| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كامل العضاض
kaladhadh@yahoo.com

 

 

 

                                                                                      الجمعة 19/8/ 2011


 

تعقيب على تعليق، بشأن مشروع بناء ميناء مبارك الكبير
في حلق العراق

د. كامل العضاض * 

(خطاب موّجه الى اللجنة الفنية العراقية/الكويتية التي تعقد إجتماعاتها التفاوضية حاليا حول مشروع إنشاء ميناء مبارك الكبير في الكويت)

قرأت مقال الأخ والزميل الدكتور أياد الجصاني أعلاه، وهو يرد على مقال للسيد علي كرم حسن، الكاتب الكويتي في جريدة القبس الكويتية، بعنوان، "من يصدر أزماته للآخر، العراق أم الكويت". وهنا أود التعقيب والتعليق لسببين، الأول، لأن كاتب القبس الكويتية هذا يمثل واحد من رهط صانعي ثقافة التجييش في أحد مصادر الأعلام الكويتية، وهو بهذا يساهم في خلق ثقافة التأزيم والتوريط لشعب الكويت الذي يتربى اليوم على سياسات إنغلاقية قصيرة الأمد، تضّر بمصالحه الوجودية وبمصالح أجيالة القادمة المستقبلية. والثاني، لأني أود المساهمة، من منطلق إزالة الغشاوات التي صارت أو أريد لها أن تلف عيون الأجيال الكويتية التي قد لا تعي، في الواقع، كيف تسير الى مستقبل تعايشي إنساني حر وتعاوني، لاسيما وأن شعب الكويت الصغير لا يدبر عيشه إلا بوجود عمالة وافدة تفوق حجمه تقريبا، و هو يعيش في في زاوية جغرافية، تعتبر اليوم من أكثر المناطق سخونة في خضم إصطراعات كبرى حول منابع النفط والنفوذ، منطقة هي غاية في التشابك والحساسية، بل هي عرضة لتغيرات آتية في مستقبل غير بعيد، مما سيهدد وجود الكويت، كدويلة، لا تملك من مقومات سوى بقعة من صحراء، تضخ نفطا الى حين، وهي لا تملك  مقومات عددية سكانية كافية، ولا موارد أخرى من غير النفط، وتفتقد الى قوى بشرية كويتية الهوية ومؤهلة لصناعة مستقبلها بعد نفاد نفطها. وهنا تقتضي الحصافة وبعد النظر، وهذه تقع مسؤوليتها على الكتّاب ووسائل الإعلام الكويتية، ناهيك عن صانعي القرارات والمسؤولين الكويتين. فالجغرافية والتأريخ وحقائق الإمكانيات، ليست الظاهرية أو المستندة الى تحالفات، تتغير بتغير المصالح، إنما هي التي قد تفصح عن الإمكانيات الكامنة التي تنتظر من يرعى إبرازها وتوظيفها لضمان المستقبل والحياة الآمنة والرغيدة لشعب الكويت. نقول هذا إبتداءا، لنبدد غفلة هؤلاء الكتاب، إن كانت غفلة وليست نية مبيّتة قد ترتد عليهم، حالما تأزف حالات الحقيقة.

من يصدر الأزمة الحالية حول بناء ميناء يسمونه بميناء مبارك الكبير في موقع جغرافي يسد شريان الحياة للإقتصاد والشعب العراقيين، دونما مبررات أو مسوغات، وفقا لدراسات جدوى فنية وإقتصادية وسياسية وإدارية، وهذه عناصر لا حياة لأي مشروع إقتصادي بدون توفرها، كعناصر إيجابية. وليس هنا المجال لعرض ومناقشة هذه العناصر للبرهنة على غيابها، ولكن تقتضي الحصافة على الكتاب الكويتيين، أن يراجعوا مكاتب إستشارية وعلماء مختصين ليثبتوا لهم ذلك. أن الجدوى الوحيدة التي يستند إليها قرار إقامة هذا المشروع، هي جدوى سياسية، تحمل في طياتها من الألغام ما قد يهلك الكويت وشعبه في المستقبل غير البعيد. فالقول بإن إنشاء المشروع هو حق سيادي تمارسه الكويت ضمن حيزها الجغرافي وهي حرة بذلك. هكذا هي حرة بذلك، ولتذهب مصالح شعب جار وشقيق ييلغ حجم سكانه أكثر من ثلاثين ضعفا من حجم سكان الكويت الى الجحيم!! وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق إيران أن تقيم على الضفة المقابلة لميناء الكويت مفاعلها النووي، وتهدد بذلك الحياة ليس فيه بل وفي الكويت وما جاورها. ويصبح من حق أيران أن تقطع منابع الأنهار التي تصب في شط العرب والخليج، ومن حقها أن تقذف بملوثاتها الى الخليج كله، فإنها في الواقع لا تحتاجه، ولديها ما يقرب من 880 كيلومتر من السواحل على الجهة الجنوبية للخليج وتتحكم بمضيق هرمز. وإذا جاز لكل دولة أن تفعل ما يضّر الدول المجاورة وحتى غير المجاورة، دونما رادع يردعها، يصبح العالم خاضع لشريعة الغاب، فلماذا هناك إتفاقيات وقوانين دولية، تنظم تقاسم المياه دون إضرار بطرف دون آخر، وتنظم ما يضمن أمن وسلامة الدول المتجاورة، إذا ما حصلت فعاليات لدولة تضر بمصالح دولة مجاورة؟ فالتلوث والإشعاع، وحقوق المرور والنقل والإنتقال، كلها تحكمها قوانين دولية وأعراف، وإلا فنحن سنعيش في عالم، "كلمن إيدو إلو"، كما يقول السوريون. لأن البديل هو الحروب، فهل الكويت قوة نووية رادعة، أو هي ستصير كذلك، لتفعل ما تشاْء، ولتضّر بمصالح حيوية لجارها وشقيقها العراقي في شمال حدودها المفترضة؟ فكروا بحصافة، أيها الكويتيون، وإياكم والغرور، فهو قاتل!

ثم، لو كنا نريد أن نحسب حساب المقولة، "لا ضرر ولا ضرار"، وهي قاعدة شرعية، لتوجب إصدار قوانين رادعة لمنع دول من تصدير ليس فقط إشعاعاتها وإنما أتربتها، "عجاجها" وأمطارها الحامضية، فالكويت والسعودية تصدران لنا عجاجهما، وأوربا أمطارها الحامضية، ولكن هذا الأمر تمنع تحقيقه في العصر الحالي عدم توفر الوسائل التقنية، وليس الإرادة الدولية.

ولو عدنا الى عناصر أو مبررات الجدوى من بناء هذا الميناء الحيوي من وجهة نظر الكويت، فذلك يعتمد على الأهداف الظاهرة والخفية؟ ما هي هذه الأهداف؟ هل هي إقتصادية، أم سياسية، أم إنتقامية، أم ماذا؟ فإذا كانت إقتصادية، فلمن تريد الكويت أن تصدر  وممن تريد أن تستورد؟ هل من والى السعودية أو عبرها، أم هل من والى العراق وعبره، أم هل من والى بقية العالم، فإذا كان العراق هو الهدف الإقتصادي، فلا يكون ذلك إلا بموافقته، وذلك بشرط عدم تعطيل منفذه الملاحي الوحيد، ففي حالة تعطيله، سوف لن ولن يوافق. أما إذا كان المدخل تعاوني وبحسن نية وبمنظور مستقبلي حصيف، دون أن يرتهن الى عداوات أثارتها سياسات رعناء لحاكم مستبد في العراق، والذي غزا الكويت برعونة، وربما بتشجع من قوى عالمية، كانت تريد إدخاله في مصيدة، ولا علاقة البتة للشعب العراقي بذلك، نقول من هذا المنطلق لماذا لا يتم تنسيق ثم تعاون، ثم إعداد دراسات مشتركة، لإقامة ميناء حر، بإدارة مشتركة ومناصفة بين العراق والكويت، دونما تأثير على منافذه الأخرى. هذا مدخل عقلاني سبق أن أثاره خبراء، في مقدمتهم الدكتور أياد الجصاني، في مقاله الموسوم، "ميناء مبارك: ميناء تجاري أم قاعدة عسكرية"، على صفحات موقع الباب نيوز بتأريخ 8/8/2011. فالأمر بحاجة الى عقلاء، وليس ناس مسعورين بالعداء والإنتقام!! أما إذا كان الهدف الإقتصادي الكويتي هو المتاجرة مع وعِبر السعودية، و/او من والى بقية العالم، فموقع الميناء الكبير خطأ في خطأ، إذ للكويت ساحل جنوب الجزيرة يمتد لأكثر من خمسمائة كيلومتر، ويلامس السعودية، ويطل على الخليج المفضي الى جميع بحار العالم، وفي هذه الحالة، من الغباء إقامة الميناء الكبير في حلق العراق، لسدّ جوفه، فذلك يبعدها عن هدفها، وهو مكلف وغير ذي جدوى بالمقارنة الى المواقع الأخرى المشار إليها.

وعليه، نقول حدث العاقل بما يعقل! فالأمل هو أن يلتقط العقلاء والحصيفون من الكويتين هذه الأفكار ويتأملوها، إذ القول السديد هو إذا كان صاحبك بخير أنت بخير، وإذا كان بِشّر، فأنت بِشّر، لا سمح الله.

 

لبنان

19/8/2011

* الكاتب، إقتصادي متخرج في جامعة ويلز في بريطانية، وله دراسات وبحوث إقتصادية قياسية عديدة، وعمل لسنوات
 بصفته مستشارا إقليميا في الأمم المتحدة في الحسابات القومية والإحصاءآت الإقتصادية.

 

 

free web counter

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس