| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كامل العضاض
kaladhadh@yahoo.com

 

 

 

                                                                                      الأحد  15 / 12 / 2013


 

مناقشة هادئة لمقال الأستاذ عادل عبد المهدي؛ "مالكية الشعب للنفط.. الصعوبات.. وتشجيع الإتكالية"
 

د. كامل العضاض * 

تقديم:

طُرح مشروع توزيع عوائد تصدير النفط مباشرة على الشعب العراقي في عدة مناسبات، خلال السنوات القليلة الماضية، بدواعي وتبريرات متنوعة؛ منها لتحقيق عدالة أكبر في توزيع عوائد النفط الريعية على الشعب العراقي، ومنها للتخلص من هيمنة الحكومة وما ينتج عنها من إستبداد وفساد، ومنها الدعوة الى إن المالك الحقيقي للثروة النفطية وعوائدها هو الشعب العراقي، فلابد من إعادتها إليه، ومنها إن هذا الأمر يعزز الديمقراطية ويقلص خطر الدكتاتورية.

وكان الأخ والصديق القديم المحترم الأستاذ عادل عبد المهدي قد نادى بهذه الفكرة، وهو هنا يقدم، بمقال مركّز وموجز، خصوصية ما سماه في مقاله المشار إليه اعلاه، ب"مالكية الشعب للنفط، الخ.."، فبيّن الصعوبات التي يمكن التغلب عليها برأيه، ورفض الإدعاء بأن توزيع الموارد النفطية يؤدي الى نشؤ الإتكالية والكسل. سنوجز أهم نقاط المقال، ونعلّق عليها، مستندين الى روح الديمقراطية التي ينادي بها ويعمل لها أخونا الأستاذ عادل.

موجز:

يمكن إستخلاص أربع نقاط رئيسة في المقال :
1. يجري توزيع عوائد تصدير النفط الخام على المواطنين عبر المصارف، وتُفرض ضرائب تصاعدية على الموسرين منهم، وإن هذا الإجراء ليس صعبا، بل إن تنفيذ البطاقة التموينية أصعب من ذلك، ربما بكثير.
2. ان هذا المشروع سيعبّد الطريق للخلاص من الديكتاتورية والإستبداد والفساد، إذ ينزع من يد الحكومة سلطة مالية قد تصبح طغيانية.
3. كما إن هذا المشروع سيمهد لتنمية "الإقتصاد الأهلي"، وسيقود الى الديمقراطية والى إشاعة الحريات، ويؤدي الى نشؤ مراكز الضغط السياسية والإجتماعية والإقتصادية المختلفة، سواء لرجال الأعمال أو للتقاعد وأصحاب المهن.
4. يتخلص هذا المشروع من "الإتكالية واللاإنتاج والفساد والبطالة والعسكرة" التي تنتجها ظاهرة الريعية، فتنطلق إنتاجية المجتمع، بما يؤدي الى إنهاء الوضع الشاذ لمجتمع يقف على رأسه، فيقف بعد ذلك على رجليه.

خلاصة ملاحظاتنا حول هذه النقاط:
إبتداءا، في الوقت الذي نثمن فيه هذه الغايات النبيلة التي يعتقد الأستاذ الكاتب أن المشروع سيحققها، لكن منظورنا يركز على الحاجة الى منهج إستراتيجي تخطيطي لتحقيق تنمية مستدامة وللخلاص من الحالة الريعية الناشئة عن الإعتماد على عوائد مستمدة من تصدير مورد ناضب، لا محالة، هو النفط الخام. نحن بحاجة الى كبح الإستهلاك المستورد بنسب متصاعدة، والعمل، بتخطيط علمي، لسد الإستهلاك المحلي المتصاعد مع زيادة السكان والمداخيل من خلال تنمية وتعظيم النشاطات الإنتاجية السلعية المحلية، وفي مقدمتها تأتي الزراعة، ثم الصناعة التحويلية، وغيرها من الصناعات السلعية غير النفطية. وهذا يعني بأننا لا ندعو الى خفض الإستهلاك، بل الى مسابقة الزمن لسده من النشاط الإنتاجي المحلي. ولا يمكن أن يتم ذلك ضمن منظور زمني يقارب الزمن المتبقي لنفاد الإحتياطيات النفطية، او إضمحلال الطلب العالمي على النفط الخام العراقي، إذا ما اعطينا الأولوية لسد الإستهلاك وليس للإستثمار. فالزمن هنا هو المسار الحرج الذي يتوجب خلاله، إعادة هيكلة الإقتصاد العراقي، بعيدا عن التشوّه الريعي الضارب أطنابه في الزمن الحاضر. ولنناقش الآن، بإختصار مناسب، النقاط الأربعة اعلاه والتي تشكل أهم محاور المقال:

أولا؛

بشأن توزيع العوائد النفطية؛ إن من شأن إتباع سياسة لتوزيع عوائد تصدير النفط الخام مباشرة على الشعب العراقي هو أن يؤدي الى تصاعد الإستهلاك النهائي، وبالذات منه الإستهلاك الغذائي، على حساب حجم الإستثمارات المطلوبة، بإلحاح، لإعادة بناء العراق ولجعل هيكليته متوازنة لصالج تنمية الإنتاج في الصناعات والنشاطات السلعية غير النفطية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة التحويلية، وذلك بهدف سد الحاجات الإستهلاكية من الإنتاج المحلي، بدلا عن الإستيراد الذي يستنزف العوائد من العملات الصعبة التي سيكون الإقتصاد العراقي بأمس الحاجة إليها، ليس فقط لإغراض تحقيق تنمية مستدامة تحفظ حق الأجيال القادمة بمستقبل يضمن لها الحياة والإزدهار، وذلك قبلما تنضب الموراد المستمدة من صناعة ناضبة، ربما في غضون الزمن الآتي المنظور، وإنما أيضا للخلاص من الحالة الريعية المتجذرة الآن في الإقتصاد العراقي، وما يرتبط بها من ظواهر الإستبداد والفساد وهدر الأموال وفقدان الحريات، بل وفي زعزعة سيادة الشعب في مجال إستغلال موارده النفطية لبناء مستقبل قائم على تنمية مستدامة وإكتفاء ذاتي وإنتاجية مجزية كفيلة بتحقيق الإستخدام الكامل لقوة العمل، ولتعزيز النظام الديمقراطي البرلماني الحقيقي في البلاد. ولإيضاح هذه المسألة بمثال رقمي إفتراضي، لنفرض أن عوائد تصدير النفط الخام تقارب في سنة ما قريبة، المائة مليار دولار، وإن حجم السكان الحالي يقارب الثلاثين مليون شخص، فإن حصة الفرد الواحد من هذه العوائد ستكون بمقدار تقريبي يساوي 3333 دولار سنويا، أي بما يساوي حوالي 278 دولار شهريا. ولكن، لو إفترضنا إن نصف المائة مليار دولار من العوائد سيذهب لتغطية الإنفاق الحكومي الجاري والإداري والخدمي والأمني وما شابه، عندئذ ستكون حصة الفرد، (بإعتبار جميع العراقيين، بغض النظر عن العمر والحالة الإجتماعية، هم مشمولين في حق الحصول على حصص متساوية من العوائد النفطية)، ستنخفض الى النصف، أي ستصبح حوالي 1667 دولار سنويا، أو حوالي 139 دولار شهريا. وبما أن حوالي 23% من السكان هم الآن دون خط الفقر أو قريبين منه، وإن هناك ما يقرب من مليونين شخص هم في حالة بطالة، فإن مجموع السكان الذين لا يمكن فرض ضرائب مباشرة على حصصهم من العوائد النفطية سيصل الى ما يقرب من تسعة مليون شخص، وهؤلاء سينفقون مداخيلهم النفطية البالغة حوالي 15 مليار دولار على الإستهلاك، وبالذات الغذائي منه. وبما أن الإنتاج المحلي لا يسد هذه الحاجات الإستهلاكية الجديدة، فلابد من زيادة الإستيراد من الخارج، بمقدار هذا المبلغ، أي بخمسة عشر مليار دولار. ومن ضمن الواحد والعشرين مليون الباقين من الشعب، فإن نسبة أصحاب الدخول الواطئة، اي الأقل من 200 دولار شهريا تقارب عشرة مليون نسمة، حيث تبلغ قيمة مداخيلهم النفطية حوالي 17 مليار دولار. وهنا يتعذر أيضا فرض ضريبة مباشرة مهمة على مداخيلهم النفطية. وتبقى لدينا شريحة، متوسطة وعالية الدخل من الشعب العراقي تبلغ أحد عشر مليون شخص، يكسبون دخول شهرية تزيد على 400 دولار شهريا، وضمنهم أقلية قد تكسب ما يزيد على الألف دولار شهريا. فلو فرضنا بأنه يمكن فرض ضريبة على مدخولاتهم النفطية السنوية التي تبلغ بحدود 18 مليار دولار، (قد تصل الضريبة الى حد ال 80%، لبعض الميسورين منهم)، فإن حصة هؤلاء من الضريبة، إذا حسبناها، بشكل عام و تقريبي، بمقدار 60%، فإن العائد الضريبي هنا سوف يقارب ال 11 مليار دولار سنويا. ولنجمع الدخول النفطية الموزعة حسب مستويات دخول شرائح الشعب المشار إليها أعلاه، ستكون كالآتي :
15مليار، (حصة الطبقة الفقيرة والعاطلة عن العمل، ال 9 مليون نسمة) + 17 مليار دولار، (حصة الطبقة واطئة الدخل، ال 10 مليون نسمة) + 18 مليار، (حصة الطبقة متوسطة وعالية الدخل المتبقية، 11 مليون نسمة) = 50 مليار مجموع الدخول النفطية الموزعة. فكم ستسترجع الحكومة منه، كضرائب مباشرة؟ سيكون مجموع قيمة الضريبة النفطية على الفئات المتوسطة وعالية الدخل بحدود 10.8 مليار دولار فقط. أي أن مجموع ما يوزع من عائدات النفط هو 50 مليار – 10.8، ضريبة مباشرة = 39.2 مليار دولار.

والسؤال الجوهري هو، هل يكفي هذا العائد المتبقي، ال 10.8 مليار دولار، لتحقيق إستثمارات مجزية وكافية لإعادة بناء الإقتصاد العراقي ولضمان الخلاص من حالته الريعية المتجذرة فيه حاليا، ولإعادة بناء البنى الإرتكازية ولتحسين الخدمات والمنافع العامة ولتطوير الزراعة والصناعة ولبناء المساكن والمدارس وغيرها، ضمن افق زمني يتناسب مع عمر الصناعة النفطية الإستخراجية؟ وهذا يعني بأننا سننفق ما يقرب من 90 مليار دولار، (ما يقرب من 40 مليار دولار، كدخول نفطية موزعة + 50 مليار دولار، كنفقات الحكومة العامة)، اي أن 90% من عوائد النفط ستنفق على الإستهلاك النهائي، وليس على الإستثمار والتنمية! فهل يشكل مشروع توزيع العوائد النفطية على الشعب هذا مدخلا صحيحا لتحقيق تنمية مستدامة ؟

وفي هذا الخصوص نود أن نذكر بالمقولة الحكيمة الرائعة للإمام علي، (رض)؛ "علّموا اولادكم الخط والنط ّوالسبح في الشط"، أي بمعنى، أهلّوا اولادكم ليتعلموا كيف سيكسبون عيشهم ويخدمون أنفسهم ومجتمعهم. وثمة قول مأثور للسيد المسيح، (ع)، حين رأي فقيرا يستجدي سمكا من صياد، فقال للصياد؛ "لا تعطه سمكة، بل علّمه كيف يصطاد السمك"! فلكم هي دلالة واضحة وناصعة في هذا القول المأثور!

والخلاصة، هي أن توزيع دخول مجانية على الناس هي ليست مبعث لتحفيز الهمم لزيادة الإنتاج، بل هي وصفة للإتكالية والتراخي، ولفقدان الفرصة للخلاص من هيمنة الريعية!

ثانيا؛

مسألة الديكتاتورية؛ نتفق مع زميلنا الأستاذ عادل بأن تركيز السلطات والموارد المالية بيد الحكومة سيجعلها تتغول وتستبد، بل وتطغي، فيتسرب من بين أرديتها الفساد والهدر، بل وعدم الكفاءة والمحسوبية والإستئثار وضياع معايير الحق والعدالة. نعم، فلقد لاحظ الكثير من الإقتصاديين والكتاب السياسيين والإجتماعيين هذا الإرتباط ما بين السطوة المالية للحكومة ونزوعها للدكتاتورية والإستبداد. وللأستاذ الدكتور حازم ببلاوي، رئيس وزراء مصر الحالي، وزميله لوشيني بحثا رصينا عن الظاهرة الريعية في الدول ذات الهياكل الإقتصادية المشوّهه، إذ يخلص الى ان الحالة الريعية، " تولد عقلية ريعية لدى الحكومات المتحكمة"، (أنظر المصدر 1). وعليه، فإن العلاج الحقيقي للحالة الريعية هو ليس بتوزيع العوائد لإغراض الإستهلاك، بل بمعالجة الإختلالات الهيكلية في الإقتصاد الوطني، وذلك، بالأساس، بتوجيه العوائد النفطية، في هذه الحالة، للإستثمار وليس للإستهلاك. (2) ولكن، ريثما يُعاد التوزان للهيكل الإقتصادي يمكن تبني العديد من الإجراءآت المؤسسية والسياسية والتنظيمية لمنع تحكّم الحكومة في العوائد الريعية. ففي حالتنا، يمكن تأسيس مجلس شعبي تمثيلي للإشراف على طرائق إنفاق الدخول الريعية من قبل الحكومة ومسائلتها، عن طريق مجلس الخبراء المشرف هذا، ومن قبل مجلس النواب والإعلام، وعلى وفق خطط اإقتصادية يقرها مجلس النواب وتنفذها الحكومة، تحت نظام كفؤ للمراقبة والمسائلة. ولهذا نجد أن دولا ناضجة إقتصاديا، مثل النرويج، قد وضعت عوائدها النفطية في صندوق خاص يشرف عليه البرلمان للتخطيط من أجل إستثمار تلك العوائد لصالح الإجيال القادمة، وليس من أجل تمويل الإنفاق الإستهلاكي. وهناك دول خليجية عمدت الى إنشاء صناديق خاصة لإستثمار عوائدها النفطية لمصلحة الأجيال القادمة. ومع ذلك، تسمح إيرادات الحكومة الجارية، من حصتها في الموازنة المالية، برعاية الفئات الفقيرة والعاطلة، وفئات الأيتام والمعوّقين والمشردين، وذلك من خلال ما تقيمه من مؤسسات للرعاية الإجتماعية وللضمان الإجتماعي، فضلا عن تحسين وتطوير الخدمات الصحية والطبية ودور الرعاية، كما يمكن تحسين رواتب المتقاعدين وتخصيص إعانات مالية للفئات المعدمة والأرامل والإيتام. إن غالبية الدول الغربية، على الرغم من رفضها لتدخل الحكومات الواسع في الحياة الإقتصادية، نراها تطبق ما يسمى بدولة الرفاهية والضمان التي تشمل كافة فئات الشعب، حسب طبيعة عجزهم أو حاجاتهم، وفي مقدمة هؤلاء يأتي العاطلون عن العمل.

ثالثا؛

مسألة المجتمع الأهلي وإشاعة الحريات وترسيخ الديمقراطية؛ نتفق أيضا بأن إزالة الحالة الريعية عن الإقتصاد العراقي لها آثار إيجابية في إبعاد أو قطع الطريق على تغوّل الحكومات وتمكنها من فرض الديكتاتورية والإستبداد، وما يتبع ذلك من فساد وغياب للحريات وتشويه للديمقراطية. وإن إزالتها كفيل بنمو القطاع الأهلي وبنهوض المبادرات الخاصة، وبنشؤ مراكز الضغط السياسية والإجتماعية، وبما يؤدي الى تعبئة الكفاءآت والى توسيع الإنتاج وتشجيع الإستثمار الخاص الى جانب أو بالمشاركة مع القطاع العام. كما أن العمل على إعلاء شأن القانون والعدالة، وتعزيز الحريات والديمقراطية، هو من العوامل الفاعلة في تعزيز المجتمع الأهلي ودوره البناء. ولكن هذه الصورة الوردية لا تتولد تلقائيا لمجرد إنهاء الحالة الريعية وما يلازمها من ديكتاتورية السلطة، إنما هي نتيجة تفاعل وتطور ونضوج، ليس فقط في الوعي الفردي، إنما في أخلاقيات ومُثل الكتل والقيادات السياسية والأحزاب، ومقدارموضوعيتها، وإبتعادها عن التوظيف الطائفي والفئوي، وإحترامها لقواعد العملية السياسية الديمقراطية التي تقوم على المواطنة، وليس على التحزبات المذهبية والعرقية. كما إن إزالة الحالة الريعية لا يتم ميكانيكيا من خلال مجرد توزيع عوائد تصدير النفط على السكان، فسواء وزعنا أم لم نوزع عوائد النفط على السكان، سيبقى الإقتصاد العراقي يعتاش على عوائد صادرات النفط الخام، فالريعية هنا ستصبح ريعية السكان لتعظيم إستهلاكم، بدلا عن ريعية الحكومة المستحوذة على العوائد المستمدة من بيع مورد ناضب في المدى المنظور. إن إزالة الريعية لا يتم إلا من خلال تنمية نشاطات إنتاجية غير نفطية، كالزراعة والصناعة التحويلية، إذ من خلال فوائضها المتحققة يمكن تقليل الإستيراد، بل وتقليل الإعتماد على تصدير النفط الخام، الذي يمكن تصنيعه بصورة تدريجية، بدلا عن بيعه بحالته الخام، كما فعلت دول كبرى، كالصين التي تنتج 3.6 مليون برميل باليوم ولكنها لا تصدر برميلا واحدا، بل تستورد ما يقارب 4 مليون برميل باليوم، وهي الان تطوّر مصادرا أخرى للنفط في بلادها، كالنفط الحجري. اضف الى ذلك، لا تُزال الآثار الريعية، بإعتبارها تمثل الإرتهان الى قطاع أحادي هو النفط، إنما، جوهريا، يتم إحتوائها ومن ثم الخلاص منها من خلال تبني وتطبيق إستراتيجية عليا للتنمية المستدامة، والسعي الجاد لتقليل الإعتماد على الصادرات النفطية، بل والعمل الحثيث لتصنيع النفط لا تصديره. اما موضوع تعزيز الديمقراطية والنهوض بالمجتمع المدني وصيانة الحريات العامة، وحث وتشجيع القطاع الخاص في لعب دوره الفاعل في التنمية بكل أبعادها، فهذه مرهونة بعوامل سياسية، ديمقراطية ونزيهه، وبوضع قوانين وممارسات لصيانة الديمقراطية، ولكبح جماح تفرّد وديكتاتورية الحكومة، فضلا عن أهمية وجود دور أخلاقي ومبدأي تلعبه القوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية، بعيدا عن الطائفية والعرقية والمحاصصة. وإذا ما توفرت رقابات شعبية وإعلامية، ومجلس نواب فاعل ووطني، وقوانين حية لردع الفاسدين ولمحاسبة الفاشلين، فكل هذه العوامل ستلجم النزوع الى الدكتاتورية لدى الحكومة، وستُطبق على الآثار الضارة للحالة الريعية، بينما ينبغي أن يجري العمل الحثيث لتوجيه النسب الأعظم من عائدات النفط للإستثمار المباشر أو بالشراكة أو من خلال القطاع الخاص في النشاطات السلعية غير النفطية، وفي مقدمتها الزراعة، كما أكدنا آنفا. وهذا، مع العمل الدؤوب لمعالجة الإختناقات في بعض الموارد الإستراتيجة، كمخاطر شحة المياه في نهري دجلة والفرات، وتوجيه الجهود لحل الخلافات والنزاعات الداخلية ومع دول الجوار أو غيرها. نحن بحاجة ليس فقط الى خطط وإجراءات، (بعضها قد يكون بدوافع سياسية)، إنما الى رؤية عميقة وبعيدة النظر، لإعادة بناء العراق، ولخلاصه من محنه الحالية، السياسية والإقتصادية.

رابعا؛

ما بين اللإإنتاجية والإتكالية والفساد، وإنطلاق إنتاجية المجتمع؛ في هذا الخصوص ليس لدينا ما نضيف الى ما قلناه في الفقرة السابقة. نعم، إن الخلاص من الريعية مع تعزيز الديمقراطية وتعميق الوعي الديمقراطي الذي يجب أن يصاحبه اسلوب حضاري للرقابة والمسائلة، مع تحقيق نظم نزيهة لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، كل هذه العوامل ستوفر للشعب إمكانية الإفصاح عن ممكناته وقدراته وإبداعاته، فينطلق نحو الإنتاجية، وليزيح الكسل والفساد، فيصبح طريقه منوّرا بالأهداف البناءة والمبادئ السامية. وهذه، بلا شك، هي الأسس الإنسانية التي يرسي السياسي الوطني عليها مرساته النضالية.

وفي الختام، اقدم شكري للزميل والأخ القديم استاذ عادل لتقديمه هذا الموضوع للنقاش العام، وأعلم بأن له ممارسة غنية في مضمار العمل السياسي الوطني الذي نهل منه منذ شبابه، ولاسيما وأنه نشأ في أسرة لها باع مرموق في هذا الشأن، فوالده، السيد عبد المهدي، رحمه الله، كان علما من أعلام العمل السياسي الوطني، وكانت له بصمات لا تنسى في تأريخ العراق السياسي المعاصر.


2013-12-15


بعض المصادر:
(1)
Hazem Beblawi and Giacomo Liciani, ed., (1987), “The Rentier State”. 1987 Instituto Affari Internazeonali, Croo Helm Ltd, Provident House, Burrell Row, Beckonham, Kent, BR3 IAT.
(2) هيكلية الإقتصاد العراقي والمسألة الريعية - عوائق أما تحقيق تنمية مستدامة
(بحث مقدم الى ملتقى الإقتصاديين العراقيين الذي إنعقد في بيروت خلال 30 آذار- 1نيسان، 2013).
 

* مستشار اقليمي سابق في الأمم المتحدة

- عضو اللجنة العليا للتيار الديمقراطي في العراق
* الكاتب، إقتصادي متخرج في جامعة ويلز في بريطانية، وله دراسات وبحوث إقتصادية قياسية عديدة، وعمل لسنوات
 بصفته مستشارا إقليميا في الأمم المتحدة في الحسابات القومية والإحصاءآت الإقتصادية.
 

 

 

free web counter

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس