعة في المناطق المنخفضة بين دجلة والفرات".
ولعل ما يعزّز الرأي الاول هو بقاء الاهوار بهذا الشكل منذ مئات وربما الاف السنين، إذ رغم كل ما تحمله مياه نهري دجلة والفرات من ترسبات طينية الا ان الاهوار بقيت محتفظة بذات المستويات وبذات الاعماق، ويفسر ذلك وفق معادلة بايلوجية تسمى "البناء التكتوني" التي تتأتّى من خلال حصول عمليتي الخسف والبناء، حيث يفيض النهران آلاف الاطنان من الغرين الذي ينتهي في المنطقة الهشة المنخفضة في عمق الاهوار، فتنخفض الارض هناك بما يوازي ارتفاع هذا الغرين، وهذا ما يحافظ على بقاء اعماق الاهوار في مستويات شبه ثابتة. هذا هو حال الاهوار انها مستودع مائي شاسع متباعد الاطراف، ومصفاة بايلوجية تعمل بلا كلل لتصفية مياه النهرين من الشوائب والغرين، هناك تضع المياه ثقلها في الاهوار وتسير بنقاء ازرق الى حيث شط العرب ومنطقة الخليج كي تعتاش عليها هناك الاسماك والكائنات البحرية. الاهوار اذن فعل طبيعي، ومعجزة انبثقت من فعل الرافدين العظيمين، وحتى يحسم بشكل علمي الجدل الدائر حول بدايات نشوء الاهوار، فالاهوار ليست الا حوض من الماء يفيض فيه مجموعة من الانهار المتفرعة عن دجلة والفرات، وهكذا كلما التقى الرافدان ولدت معجزة عراقية اخرى.
ذاكرة القصب (4) - جغرافيا الكنوز
ذاكرة القصب (3) - فوضى التسميات وغياب المصطلح العلمي
ذاكرة القصب (2) - كل شيء من الماء والقصب
ذاكرة القصب (1) - عشرون عاما على الكارثة