جيكور
jekoor22@hotmail.com
الأثنين 19 / 8 / 2013
قصة قصيرة
الصرة
علي صالح جيكور
إستيقظت هذا الصباح باكراً ، رغم أنه يوم عطلتي ، تطلعت الى النافذة التي تخللت ستائرها اشعة الشمس الدافئة ، أول يوم مشمس ، بعد أنتظار طويل لصيف توانى في قدومه ..
قدّرتُ أنها الساعة السادسة أو أكثر بقليل ، لاني لم أسمع صخب الاولاد بعد ، وصياح أمهم اليومي : ارتدي قميصك، البسي حذائك ، إشرب حليبك ، سوف نتأخر ، دق الجرس ، يلله يا أولاد..
إنسللت من فراشي بخفة ، وقد ومضت فكرة غريبة في رأسي دون سابق إنذار، ، القيت تحية الصباح على زوجتي ..
سألتها بلهجة حادة ، جادة ، كي أتفادى تعليقاتها الجانبية ، و إبتسامتها التي لا تخلو من مكر في مثل هذه الحالات..
أين ثياب الرياضة التي إشتريتها العام الماضي ؟؟
- ماذا ؟؟!!
ثياب الرياضة ، أظنك سمعتِ ما قلته ؟؟
ردت بلهجة لا تخلو من ذعر ، خشية أن أمنحها لأحد ، أو أتبرع بها كعادتي ..
ما حاجتك اليها الان ؟؟!!!
قلت بلهجة لا تقل جدية عن الاولى لأقطع طريق الجدال:
وماذا أفعل بها ؟؟! سأرتديها وأجري مثل الناس ..
تطلعت إلي بدهشة ، قلت أسرعِ قبل أن يستيقظ الاولاد ..
إرتديت ثيابي وهرعت الى الشارع تاركاً علامات الاستفهام والاستغراب تتراقص في عيني زوجتي المسكينة..
بدأت مشواري بالسير الحثيث قبل أن أنطلق بالجري ، سرت بضعة مئات من الامتار ثم أنعطفت نحو طريقٍ زراعي ضيق تحف به الاشجار من كل جانب ، تتخللها فتحات صغيرة وكبيرة تفضي الى طرقٍ فرعية كثيرة ..
إنطلقت مثل سلحفاة مرعوبة فاجأها تمساح تسلل من نهر، قدماي ثقيلتان ، كأني أحمل شخصاً على ظهري ، منذ عام لم أحرك جسدي ، ولم أمارس اية رياضة ، رحت أزيد من سرعتي رغم أنها ما تزال مثل خبب حصان عجوز، الثقل هو هو ، قررت أن أحافظ على هذا المستوى خشية التعرض الى تشنجات تحرمني طويلا من هذه الحركة..
نسمات الصباح منعشة ، بساط أخضر يفترش الارض كأنه سجادة منجدة ، رائحة العشب الندي وطراوته تبعث في النفس راحة لذيذة ، لمت نفسي على الايام التي هدرتها بعيداً عن هذه النشوة الرائعة..
بدأت ألهث واتنفس بصعوبة رغم اني لم أجتز سوى المئتي متر أو أقل ..
وفي لحظة مرقت من جانبي فتاة شقراء ، تثب مثل غزالة برية ، ممشوقة القوام ، تركت لشعرها المعقود حركة بندولية مثل ذيل الفرس ..
قلت لنفسي :
أركض وراءها ، إن لمستها فهي لك ، هذه الغزالة البرية لك ، ايها النمر الشرقي العجوز، هذه جائزتك ، إن إستطعت اللحاق بها ..
صدقت نفسي ، مثل الأشعب (*) عندما كان يبعد الصبيان المشاكسين عنه ..
همهمهم هااا هااا هم ، إلحق بها ايها ... ، همهمهم إمسكها من ذيلها الاشقر .هي لك ، مددت يدي في الفراغ ، قبضت على الشلال الاشقر ، سكنت حركته البندولية ، جررته بقوة لكنه سرعان ما إنفلت من وهم يدي وذاب ، ثم ذابت الغزالة البرية في المنعطف البعيد..
هاهاها إه إه إه هه إه ، رجل عجوز وزوجته ، يمرقان من جانبي ، صباح الخير أيها السيد ..
صبااااااا اه ال هم همهم إه أه إه ، رسمت على شفتي ابتسامة مصطنعة كي أخفي ما اعتراني من خجل..
لم اكمل جملتي ، لهاثي يسمع من بعيد ، كيف يمكن أن يكون هذا الامر؟؟ ألهذه الدرجة من التعاسة وصلت؟؟ ما الذي دهاك يا رجل ؟؟ حتى هؤلاء لا يمكنك اللحاق بهم..
تساءلت ما الذي يجعلهم مبتسمين ، فرحين ، يركضون بخفة الارانب ؟؟ كأن قانون الجاذبية لا يعنيهم ؟؟!!
وأنا ؟؟ آهٍ مني أنا ، قدماي ثقيلتان ، شيء يجثم على صدري ، أنوء بحمل ثقيل لا اعرف مصدره ، يخنقني ، يكبت نفسي ، كأني أهرب من وحشٍ يلاحقني في كابوس ، جثوت على ركبتي من الوهن ، تمنيت ان لا يمر احد فيرى خيبتي ، وقفت مرة ثانية وواصلت السير الحثيث ، صرت أخشى من التوغل قدماً الى المجهول ، كل خطوة الى الامام، تعني خطوة للعودة ، أنعطفت يمينا حيث طريق العودة ، سمعت خطوات قريبة مني ، تشاغلت بربط قيطان حذائي خشية ان تلقى عليّ تحية لا يمكنني ردها من شدة لهاثي..
لاحت لي اريكة من خشب الصندل على بعد مئة متر بين الاحراش والزهور البرية ، تبسمت في داخلي وقررت الذهاب الى هناك قبل العودة الى البيت كي ازجي الوقت وابعثره ..
جلست على الاريكة ، سرت نشوة لذيذة في جسدي، كأني سرت دهورا طويلة ، طفقت أرهف السمع الى زقزقة العصافير وهديل الحمائم ، رحت مسترسلا ، مطلق العنان لأفكاري وتأملاتي لهذا الجمال الساحر، وبينما كنت غارقاً بهذه الافكار ، فردت يدي بعد نفس عميق ، فاذا بشيء يلامس كفي ،أستويت جالساً وقد تملكني شيء من الخوف بعد أن رأيت صرةً كبيرة الى جانبي، لم أتنبه اليها عند قدومي، صرة كالتي كانت تحملها أمي على رأسها ، تلفت الى كل الجهات، لم أر شيئاً ولم اسمع صوتاً ، تلمستها بخوف ، جسست رزماً ورقية بحجم أوراق المال ، يا إلهي هل أنا في حلم ، هل مرت عصابة لصوص هنا وأختلفوا واقتتلوا على قسمة هذه الثروة ، درت بحركة سريعة ابحث بين الاحراش لعلي اجد جثث اللصوص الوهميين.. شعرت بخفة جسمي وكأني احلق في الفراغ..
عدت مسرعاً الى الصرة وجثوت بقربها ، سمعت صوت توقف سيارة ، لا اعرف كيف وصلت الى هنا ، سيارة شرطة ، حاولت ان أدفع الصرة بعيداً عني لكن الشرطيان كانا أسرع مني ..
ما الذي تفعله هنا ايها السيد في هذا الصباح الباكر؟؟
أشرت لهما الى ملابس الرياضة ، أنا في جولة جري ، شعرت بالتعب ، وسأواصل بعد قليل، حيياني بلياقة وتمنيا لي نهارا طيباً، ثم مضيا..
وضعت يدي على صدري، وسحبت نفساً عميقاً ، وحمدت الله أنهما لم ينتبها الى الصرة ، ولم يسألاني عن ما في داخلها..
حملتها على ظهري وسرت في خبب اقرب الى الجري مثل هر سرق فخذاً من أحدى المطابخ ، أحلامي تجري معي ، كل هذا المال لك ؟؟ سأرمي مفاتيح الباص الذي أعمل عليه بوجه مسؤولتي في العمل ، ستسألني عن السبب ، فأخرج لها لساني وامط أذني بكفي ، مثل الاطفال ثم أجري دون ان أقول بكلمة..
المسافة اصبحت دهراً طويلا الى البيت ، صرت أختبئ خلف الاشجار عندما يمر الراكضون، أو أنبطح أرضاً والصرة على ظهري، مفتعلاً حركات رياضية غريبة ..
وصلت الى البيت ، لم اضغط على الجرس خشية أن يتنبه الجيران، فتحت زوجتي الباب ، دفعتها الى الداخل ، صرخت بصوت خافت ، لملمي اغراضك ، أو لا ... إتركِ كل شيء، أصبحنا أغنياء يا زوجتي الحبيبة ، أغنياء..
لم ترتسم علامة الدهشة على وجهها ، ولم تعبأ بكلامي، أنزلت الصرة ، لم تنظر أليها وكأنها صرة من وهم..
تركتني وعادت الى المطبخ ، ذهلت عندما شاهدت صرة مثل صرتي فوق ظهرها ، نزل ولدي حسون وياسمين، فكانا يحملان صررا صغيرة هما أيضاً..
سقطت على الكرسي متهالكاً ، مرعوباً من هذا المشهد المحير، فتحت الصرة ونثرت الاوراق فوق رأسي وقمت أدور كالمجنون.. ربما أنا في منام ، أو يقظة أو ربما هي هلوسة ، لا يهم ..
قرأت الكلمات المكتوبة على الاوراق بالاحمر القاني :
هموم..
الوطن..
تكشف لي سر الثقل الذي يجثم على صدري ، وعرفت لم يركض الناس هنا فرحين كالارانب وكأنهم خارج قانون الجاذبية..
(*) هو شعيب أبن جبير ولد أيام الخليفة عثمان بن عفان (رض) من الطفيليين المشهورين عندما كان الاطفال يشاكسونه، يبعدهم عنه بان يقول لهم أن في بيت فلان وليمة ، فيركض الاطفال نحو ذلك البيت، وعندما يرى جريهم يصدق كذبته فيهرع اليهم هو الأخر.