د. خليل الجنابي
الأربعاء 12/ 9 / 2007
للذكرى فقط ... أمريكا والإنقلابات عِبر التأريخ
د. خليل الجنابي
في الحرب الباردة , ذلك الإصطلاح الذي اُطلق على العلاقات الجديدة التي نشأت بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بعد إندحار ألمانيا النازية وكسر شوكتها وتطلعاتها التوسعية , والتي إستمرت حتى أنهيار الإتحاد السوفيتي والمعسكر الإشتراكي الذي كان يُمثل حجر الزاوية الصلدة ضد التوجهات الإمبريالية وتدخلها بمصائر الشعوب .
إن العلاقة كانت في تلك الفترة مشوبة بألتوتر وإنعدام الثقة بين الكتلتين , وفي بعض الأحيان وصلت الحالة إلى حافة الخطر بقيام حرب عالمية ثالثة كما حدث في أزمة ( الصواريخ الكوبية) .
وفي الصراع الذي كان دائراً بين الكتلتين , كان هناك صراع من نوع آخر , فهو الى جانب صراع التسلح الذي سعى فيه الطرفان على تنمية قدراتهما العسكرية والتقنيِّة وغزو الفضاء , كان هناك صراعاً آخر على مراكز النفوذ , وإيجاد موطيء قدم هنا وهناك من العالم على حساب بعض الدول وإستقلالها وسيادتها , كما حدث في كوريا وفيتنام وأفغانستان .
وفي هذا الخضم من الصراعات , كانت قد توجهت الكتلتان إلى تشكيل الأحلاف العسكرية , وإنبثق عن ذلك :
1 – حلف شمال الأطلسي , أو حلف الناتو – ويضم هذا الحلف الذي وُقِع في واشنطن فـــي 4 / نيسان / 1949 , على 14 دولة اُوربية هي – الولايات المتحدة , كندا , بلجيكا ,الدانمارك , فرنسا , ألمانيا , آيسلندا , اليونان , إيطاليا , اللوكسمبورغ , هولندا , البرتغال ,النرويج , المملكة المتحدة , مع العلم أن قسماً من هذه الدول إنضم إلى الحلف بتواريخ مختلفة . كما إنضمت لاحقاً كل من بلغاريا ,إستونيا , لاتفيا , لتوانيا , رومانيا , سلوفاكيا , سلوفينيا , أعضاء جدد إلى الحلف .
2 – حلف وارسو – أو ( معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة ) وهي منظمة عسكرية لدول اُوربا الوسطى والشرقية , وتأسست في أيار عام 1955 , لمواجهة التهديدات من أعضاء الحلف الأطلسي ( الناتو ) , وكانت تشمل إلى جانب الإتحاد السوفيتي كل من , بلغاريا , رومانيا , بولنده , المجر , ألمانيا الشرقية – إنضمت في عام 1956 , وإنسحبت في اُكتوبر 1990 , وكذلك ألبانيا التي إنسحبت من الحلف عام 1968 .
وبعد الإنتكاسة التي حدثت للإتحاد السوفيتي وباقي المعسكر الإشتراكي , إنفرط عقد ( حلف وارسو ) , وإستمر ( الحلف الأطلسي ) بنشاطه بعد أن إنضمت إليه دول اُخرى , وإستفرد الحلف بمقدرات السياسة الدولية بعد أن أصبح قُطباً وحيد الجانب .
وحين قراءتنا للتأريخ نجد أن الكثير من الإنقلابات التي حدثت خلال المئة سنة الأخيرة هناك بصمات واضحة لـ ( أمريكا ) عليها وتدخلها المباشر وغير المباشر فيها , فقامت بإسقاط أكثر من 14 دولة في الأقل , إبتداءً من الحكم الملكي في هاواي عام 1893 , وإستخدام القوة في 12 بلداً , منها العراق , أفغانستان , الفليبين , بنما , جنوب فيتنام , تشيلي وغيرها .
وفي كوبا عام 1898 , أرسلت الولايات المتحدة قواتها الى هناك لمساعدة المنتفضين على إسقاط حكم المستعمرة الإسبانية , ولكن أمريكا نكثت عهدها للسماح لكوبا بألإستقلال وحولتها الى محمية أمريكية , كما خلعت زعيم نيكاراغوا المرتقب ( خوزيه زانتو زيلي ) في عام 1909 , مسببة لبلاده فترة طويلة من القمع والتمرد , وأسقطت رئيس غواتيمالا اليساري ( جاكوبو اربنز ) , فارضة نظاماً عسكرياً فيها تسبب بثلاثين عام من الحرب الأهلية ألتي أودت بحياة مئآت الآلاف من البشر .
وفي عام 1953 دفع الرئيس الأمريكي ( ايزنهاور ) وكالة الإستخبارات الأمريكية الى تدبير الإنقلاب على رئيس الوزراء الإيراني ( محمد مصدق ) , وتنصيب ( محمد رضا بهلوي ) رئيساً على عرش الطاووس , وأدت سياسته القمعية بعد 25 سنة الى نشوب ثورة إسلامية .
وفي العراق يوم 8 / شباط / 1963 , الإنقلاب الفاشي الأسود , جاء الإنقلابيون بقطار أمريكي وأطاحوا بثورة 14 تموز الوطنية , وإغتالوا قائدها الشهيد عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار وقتلوا قادة الثورة الأوفياء , والآلاف المؤلفة من أبناء الشعب العراقي الغيارى على مصلحة شعبهم ووطنهم , وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي العراقي , وكوادره وأصدقائه , الى جانب القوى الوطنية الأخرى , وأغرقوا البلاد بألدم والدموع والمآسي .
لقد دعمت المخايرات الأمريكية رجال العهد الجديد , وهذا ما أكدته مجريات الأُمور , وأكده كذلك قادتهم في مناسبات عديدة وأشاروا إليه في كتاباتهم ومذكراتهم ومجالسهم الخاصة التي يعرفها القاصي والداني , ومن هذه الأسماء ( علي صالح السعدي ) الذي كان مسؤولاً عن الحرس القومي سيء الصيت , والذي أشار إلى أكثر من مرة ( أنهم جاءوا بقطار أمريكي ) .
إن هذا الدعم الذي إستمر وبأشكال مختلفة , إزداد وبضراوة أكبر حين أعلن العراق حربه الضروس على إيران لإسباب وحجج واهية , والتي دامت ثمان سنوات عِجاف , راح ضحيتها مئات الآلاف من كلا الجانبين , ومخلفة دماراً هائلاً للبنى التحتية للبلدين .
والحديث عن التدخل الأمريكي في كل بقاع العالم , وتنظيم الإنقلابات لم يكن تجنياً عليهم , ولكن واقع الحال هو الذي يتكلم , وما أحتلالهم للعراق بذرائع شتى إلا برهاناً ساطعاً على ذلك , وأن ما حدث ويحدث للعراق ولشعبه من ويلات ومصائب ومآسي إلى جانب التركة الثقيلة لنظام ( صدام حسين ) , هي بلا شك الحرب التي إعتبروها الحل الوحيد لإسقاط النظام والتي وقفت كل القوى الخيرة في العالم لإيقافها , لكن الغطرسة والعنجهية الأمريكية حالت دون ذلك لغرض في ( نفس يعقوب ) .