كمال يلدو
الثلاثاء 18/8/ 2009
تداعيات جريمة مصرف الزوية:
اكبارا لشـجاعة الكاتب احمد عبد الحسينكمال يلدو
ما اكثر الجرائم التي حدثت وســجلت باســم الفاعل (المجهول) ، وما اكثر الســرقات او حرائق الوزارات وكلها او قل اغلبها كانت النتيجة ان (الفاعل مجهول)، وحتى قضية وزارة التجارة ووزيرها (المؤمـن جدا) ..فلا حيرة بعد اليوم ..ان الفاعل مجهول !
ولكنها المرة الأولى التي يختلف فيها السـراق علـى الغنيمـة فتنكشــف اللعبة واضحـة في قضية "مصرف الزوية".
ليس من مهزلة شهدها الوضع الامني مؤخرا اكبر من فضيحة "مصرف الزوية" ، وكرة اللهب الحارقة التي صـار الكـل يتقاذفها كي لا تحترق يداه ، حتى تصل المأساة لدرجة ان لا يجري الحديث عن الجريمة ، ولا عن الشهداء أوالجرحى الذين ذهبوا ضحية، واكتفوا بالقول بأن الاموال اعيدت الى خزانة وزارة المالية، اما الهاربين والجهة التي تقف خلفهم وتحميهم وتدافع عنهم فيراد طمســها وايداعها رفوف النسيان، ووجـدوا ضــالتهم فـي مقالة السـيد "احمد عبد الحسين"، هذا الكاتب الذي ترجـم وبمهنية عالية هموم ومشــاعر الملايين . فهو لم يسطو على "مصرف الزوية" ولا شــارك في قتل الحرس ولا شــارك في اخفاء الجناة والمال المســروق، وهو ايضا لايمثل حزبا وليس لـه ميليشـيا بل ان كلما قام به هــو ما أملاه عليه ضميره ومهنته في نشــر ما يسـمعه وما يعرفه ،وهو بحد ذاته وفاءا للجمهور الذي صوت لقائمة (الشــمعة) والذي يعد الشيخ "الصغير" واحدا من رموزها ، هذا الجمهورالذي وثب لمرات كثيرة بعد خيبات الامل التي اصابته من سياساتهم فيـما رفع شــعار .. ( قشــمرتنه المرجعية ..وانتخبنـه الســرسرية) ... ان السيد أحمد عبد الحسين لم يقل اكبر من هذه الجملة .... لا بل ان اخفاقهم بالوعود التي قطعوها للجمهور العراقي البائس هي التي اضفت الحقيقة على هذه الجملة المفيدة جدا جدا .
اما ما قام بــه الشـــيخ " الصغير" وهـو عضو البرلمان المنتخب من قبل الشعب ! وفي خطبة الجمعة ومن على منبر ديني، في كيل الشتائم والتهديد والوعيد وامام المصلين بحق الصحفي الكاتب أحمد عبد الحسين ، فهذا الامر الذي يجب ان نتوقف امامه مليا، اذ انـه يمثل ســابقة خطرة في طريقة التعامل مابين الساسة العراقيين والسلطة الرابعة كما يقولون ، الصحافة ومن بعدها الصحفيون ، علـى ان (تتفضل) فضائية شـبه رسـمية مثل "العراقية " ببث هذه الخطبة (لاغيرها) على المشاهدين في العراق والعالم وتســخير مؤسسات شبه رســمية لخدمة اجندات حزبية ضيقة فهنا تكمن الطامة الكبرى بينما كان الاولى بهـا الوقوف على الحياد ونقل الاحداث كما يمليها عليهم واجبهم المهني في المصداقية والشفافية.على ان المواطن العراقي من حقه ان يتســائل عن الدور الرقابي للوزارة العراقية مشــخصة برئيسها السيد نوري المالكي ، صاحب اعلى الاصوات في انتخابات مجالس المحافظات والذي رفع على رأس قائمته شــعار "دولة القانون"...فأين تكمن هذه الطرفة في الجريمة التي حصلت ... ومن يا ترى يحاســـب هؤلاء الخطباء حينما يشــردون بخطبهم ذات اليمين وذات الشــمال، يشتمون هذا ، ويـخـّونون ذاك ...ام ان دولة القانون لا تنطبق عليهم ؟
ما هكذا تصـّرف الازمة ايها الســيد "الصغير" ، وانت خير العارفين. فكـم كنت اتمنى عليك وعلى قياديين آخرين في "المجلس" ان يخرجوا للناس وان يفضحوا القتلة والمجرمين ويعتذروا لعوائل الشهداء وللعراقين كلهم ، لا ان يتواروا خلف الحدث ويلقوا باللائمة على مقالة ظهرت في صحيفة او كلمة قيلت هناك ...اولســتم انتم ورثـة الامام علي ابن ابي طالب الذي نادى صــراحة بقولـه :" قـل الحق ولو على نفســـك"، فيا ترى اين انتم من هذه المقولة ، واين انتم حقا من قســمكم في مجلس النواب ووعودكم للعراقيين بالدفاع والحفاظ على المكتسبات التي تحققت لحد الآن ، وأثمنها حرية التعبيــــر ! اما وان تتوعد ، فيؤســفني ان اردها عليك واذكــّر القـراء الكرام بحادثة مـّر عليها بعض الوقت حين ظهر الكتاتور وامام حشـــد من "القيادات البعثية" ومن على شـــاشــة "التلفزيون" ايضا وهـو يتوعـد من يهاجمون قيادة الحزب والثورة ! بقوله حينها في كلمته الشهيرة " والله بيدي اطـره طرتين !!" وشــهدنا ســوية ، ومعنا الشــيخ "الصغير" كيف ان الزمــان قـــد "طــره طرتــان" .
هذه القضية بكل تداعياتها والمجرمين الذين وقفوا خلفهـا ، واللصوص اللذين انبروا لتبريرها ، هـي بكل تأكيد انعكاس لتفشي الفساد الاداري والدور الذي تقوم به الميليشيات ( المستترة والعلنية)، وكشــفت ايضا عن قصور واضـح في اداء الدولة ومؤسـسـاتها المختلفة بالعودة الى تضارب التصريحات وانهاء التحقيقات دون نتيجة حاســمة ، وكان لافتا تبادل الادوار وتبويس اللحى بين الاحزاب الطائفية المتنفذة في العملية السياسية للخروج من هذه الفضيحة خاصة والعراق على ابواب مسرحية انتخابية جديدة لا ترغب الاطراف المتنافسة على اتاحة الفرصة للطرف الآخر للمتاجرة بهذه المشكلة. ان المواطن العراقي امام امتحان في اختيار القيم التي سيستند اليها قادة العراق الجدد ولابأس من ان تكون هذه المحاور قضية اســاسية ومحركة وربما (الميزان) في انتخابات البرلمان الجديد ان كنا حقا نريد (اعادة بناء هذا الوطن) .
يشــرفنا ان نقف احتراما للصحفين وكل المدافعين عن القلم والكلمة الحرة ...ولوثبتهم التي انطلقت من شــارع الثقافة ، من شــارع المتنبي ،هكذا يجب ان ينطلق العراق الجديد ، لا من المنطقة الخضراء ولا من ايـة (رازونة اخرى) ...من هذاالفضاء الرحب والمفتوح والمكشوف والمعروف ، وعلى يـد خيرة ابنائــه يجب ان ينطلق مشــروع التغيير ورفض هذا الواقع البائس الذي خلفته عقود الدكتاتورية والاحتلال، ودعـوة لتحشـيد كل الاصوات الخيرة ( داخل العراق وخارجـه) من اجل هذا الهدف النبيل . ونــداء من اجل تحريك كل الرموز الوطنية في البرلمان من اجل لجـم جماح ردود الافعال المتشـــنجة ، لابل والمخيفة والمهددة والتي تدعونا صراحة الى ضرورة التحقيق في اســباب اغتيال عشـــرات الصحفيين في العراق وفي ظروف غامضــة ، و دعوة مخلصـة لجريدة "الصباح" الغراء بأعادة هـذا الكاتب الى وظيفته معززا مكرمــا، امانـة واحتراما للكلمة ومن اجل عـدم تقديم التنازلات لأعـداء الكلمة .
ان هذا الحدث ، وغيره يدعونا اليوم واكثر من اي وقت آخر الى تشديد المطالبة بالاسراع في تشـــريع قانون حماية الصحفيين وحماية حرية الكلمة ، وربما اقترح ان ينبري بعض رجال القانون في بحث آليــة التهديد الذي وجـه الى الكاتب احمد عبد الحســين ، وقيام الفضائية العراقية بترويج "خطبة الجمعة" مرتان وعدم الاعتذار للمشــاهدين من ذلك ، ومعرفة ما ان كان هناك خــرق قانوني قـد جرى بحق الســيد احمد عبد الحســين ، وما ان كان بالامكان تقديم المخالفين للقضــاء .
كـل التضامن مع جريدة "الصباح" الغــراء ، وجميع كتابها الرائعين ومنهـم الاستاذ احمـد عبد الحســين.
آب 2009