| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

جيكور

 

 

الجمعة 23/12/ 2011

 

قصة قصيرة

سعدون

جيكور

اليوم الذي لم تضحك فيه،هو اليومٌ الذي لم تعش فيه،
هكذا يقول سعدون ، وهو يدور بين المحلات والدكاكين حاملا على كتفه كيس من الخام الخشن بجيبين ممتلئين احدهما بالحب الاحمر (*) ، والاخر بالابيض.
يسرع بمشيته حد الهرولة عندما يقترب من بعض الدكاكين التي لا يحب أصحابها بسبب خصومة او مماطلة في دفع حق له ، ويبطيء عندما يقترب من دكاكين اخرى،
يدعوه الكثيرون لا لشراء الكرزات اللذيذة التي يحملها فقط ، ولكن للاستماع الى الاراجيز والاشعار التي ينشدها بصوته الرخيم بطريقة تجعلهم يطربون، ويختمها بنهاية مضحكة كالعادة، .
فهو بارع في تأليف هذه الاشعار والاراجيز بشكل كوميدي يدعو الى العجب ، يجمع المتناقضات في بيت واحد ويقفّيها ، فمثلا صدر البيت يكون عن معركة تاريخية ، والعجز عن ادوات لمحرك سيارة،
أو الصدر في رثاء ملك او زعيم ، والعجز عن لفة فلافل ، وغيرها كثير من هذه الاشياء التي يتفنن في تجديدها وتقديمها لمحبيه ،
مدة الغناء أو الانشاد تتوقف على ما يُدفع له مقدماً ، يعطي مقابله قبضة من الحب الاحمر وأخرى من الابيض،
لا يقبل اي مبلغ دون أن يأخذ الاخرون مقابله قبضتين من هذه الكرزات، وألا فهي شحاته وتسّول كما يقول ، وهذا ما لا يرضاه.
مقابل الربع دينار ينشد مقطعاً قصيراً ينتهي بهزات من كتفيه ودوران رقبته، والنصف دينار قصيدة أطول تختم بهزات ودوران أطول ،
أما اذا دُفع له ديناراً أو اكثر ، فانه ينشد قصيدة طويلة مع بيت أبوذية ، يختمها بضرطات مموسقة ويهرب من المكان، تاركاً الجميع يغرق في ضحك هستيري يُسمع من بعيد.
يتبعه البعض متوسلا بأعادة ما فعله، يزيدون له العطاء، يماطل ويفاوض احياناً بخبث مستغلاً توقهم الى هذه الكوميديا العجيبة . ،شكله يألفه ويحبه كل من التقاه
عيناه صغيرتان ، تلتمعان مثل عيني ذئب ، أنفه كبير ، تجعدت فيه بثور وندبات اكثر من ثلاثين عاما من التدخين وكؤوس العرق ، وجهه مثلث قاعدته الى الاعلى، في خديه غمازتين كبيرتين،وشارب كأنه خيط رفيع خط فوق شفته العليا، هذه الملامح جعلت له شكلا مألوفاً وجاذبية لا تقاوم ،
الابتسامة لا تفارقه حتى اذا كان غافياً في احدى زوايا السوق بعد جولة تبدأ من الساعة التاسعة صباحاً الى الواحدة ظهراً ، قالوا سيموت سعدون وهو مبتسم، راهن كثيرون على رؤيتة متجهم او كئيب، لكنهم خسروا الرهان.
شكله ينسجم تماما مع الحركات والغناء الذي يقوم به بلتقائية وحذاقة ماهرتين.
حاول البعض تقليد ما يفعله ، فشلوا ايما فشل ، وأصبحوا محط سخرية واستهزاء الجميع.
لا احد يعرف أين يعيش ، أو من أين يأتي ، قيل عنه الكثير، نسجوا حكايات كثيرة وصلت الى حد الاسطرة،
قال بعضهم انه شاهدَ سعدون يخرج من احدى النوادي الليلية الشهيرة ، يرتدي بدلة رسمية ويركب سيارة فاخرة،
والبعض قال أن أولاده وبناته مهندسون واطباء، تبرأوا منه لانه مازال يمتهن هذا العمل الذي أدمن عليه طوال حياته،
أخرون قالوا انهم رأوه يخرج من مديرية الامن وعلى كتفيه ثلاث نجمات،
وحلف أخر أنه شاهد سعدون في مزاد علني يشتري صفقة كبيرة من الالات الثقيلة والمعدات الزراعية والشاحنات. أقاويل كثيرة ،وهذا هو ديدن الناس عن كل شيء يجهلوه، لم يستطع احد ان يثبت او ينفي تلك الاقاويل.
تبعه بعض الفضوليون الى مراّب المدينة ، ليعرفوا الى أي جهة يذهب أو أي باصات يركب، لكن دون جدوى، كان يذوب كل مرة وسط الجموع ويختفي اثره .
في سفرتي الثانية الى الوطن، كنت جالساً في مكتب للعقار وسط المدينة، مرّ رجل يسحل برجله ويتكأ على عكّاز، هرعت الى الخارج..
سعدون؟؟؟؟؟...........
اِلتفت الي، اقتربت منه.. لم تتغير يا سعدون، انت كما كنت قبل ثلاثين عام..
تبسم بسخرية ، وأشار الى لحيته البيضاء والعكاز..
هل عرفتني يا سعدون؟؟
أستاذ سامي قفطان؟؟ ههههههههههههه قالها (رغم عدم شبهي بالاستاذ سامي قفطان)
مازلت كما انت يا سعدون لم تكبر ولم تتغير، النكتة حاضرة على لسانك..
لا تؤاخذني يا استاذ ، الزمان اللعين أنسانا أسماءنا، شكلك ليس غريب عني،
لا عليك يا سعدون لآن الذين يعرفونك أكثر من الذين تعرفهم بكثير.
كان يحمل بيديه صوراً للزعيم عبدالكريم قاسم، ولممثلين أتراك،
والحب الاحمر والابيض يا سعدون؟؟
لم تعد للناس اسنان تكّرز ، ولا وجوه تضحك، أنظر الى الخراب الذي عم كل شيء، وجوه مطاطية مقيتة ، تلتحي الكأبة والوجوم ، كأنهم من عالم أخر، أعرف أباء هؤلاء المنافقين التافهين ،كانوا مرحين ويعشقون الحياة، ضحكاتهم تملاْ السوق الكبير، لا أعرف كيف خلفّوا هذا الجيل اللعين؟؟
أقترب مني وهمس : تصور يا استاذ حتى في الاعراس لا يضحكون، يلطمون ويبكون بمناسبة وبدون مناسبة، لا أعرف كيف يكون شكل الحياة بلا فرح أو بسمة؟؟؟!!
كيف تعيش يا سعدون؟؟
الحمدلله ، مستورة يا أستاذ، كثيرون يحبون الزعيم ويشترون صوره، والاكثر يشترون صور مهند وهذه الحسناء التي لا اعرف أسمهاا هههههههه.
سحبت ورقة فئة الخمسة والعشرين الف من محفظتي ، بكم هذه الصورة؟؟ الف دينار يا استاذ.
اعطني واحدة واحتفظ بالباقي ، ارتمى على يدي ليقّبلها.. سحبتها بسرعة وقبلّت رأسه..
أسمعني شيء مما كنت تغنيه يا سعدون
جرّ حسرة عميقة، وأخذ يغني هذا البيت الزهيري : (**)

يا صاح دنياك مظلم كــــــــــــــل وكت جوها
وتشوف سمح الارض لاجن من نكر جوها
أخبرك نفس الصحيب الساعــــــــدك جوها
من حيث عسر الدهــــــــــــر يتيسر بالعانة
والعبرات أبفلس، صارت عبرتـــــــــه بعانة
لا يا مريض الحســـــــــد، ماكو ناس بالعانة
دنياك هم ودرد، ذبــــــــــــــها،ما تذب جوها

سقطت دمعة من عيني، وتراقصت مثلها في عيني سعدون، مازالت عيناه الثعلبيتين تحتفظان بذاك البريق القديم..
مددت يدي الى محفظتي لآستل ورقة اخرى.. ضغط على يدي بقوة ، اقسم انه لن يأخذ شيء مني..
ابتسمت له ابتسامه عرف مفادهها.. قال:
تركت الموسقة منذ زمن بعيد يا استاذ ، انه العمر.. لو عاد الزمان لاهديتك دزينة كاملة..
ضحكت ،
ضحك ،
ضحكنا معاً بمرارة
جرّ عكازه ، أومأ لي شاكراً، ثم ذاب في الزحام.


(*)
الحب الاحمر والابيض: هما بزر البطيخ والشمام
(**)
هذا البيت للمطرب الراحل عبادي العماري







 

free web counter