| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. خليل الجنابي

 

 

 

 

الأربعاء 4/7/ 2007

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 

3/7/1963
حسن سريع ورفاقه الشجعان
البطولة والتضحية والفداء


د. خليل الجنابي

بعد ثورة 14 تموز الباسله عام 1958، انخرط الآلاف من أبناء العمال والفئات الوسطى إلى صفوف الجيش العراقي الذي إرتفع رصيده الشعبي بعد قيام الثوره المجيده بقيادة الشهيد البطل عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار. وانخرط المئات من الشيوعيين العراقيين في صفوفه وفي مختلف الصنوف والفروع ، وكذلك إلى كل المدارس والدورات والكليات العسكريه ، وتطّعم الجيش بعناصر من مختلف الفئات والأحزاب السياسيه … وأفتتحت في الكثير من الوحدات العسكريه مكتبات عامه توزع فيها الجرائد اليوميه والمجلات والكتب الأدبيه والثوريه … و لكاتب السطور تجربه خاصه في هذا المجال ، حيث كنت مسؤولاً عن إحدى المكتبات العسكريه التي كانت تتوسط معسكر الرشيد في بغداد ، إحتوت على المئات من الكتب الثوريه والقصص والمجلات والجرائد… كانت محطاً لأنظارالوحدات العسكريه الأخرى بالتزوّد منها والأستعاره … وبرزت أسماء في الكتابات السياسيه والاجتماعيه و العسكريه وفي شتى المواضيع الأخرى … وأتذكر من بين هذه الأسماء الرفيق العريف " تركي كطامي السعدون " الكاتب والأديب المعروف - عضو اتحاد الأدباء العراقي آنذاك ، والذي كان يكتب تحت اسم مستعار " أبو نضال " لأنه كان عسكرياً … ولا أدري إذا كان حياً يرزق لحد الآن !! , وكان العديد من الجنود وضباط الصف وفي مختلف الوحدات العسكريه منهمكين على القراءه في بطون هذه الكتب ومطبقين الإرشادات والتوصيات الحزبيه التي كانوا يتلقونها خلال الإجتماعات الحزبيه … حيث كان الرفيق الشهيد " نافع عبد الرحمن شخيتم " أحد الوجوه التي عملت بين صفوف العسكريين في تلك الحقبه من الزمن … وكان همه الأول والأخير هو تنمية وعيهم السياسي والعسكري والثقافي … و إن يكونوا درعاً حصيناً للشعب والوطن , وكان على رأس المظاهرات العارمه التي إندلعت أثر الانقلاب الدموي الفاشي صبيحة 8 شباط عام 1963 … واستشهد على أثر القصف البربري على وزارة الدفاع من قبل طائرات الأنقلابيين . لقد كانت هناك صعوبه بالغه بأحتواء المئات من العسكريين المترشحين إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي … حيث لا يوجد الكادر العسكري الكافي لأحتواء هذا الزخم الكبير… وكانت الاجتماعات الحزبيه داخل المعسكرات ممنوعه وخطرة جداً , حيث أن قوى الردة والأستخبارات العسكريه والقوى الرجعيه تنبهت هي الأخرى إلى هذا النشاط … وراحت تسعى للإيقاع بهم … فأبعدت العديد من الضباط عن مواقعهم ومراكزهم , وأحالت العدد الكبير إلى التقاعد وكذلك الأمر بالنسبه لضباط الصف والجنود , فنقلت العديد منهم إلى مراكز غير حساسه وتركز الأمر على وزارة الدفاع وحمايتها , وكذلك على قوة حماية الإذاعه والتلفزيون ومرسلاتها , وعلى القوة الجويه والبحريه , وعلى وحدات الدبابات والمدفعيه وغيرها. وفي 8 شباط المشؤوم كانت حملة التصفيه والإباده الجماعيه ضد القوى الوطنيه وفي المقدمه منها الحزب الشيوعي , وإعدام المئات من قادته وكوادره , وزج الآلاف منهم في غياهب المعتقلات والسجون … فتركت هذه الأعمال الوحشيه أثراً بالغاً في نفوس الباقين من أعضاء الحزب وأصدقائه داخل الجيش الذين لم تطلهم أيادي الأنقلابيين بعد. وأصبح التفكير بالقيام بعمليه عسكريه ما للإطاحه بنظام الفاشست الجدد أمراً متداولاً بين هذه الأوساط . لكن الضربه القاصمه التي وجهت للتنظيمات الحزبيه العسكريه كانت كبيره جداً… بحيث لم يبق أي تظيم حزبي بالمعنى الصحيح … ولم يكن هناك أية قياده فعليه لهذه العناصر المتوزعه في مختلف الوحدات العسكريه… ولم يكن لها أي تنسيق ‏… كنت وقتها في إحدى مراكز الأعتقال في معسكر سعد التابع للفرقه الثالثه في بعقوبه مع العشرات من العسكريين … وكانت ترد الينا اشارات غير منتظمه مع عوائل المعتقلين حين الزيارات , بأن يوم الخلاص قريب , وما علينا إلا الصمود والتحدي … وفي احدى المرات وصلتنا اشاره مفادها "ان تموز أبو الثورات" .. فهمنا منها ان شهر تموز سيكون حاسماً … لكن من هي الجهه التي ستتحرك!؟ .. وكيف ومتى وأين .. إلخ من الأسئله العديده المحيرّه . كان الأمل يحدونا بأن هناك تخطيطاً محكماً كما حدث في ثورة 14 تموز الباسله … وإن هناك قياده توزع المهمات على المساهمين بشكل دقيق .. وإن هناك مَن سيتحرك صوب الإذاعه والتلفزيون والقصر الجمهوري والمؤسسات الحكوميه المهمه الأخرى . وجاء يوم 3 تموز 1963 والفاشست لازالوا في أوج بطشهم وجبروتهم فتحرك نائب العريف الشهيد حسن سريع ورفاقه الأبطال من مدرسة الهندسه الآليه الكهربائيه "مدرسة قطع المعادن , عريبي محمد , محمود طلال , جودي مهدي وغيرهم وتم تحرير بعض السجناء العسكريين في بعض الوحدات العسكريه في معسكر الرشيد وأغلقوا منافذ المعسكر وكذلك البوابه النظاميه الرئيسيه , واعتقلوا طالب شبيب وحازم جواد وزير الخارجيه ومنذر الونداوي قائد الحرس القومي حين مرورهم من المنطقه , ولم يفلحوا في كسر سجن رقم واحد الذي يقطن فيه حوالي ( 1200) من الضباط الذين كان يعوّل عليهم في الذهاب الى وحداتهم العسكريه والسيطره عليها … وللأسف لم يكن هناك اي تنسيق بين هؤلاء الضباط القابعين داخل اسوار السجن وبين الابطال الذين قاموا بهذه الحركه التي تفتقد الى اي خبرة عسكريه وسياسيه تؤهلهم للتخطيط الصحيح الناجح … حيث ان اولى المتطلبات هو التنسيق مع هذا العدد الهائل من الضباط داخل سجن رقم واحد , لأنه بدونهم تبقى القيادة غير قادرة على التأثير في مجريات الامور لأن القائمين بها لايحملون رتباً عسكريه تؤهلهم تحريك القطعات العسكريه , مما حدى بالبعض منهم بأرتداء ملابس الضباط من الرتب الصغيرة … وهذا ما جاء في المحاكمه العسكريه الصوريه التي حكمت عليهم بالاعدام بأن قال رئيس المحكمه للمتهمين الذين إرتدوا ملابس الضباط من اعطاكم الحق بأرتداء هذه الملابس .. فأجابه الشهيد حسن سريع ومن أعطى الحق لرئيس الجمهوريه ان يحمل رتبة المشير بعد ان كان عقيداً بالجيش , وكان يعني هنا عبد السلام عارف .
ان الفرق بين ثورة 14 تموز وحركة 3 تموز كبير جداً … حيث كانت الاولى بقيادة عسكريه مجربه وقادرة على التأثير وتحريك القطعات … والثانيه تفتقدها . وفي الاولى كانت الجماهير الشعبيه بقيادة جبهة الاتحاد الوطني واحزابها المؤتلفه تسيطر على كل المدن والاقضيه والنواحي مجرد الاعلان عن البيان رقم واحد من دار الاذاعه العراقيه … وكانت للآسف حركة 3 تموز تفتقد الى مثل هذا الدعم , للضربه الشديدة التي وجهت الى المنظمات الجماهيريه والحزبيه , وقتل الآلاف منهم , وزج الآلاف الأخرى داخل المعتقلات والسجون جعل من عملية المسانده أمراً بالغ الصعوبه ومعدومه تقريباً . ان ثورة 14 تموز خطط لها على نار هادئه , ولها العديد من الحلقات المتسلسله في مختلف وحدات الجيش وعلى رأسهم ضباط كبار وبرتب عاليه مما سهل الاستيلاء على السلطه وبشكل سريع جداً . أما أبطال 3 تموز فلم يكن لهم سوى الاستعداد الكامل للتضحيه والفداء بأنفسهم .. وأن يقوموا بعمليه بطوليه تحمل بين جنباتها الفشل المحتم لللأمور التي اسلفناها . ومهما يكن من أمر , فستبقى حركة حسن سريع الأبيه من بين الحركات التي سيخلدها التاريخ السياسي والوطني لأبناء الجيش العراقي الباسل … وستخلدها الاجيال على مر العصور .
فطوبى لكم ايها الشهداء ..
والمجد كل المجد للواهبين حياتهم من اجل حرية وسعادة شعوبهم .