| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 29 / 3 / 2020 قرطبة عدنان الظاهر كتابات أخرى للكاتبة على موقع الناس
كورونا ـ العدو الخفيّ
قرطبة الظاهر
(موقع الناس)
لا نراه بالعين المجردة كي نتمعن في منظره ولونه وخاصيته وتصرفه عندما يغير على اجسادنا لاجتياحها والفتك بها. عدو جرثومي من فئة الفايروسات التابعة لعائلة السارز الفتاكة والتي تحظى بتأريخ حافل في القضاء على البشرية، خاصة بين الأعوام 2002 و2003. لذا فأن الفايروس يحمل أسم (Sars-CoV2) لارتباطه العميق بفايروس السارز. لعل عدم رؤيته بالعين المجردة هي من تجعلنا نشعر بعض الأحيان بان العالم كله يبالغ في إعتقاده او تصوره بأن ثمة مرض ينتشر في خلايا اجسادنا ويقضي عليها، بل ان بإمكانه التحول والتغير والتنكر في أي وقت يراه مناسبا ليعيد هجومه على الأبرياء منا، شيوخا وضعفاء.
في العام المنصرم، 2019 أعلنت الصحف الألمانية ومنذ الشهر العاشر/ أكتوبر بان ثمة فايروس انفلاونزي شرس سيشتاح البلاد لكنها ابت عن الفصح باسمه. نصحت الصحف في جل مقالاتها بالتوجه إلى طبيب العائلة لتلقي اللقاح اللازم. هرع الكثيرون من الناس للتلقيح، لكن فئة كبيرة كانت تعتقد بان كلما ازداد مفعول اللقاح سنويا كلما ضعفت مناعة الجسم، فأبتعدوا عن فكرة تلقي اللقاح. وبالرغم من الالحاح الحكومي الألماني عبر الصحف والاعلام المرئي والرقمي فأن ثمة ثقافة في أوروبا تتبنى موقف "النظرة الكونية" للامور: فهي تنطلق من ان العالم باسره يعيش في جعبة مميتة قاتلة بسبب التلوث المناخي وأزدياد درجات الحرارة فقدان الوعي في تجزئة وتدوير النفايات وازدياد ثاني أوكسيد الكاربون في الهواء، بالاخص في المدن الكبرى والصناعية والاقتصادية والخ من العوامل التي تؤثر سلبا على الكرة الأرضية وديمومتها. فكل ما هو من صنيعة البشر يعود سلبا او إيجابا على البشر والبشرية.
المدن الصاخبة بالضوضاء لا توفر البيئة الملائمة للابداع او التفكير العميق او الابتكار بل انها تصنع بشرا مشوش الذهن، او يعاني من امراض سمعية او نفسية كثيرة. وكذلك المدن التي تفوح منها روائح المصانع الكريهة لا يمكن ان تتمتع بمقومات اجتماعية صحية وناضجة كما حال الدول التي اجتازت الحروب والمآسي. وتعود النظرة الكونية الثقافية إلى تأريخ أوروبا في الصراعات والحروب وما نجم عنها من فواجع بيئية وكارثية: فتلك حرب الثلاثون عاما بين البروتستان والكاثوليك التي "إزدهر" فيها الطاعون القاتل الذي قضى على ثلثي سكان القارة الأوروبية في الفترة ما بين العصر البرونزي حتى القرن التاسع عشر. وتلك الأنفلونزا الاسبانية التي اكتشفت في أمريكا في ولاية كنزاس وفتكت عام 2018 باكثر من 50 مليون انسان. لذا فأن ما ينجم عن كل الاحداث السياسية والبيئية والعسكرية في هذا العالم يحصد ثماره الأوروبيون وقارتهم عبر التاريخ والازمنة بسبب تعاملاتهم التجارية والسياسية واستراتيجياتهم ومصالحهم مع بقية القارات.
لماذا تغيرت النظرة الأوروبية في هذه السنة تحديدا؟ حاولت البحث عن الإجابة على هذا السؤال مستأنسة بالحوار مع عالم النفس السيد غيرد غيغيرنسر في صحيفة دير شبيغل الألمانية، علني أجد جوابا على هذه الثقافة التي تحولت الان إلى خوف حقيقي داخل نفوس الأوروبيين، بعد ان أصبح الموت في أوروبا لا يميز بين الأديان والطوائف والقوميات والأفكار، فهو يقتل من يشاء ويحي من يشاء. يذكر السيد غيرد في حواره بان علينا ان نرى تصرف الناس كي نستنتج مخاوفهم، فما حصل من اجتياح على الأسواق وشراء اللوازم هو خير دليل على الخوف الذي يدور في اذهان الناس. وعندما يرى اخرون ما يفعله اقرانهم سيلجأون إلى ذات التصرف ويقومون بشراء ما قد يحتاجونه بكميات كبيرة. فالخوف يولد خوف أكبر من اوله.
وان دققنا في سلوك الأوروبيين الشرائي وما يهمهم بالدرجة الأولى سنجد تفاوت حادا في الطموح البشري أثناء الازمات: نرى ان الأمريكيين يميلون لشراء الأسلحة بكثرة والفرنسيون النبيذ الأحمر والالمان ورق التواليت! السلوك الاجتماعي والجمعي بقناعة او دونها يرينا اثار الخوف، والشعور بالنقص من نفاذ ما يلزم البشر في حياتهم بتفاوت عقلي كبير ما بين الرغبة والطموح لاقتناء الأشياء. هذا الخوف ناجم عن صدمة نفسية تحدث عند البشر في توقيتات الحروب والأزمات والحوادث بالدرجة الأولى، عندما يلقي عدد كبير من الناس حتفهم جراء تلك الفواجع. وما أكثر هذه الصدمات النفسية في الشرق الأوسط وفي اسيا وتأثيراتها على نفوس البشر وتصرفاتهم الاجتماعية.
سألت أحد زميلاتي في العمل: "بما تشعرين"؟ فأجابت: "أنا خائفة قرطبة، خائفة من ضغوط العمل اليومي وما يتوجب علينا تقديمه من نتائج مرضية لزبائننا في المشروع، فالجودة والتقنية الدقيقة في عالم التكنولوجيا والسيارات هي سر نجاح الشركات العاملة في هذا القطاع ونحن جميعا في تنافس حاد وكبير، ثم هذا الفايروس الذي يشغل اذهاننا وما قد يفعله بنا في أي لحظة ويحول حياتنا واحلامنا إلى كابوس وجحيم، نعم انا خائفة جدا، حتى انني لا أستطيع النوم من شدة القلق والارق والتفكير." حال زميلتي كحال الجيران والأصدقاء لكن الحل الأمثل ليس بالتخويف والهستريا وانما بالتزام الهدوء واتباع التعليمات للحيلولة دون انتشار الوباء، ثم الاصغاء والاستفسار والبحث عن الحقائق والمعلومات الكافية، حسب قول السيد غيرد.الشعب الان احوج إلى حكومته من أي وقت اخر، وصمام أمان المواطن يلبي الطلب بإصدار امر حكومي يمنع ارباب العمل من تسريح العمال وانهاء وظائفهم في هذه الفترة الحرجة، بل ابقائهم في البيوت مع دفع نصف الراتب. بينما تتحمل الحكومة دفع كافة الضمانات الاجتماعية للعاملين. إضافة إلى ذلك قامت الحكومة الألمانية بمنع أي ارتفاع في الأسعار للمواد الأساسية والاستمرار في توفيرها بوفرة قدر المستطاع.
بناء على متطلبات الوضع الراهن في المانيا فقد اقرت الحكومة رصد ميزانية مالية ضخمة تقدر ب 175 مليار يورو خدمة للصالح العام ولتمويل الشركات متوسطة الحجم والصغيرة ودفع التعويضات عن خسائرها الاقتصادية، وإيداع قسط من الاموال لدى المصارف لغرض السلفة والقرض ومساعدة القطاع الصحي بتوفير ما يلزم من اقسام للحجر الطبي ومواد تعقيم والبسة وأجهزة طبية بالإضافة إلى توسيع المختبرات وتوفير فرص عمل في هذا القطاع.
تحوير وسائل وطرق الإنتاج يتطلب مرونة عالية في المجال الاقتصادي الصناعي من شركات سيارات إلى شركات تصنيع الأجهزة الطبية والمعدات وقطع الغيار، من شركات لتصنيع الألبسة العصرية إلى تصنيع كمامات ومن انتاج بسيط ومحدود للاستهلاك اليومي لمادة الدقيق والسكر والخميرة إلى طاقات قصوى في الإنتاج اليومي. هذا هو المطلوب الان ويحتاج إلى مساعدات حكومية كبيرة لاجتياز هذه المرحلة الحرجة والمؤلمة.
يستمر هاجس الخوف في نفوسنا كلما اضطر بنا الحال للخروج إلى السوق او إلى المستوصف او إلى العمل، يوما بعد يوم وساعة تلو الأخرى كلما نجد أنفسنا ملثمين بقطع الكمامات بينما لا تفارق اصابعنا القفازات البلاستيكية. مهما صعبت علينا الظروف الانية، علينا ان نتعلم التعايش مع المجهول بعقلانية وهدوء وروية والتضامن ومساعدة بعضنا البعض خير من العيش في وحدانية وانانية. الشعور الجمعي في المآسي أفضل من الشعور الفردي لان الشعور الجمعي موضع اثارة للعديد من التساؤلات والتي تؤجج الحوارات والاستنتاجات وهذا ما نحتاجه الان لتهدئة النفس وطمئنة الذات والتمسك بالشجاعة والايمان في الوجود والحياة.