قاسم محمد علي
تعميق الإنتماء الوطني عند إحياء المناسبات الوطنية في الإقليمقاسم محمد علي
إن جميع المناسبات الوطنية الكوردستانية هي جزء من تأريخ وتراث الشعب، كذلك يعتبر جزء من تأريخ هذا الشعب، بكل مكوناته وإتجاهاته السياسية وإنتمائاته الحزبية، الإنتفاضات الشعبية وجميع الكوارث والمأسي والمجازر التي أرتكبت بحق هذا الشعب، نتيجة السياسات الشوفينية للإنظمة العراقية المتعاقبة قبل 2003 ، وإنكارها للحقوق القومية المشروعة للكورد في العراق، وفي المقابل إصرار الشعب الكوردي ونضاله المشروع من أجل الحصول على حقوقه الوطنية والقومية ومن أجل الحرية والديمقراطية وصيانة كرامة المواطن الكوردي. وبالتالي تحتم المسؤولية الوطنية على الأحزاب الرئيسية الحاكمة في الإقليم التعامل مع هذه الأحداث، عند إحياءها، من المنظور الوطني ووضعها في إطارها الوطني وأن يسود الطابع الوطني والتلاحم الجماهيري أجواء تلك المناسبات والمأسي بالإضافة الى رفع رايات كوردستان فقط، من أجل تغذية الجماهير بالمفاهيم الوطنية وإصطفاف الجماهير حول التراث الوطني وفي سبيل تعميق الإنتماء الوطني وبناء المواطنة على القيم الوطنية لكي يشعر كل فرد في الإقليم بأنه جزء من الكل، بأنه جزء من الحدث، بأن مايجري هو جزء من تأريخه ومن تراثه والذي يؤدي بالضرورة الى تعميق وترسيخ اللحمة الوطنية . لكن ما يحدث في الإقليم هو للأسف الشديد عكس هذا التوجه، وما رأينا في هذه الأيام، ذكرى الإنتفاضة الجماهيرية لعام 1991في عموم المدن الكوردستانية، رأينا وللأسف الشديد بأن الطابع الحزبي غطى أجواء تلك المناسبة الوطنية وتحولت الى إحتفالية حزبية وقامت الأحزاب الرئيسية الحاكمة مرةً أخرى بتقسيم كوردستان على أساس حزبي وعملوا على تلوين كوردستان بالرايات الصفراء والخضراء وعم الخطاب السياسي الحزبي جميع المدن الكوردستانية، وبالتالي تم تجريد هذه المناسبة من محتواها الوطني بالإضافة الى إن كل مواطن لا يتفق مع الإتجاه السياسي لهذه الأحزاب يجد نفسه فجأةً خارج هذه المناسبة التي هو في الحقيقة جزأً منها. هذه الرؤية الحزبية الضيقة لا تتناسب مع واقع الإقليم في هذه المرحلة لبناء الدولة وبناء المواطنة على القيم والمفاهيم الوطنية من أجل ترسيخ الإنتماء للدولة والذي يعمق في المقابل إحساس وشعور المواطن لحماية مصالح الإقليم والتضحية من أجلها. أما تحويل هذه المناسبات الوطنية الى إحتفالات حزبية، تؤدي بالضرورة الى تعميق التخندق الحزبي والى شق الصف الوطني وتعزيز الإنتماء الحزبي وتفضيل الولاء الحزبي على الولاء الوطني.
المصيبة الكبرى عندنا تكمن في إن الأحزاب الرئيسية الحاكمة تتعامل وللأسف الشديد مع الواقع السياسي الجديد في الإقليم بنفس عقلية الجبل الحزبية وكما كانت الحالة السياسية آنذاك في زمن النضال الثوري المسلح بأن الحزب مسؤول عن جماهيره الحزبية وعن مقاتليه (مع فخرنا وإعتزازنا بقوات الپيشمركة البطلة آنذاك التي قارعت الإنظمة العراقية الفاشية قبل 2003 بكل شجاعة وبطولة وضحت بحياتها الغالية للدفاع عن أرض كوردستان وشعبها)، ناسين هذه الأحزاب إنهم اليوم السلطة الحاكمة، وبالتالي هم مسؤولون، ومن خلال حكومة الإقليم، عن قيادة المجتمع الكوردستاني بكل مكوناته وإتجاهاته السياسية وإنتمائاته الحزبية، مسؤولون عن بناء المواطنة في ذات الفرد الكوردستاني على أساس القيم الوطنية. وبالتالي يتوجب على القوى الرئيسية الحاكمة إستثمار جميع المناسبات والمأسي الوطنية من أجل توحيد الصف الوطني وترسيخ الإنتماء الوطني، وليس إستثمار تلك المناسبات في سبيل المصلحة الحزبية ، وأن تغطيها بالطابع الحزبي واللون الحزبي والخطاب السياسي الحزبي، بالإضافة الى تغليب الولاء الحزبي والقبلي والعائلي أو تغليب الولاء للمدينة والمنطقة على الولاء الوطني، والتي تؤدي بالنتيجة الى تفكيك المجتمع وشق الصف الوطني وإضعاف الروح الوطنية عند الفرد.
من ناحية أخرى تتذكر الأحزاب الرئيسية الحاكمة المأسي والمجازر الوطنية مرة واحدة في كل سنة، فقط عند إحياء ذكرى الفاجعة، هذا وإننا نعيش في هذه الأيام الذكرى الثالثة والعشرين لمجزرة هه لبجة المؤلمة التي نفذها النظام العراقي البائد في 16 آذار عام 1988حين إرتكب أبشع المجازر بحق البشرية في العصر الحديث. رغم وجود الأدلة الكافية ورغم مرور أكثر من عشرين عاماً على تحرير إقليم كوردستان، لم تتمكن أو بالأحرى لم تعمل الأحزاب الرئيسية الحاكمة وقيادتها السياسية وحكومات الإقليم المتعاقبة بجدية وببرنامج من أجل تصنيف هذه المجزرة البشعة دولياً بجريمة الإبادة الجماعية.
إن عوائل الشهداء والمؤنفلين والجماهير الكوردستانية عامةً ليسوا بحاجة الى أن تتذكر تلك المأسي والجرائم يوم واحد فقط في كل سنة، بقدر ما تهمهم كيفية تعاطي حكومات الإقليم المتعاقبة والأحزاب الرئيسية الحاكمة وقيادتها السياسية مع هذه الأحداث على أرض الواقع وحجم إهتمامهم بعوائل الشهداء والمؤنفلين من الناحية النفسية والمادية والمعنوية بالإضافة الى توفير الحياة الكريمة لهم، إعادة إعمار قراهم ومدنهم، بناء المدارس والمستشفيات لهم وتقديم الخدمات الأساسية لهم.
نتمنى أن تتعلم الأحزاب الرئيسية الحاكمة سياسة وثقافة الفصل بين المناسبات والإحتفالات الحزبية وبين إحياء ذكرى المأسي والمناسبات الوطنية، التي هي أصلاً ملك الشعب، وبالتالي يجب أن تسودها الطابع الوطني، من أجل تعميق الإنتماء الوطني.
دانيمارك\كوبنهاكن، الأثنين 21 آذار 2011