د. عبدالخالق حسين
الثلاثاء 1/ 7/ 2008
ملف خاص بمناسبة اليوبيل الذهبي لثورة تموز عام 1958
الاستاذ العزيز : د. عبد الخالق حسين
تحية حارة
يبادر موقع (الناس) إلى إعداد ملف عن ثورة 14 تموز 1958 بمناسبة يوبيلها الذهبي. ويشرفنا أن تكونوا أحد الكتاب المساهمين في هذا الملف، الذي يضم محاور متنوعة، علاوة ما تقترحونه من محاور وأسئلة أخرى أو زوايا رؤية لم يجر التطرق إليها ، ولكم منا خالص الود والشكر سلفاً .
المحاور والآسئلة المقترحةالقسم الأول
1. كثرت التسميات لثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، فمنهم من سماها ( ثورة) ومنهم من سماها (إنقلاب) ومنهم من سماها (إنقلاب ثوري)... الخ من التسميات، فكيف تنعتون هذا الحدث؟ ولماذا؟
- في البدء أود أن أشكركم على دعوتكم الكريمة لي في استفتاء رأيي بهذه المناسبة الوطنية والتاريخية المهمة في ذكراها الخمسين. فهذه الثورة العظيمة أثبتت عظمتها رغم اغتيالها المبكر بعد أربعة أعوام ونصف العام من عمرها، بدليل أن منجزاتها بقيت تتحدى أعداءها رغم مرور أكثر من أربعة عقود على اغتيالها.
ثورة أم إنقلاب؟ أرى من الضروري توضيح هذين المصطلحين وبإيجاز شديد، من أجل إزالة الغشاوة والالتباس في فهم ما حصل يوم 14 تموز 1958 وتحديد موقفنا منه. فماذا حصل بالضبط في ذلك اليوم التاريخي المشهود، الفاصل بين مرحلتين مختلفتين كل الإختلاف في تاريخ العراق الحديث: يوم 14 تموز 1958؟ هل كان انقلاباً أم ثورة؟
لقد أسيء استخدام هذين المصطلحين (الثورة والانقلاب) أيما إساءة، وذلك بناءً على الموقف العاطفي، لا الموضوعي، الذي يتخذه الشخص مما حدث في ذلك اليوم، فإن كان مؤيداً له وصفه بالثورة، و إن كان معارضاً، وصفه بانقلاب عسكري. إن هذين المصطلحين، الإنقلاب والثورة، لهما مدلولاتهما العلمية والتاريخية، يجب عدم ترك استخداماتهما للعواط،. لأن الفرق بينهما كبير.
والفرق بين الإصطلاحين، ببساطة واختصار شديد هو كما يلي: الإنقلاب يعني تبديل رجال الحكم بالعنف المسلح وغالباً بعملية عسكرية دون أن يكون مصحوباً بأي تغيير للنظام السياسي والإٌقتصادي والإجتماعي. أما الثورة فهي عملية تبديل الحكام، وقد يتم بالعنف المسلح أو بدونه، ولكن بالضرورة تكون مصحوبة بتغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. المهم هنا تغيير القاعدة الاقتصادية والاجتماعية وتطورها من مجتمع قبلي متشظي ذو سمات شبه إقطاعية في الريف، وعلائق كومبرادورية في المدينة، إلى مجتمع قائم على تعددية الأنماط الاقتصادية نحو العصرنة والتحديث وبالتالي تغيير الفئات الحاكمة من حيث جذر الانتماء الطبقي.
وعليه، ماذا حصل يوم 14 تموز وما تلاه؟
إن "الحدث" الذي حصل في ذلك اليوم وما تلاه من تغييرات هائلة مثل: إسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، وتبنى سياسة عدم الإنحياز، وإلغاء جميع المعاهدات الإستعمارية الجائرة المخلة بالإستقلال الوطني والخروج من الأحلاف العسكرية (حلف بغداد)، وتحقيق الاستقلال السياسي التام والسيادة الوطنية الكاملة، وتحرير الاقتصاد والعملة العراقية من الكتلة الإسترلينية، وإلغاء حكم العشائر والنظام الإقطاعي وتحرير الملايين من الفلاحين الفقراء من سيطرة الإقطاعيين بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وتحرير المرأة وإقرار حقوقها بإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188، وتحرير 99.5% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الاحتكارية بإصدار قانون رقم 80، وازدهار الصناعة، وبناء عشرات الأحياء السكنية للفقراء، والتفاف الجماهير حول قيادة الثورة وحماية منجزاتها… وغيرها كثير، والقائمة تطول… وبعد كل هذه التغييرات التي حصلت في المجتمع العراقي بعمق، فلا يمكن لأي باحث منصف إلا وأن يعترف بأن ما حصل يوم 14 تموز، كان ثورة بكل معنى الكلمة.
ولعل أدق شهادة بهذا الخصوص جاء على لسان المستشرق الفرنسي الراحل، مكسيم رودنسون، الذي قال: "إن ثورة العراق هي الثورة الوحيدة في العالم العربي"، وأيد ذلك بقوة الموضوعية، المؤرخ والباحث الأكاديمي الراحل، حنا بطاطو عندما سأل: "هل ترقى أحداث 14 تموز (يوليو) إلى مستوى الثورة أم أنها مجرد انقلاب؟ وأجاب قائلاَ: "والواقع إن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة، يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة. ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف... والواقع إن 14 تموز أتى معه بأكثر من مجرد تغيًر في الحكم. فهو لم يدمرً الملَكِّية، أو يضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية فحسب، بل أن مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثر بعمق. ولقد دمرت إلى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ ملاكي الأراضي، ولكبار ملاكي المدن، وتعزز نوعياً موقع العمال المدنيين والشرائح الوسطى، والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغير كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لانتقال المِلكية من ناحية، ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية وإدخال الريف في صلب القانون الوطني من ناحية أخرى". لذا فإننا ننظر إلى إنجازات الثورة بالارتباط إلى ما حققته من تحولات كبيرة في المجتمع العراقي وبقيت تأثيراتها العميقة حتى اليوم رغم الثورات المضادة.
2. يرجع عدد غير قليل من الكتاب والباحثين ما عاشه العراق من إضطراب سياسي ، ومن دكتاتوريات متعاقبة، ويلقون تبعات كل ذلك على ثورة الرابع عشر من تموز . ما هو تقييمكم لهذه الرؤى ؟ وما هو رأيكم بهذا الموضوع ؟
- نعم، بعد اغتيالها بوقت مبكر من عمرها، وعدم السماح لها بتحقيق أهدافها كاملة، يحاول البعض تحميل ثورة 14 تموز 1958 تبعات الكوارث والنكبات التي نزلت على العراق فيما بعد، ويصرون على أنه لولا ثورة أو "انقلاب" تموز لما ابتلى العراق بالنظام البعثي الصدامي، ونتائج سياساته الطائشة وحروبه العشوائية المدمرة وعواقب سقوطه. وانهال هؤلاء بإلقاء اللائمة على الثورة وقادتها مسؤولية تسييس العسكر وتسلطهم على الحكم ومقدرات البلاد والعباد، مدعين أنها دشنّت عهداُ للانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي.
كما وبالغوا في كيل حسنات العهد الملكي، وراحوا يصفونه بأنه كان عهداً ديمقراطياً زاهراً مستقراً، كان فيه دستور وانتخابات وبرلمان، وكانت هناك أحزاب المعارضة تمارس نشاطاتها بمنتهى الحرية تحت قبة البرلمان، وحقق ذلك العهد تقدماً ملحوظاً في التطور الاجتماعي والاقتصادي وجميع المجالات، وكان نبتة طرية لبناء النظام الديمقراطي ومؤسسات المجتمع المدني "لولا اقتلعها عبد الكريم قاسم" على حد تعبير أحدهم.
يقول أنصار الملكية أنه كان في العراق في العهد الملكي برلمان وانتخابات ودستور دائم. ولكن العبرة ليست في وجود الدستور والقوانين المكتوبة فحسب، بل في الدور العملي لهذا الدستور في حياة المجتمع، وتطبيق القوانين. فالوضع في العهد الملكي وكما وصفه الشاعر العراقي معروف الرصافي في قصيدة له جاء فيها:
عَلَمٌ ودستور ومجلس أمـة كل عن المعنى الصحيح محرَّفُ
ولم تكن المعارضة حرة كما يدعي البعض، والمسألة نسبية هنا، بل زُجَّ بزعمائها وحتى الليبراليين منهم في السجون، كما وتم إسقاط الجنسية عن الكثير من المناضلين ونفيهم إلى الخارج دون مبرر، فقط لأنهم كانوا من المعارضة رغم أنها كانت معارضة سلمية. أما قيادة الحزب الشيوعي فتمت إبادتها بدون أي مبرر أيضاً، وكان التعذيب الجسدي، والسجن في نقرة السلمان الصحراوي سيئ الصيت، من نصيب الشيوعيين وحدهم... وأما الانتخابات فكانت تزيف علناً بشهادة المؤرخين المحايدين وحتى بشهادة رجال الحكم في العهد الملكي مثل، أحمد مختار بابان، رئيس وزراء سابق، وعبدالكريم الأزري، وزير مالية. وكانت المظاهرات السلمية والإضرابات العمالية والطلابية كانت تواجه بالرصاص، ومجزرة عمال نفط كركوك (كاور باغي) باتت معروفة للجميع.
إضافة إلى أن معظم السياسات الخارجية للحكومة آنذاك كانت ضد طموحات التيار الشعبي العام السائدة على ذهنية الشعب العراقي وشعوب المنطقة وتطلعاتها، بغض النظر عما إذا كانت هذه السياسات أثبتت صحتها في المستقبل. كذلك لم يكن العهد الملكي مستقراً، بل كانت هناك على الدوام الانتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية، والانقلابات العسكرية، وأول هذه الانقلابات كان انقلاب بكر صدقي عام 1936. كل هذه السياسات وغيرها، هي التي جعلت العهد الملكي ونوري السعيد ملعونَيْنِ في نظر الشعب. لذا فعدم الاستقرار بعد ثورة تموز كان استمراراً للوضع العراقي لما كان قبل الثورة.
3- هل كانت الثورة ضرورة حتمية أملتها عوامل اجتماعية - اقتصادية وسياسية، ام مغامرة لمجموعة ضباط طامحين للسلطة، كما يقول البعض ؟
- نعم يدعي البعض أنه لم تكن هناك حاجة أو أسباب كافية للتغيير، وأن ما حصل في يوم 14 تموز 1958 كان نتيجة طيش بعض الضباط المغامرين في الجيش لتحقيق طموحاتهم في السلطة والجاه. ولكن نسي هؤلاء، أن الثورات لا يمكن تفجيرها "حسب الطلب" أو بفرمان من أحد، وإنما هي نتيجة لانفجار تراكمات ومظالم ومتطلبات سياسية واجتماعية واقتصادية، وعندما تنتفي الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق التحولات المطلوبة، وتتوفر لها الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، عندئذِ يحصل التغيير بالعنف الدموي، وما يصاحب ذلك من هزات عنيفة واضطرابات خطيرة في المجتمع وعواقب وخيمة. فالثورة بالتأكيد كانت ضرورة حتمية تاريخية لا مفر منها، أملتها مجموعة عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، وكانت استجابة لمتطلبات وطنية ملحة وظروف موضوعية لمرحلة تاريخية معينة من مراحل تطور العراق التاريخي. وهناك بديهة تفيد أن كل مرحلة تاريخية هي وليدة المرحلة السابقة، لذلك فبذور ثورة 14 تموز قد نمت في رحم العهد الملكي نفسه.
كذلك يجب التوكيد على إن ثورة 14 تموز كانت الإبنة الشرعية لثورة العشرين (30 حزيران 1920) ووريثتها، مضموناً وفكراً. فثورة العشرين كانت ثورة جيل تأسيس الدولة العراقية على أيدي عراقيين من خرجي المدرسة التركية العثمانية، ولكن هذه الدولة الوليدة كانت باستقلال ناقص أملته ظروف المرحلة التاريخية. لذلك ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، كانت القيادات السياسية للأحزاب الوطنية غير مقتنعة بدولة ناقصة السيادة، إضافة إلى اتساع فجوة الخلاف بين الشعب والحكومة. ولهذا السبب كانت هناك سلسلة متواصلة من الانتفاضات الشعبية والانقلابات العسكرية ضد سلطة العهد إلى أن توجت بثورة 14 تموز التي هي ثورة جيل آخر غير جيل التأسيس، أي جيل المدرسة العراقية، الذي حقق طموحات الشعب في الاستقلال السياسي الكامل وسيادته الوطنية، ومهدت الطريق للسيطرة على ثرواته النفطية لاحقاً.
لذلك نعتقد أن ثورة 14 تموز، ومهما حصل لها فيما بعد، كانت ثورة وطنية شعبية مشروعة، فرضتها ظروف موضوعية، بدليل أن احتضنتها الجماهير من أقصى العراق إلى أقصاه منذ الساعات الأولى من اندلاعها. فكانت تلك التظاهرات الجماهيرية في تأييد الثورة وحمايتها من أعدائها، بمثابة التصويت على شرعيتها. صحيح أن الجيش كان أداتها الضاربة المنفذة، إلا إن الجماهير الشعبية هي التي حولت الحدث إلى ثورة شعبية عارمة بعد لحظات من اندلاعها.
4- ألم يكن بالإمكان تطوير النظام الملكي إلى نظام ديمقراطي منتخب من الشعب دون ثورة كما جرى في 14 تموز عام 1958 ؟
- من دراستنا لتاريخ العراق الحديث، نعلم أن القوى الوطنية بذلت كل ما في وسعها لتطوير النظام الملكي وإحداث التغيير بالطرق السلمية مع الإبقاء على النظام الملكي، خاصة وأن العراق كان بأمس الحاجة إلى التغيير والإصلاح السياسي. إلا إن النظام الملكي نفسه، وبالأخص نوري السعيد، وقف ضد التغيير وأمعن في انتهاك حقوق الشعب وأوقف التطور السلمي التدريجي بالقوة، ووقف عقبة كأداء أمام التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها قوانين التطور.
والدليل على فشل الوسائل السلمية في التغيير، نذكر ما حصل في عام 1954 من محاولة إصلاح سياسي عندما تسلَّم رئاسة الحكومة ولأول مرة، رجل مثقف ومستنير بالمعنى العصري، ومن مؤسسة الحكم الملكي، وهو الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي تلقى تعليمه العالي ونال درجة الماجستير والدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية، وكان من تلامذة الفيلسوف الأمريكي المعروف جون ديوي. فقام الجمالي ببعض الإصلاحات السياسية، حيث أطلق سراح السجناء السياسيين، وأجاز المنظمات النقابية والأحزاب السياسية (عدا الحزب الشيوعي طبعاً) كما وأجريت الانتخابات النيابية، فاستطاعت أحزاب المعارضة أن تفوز بـ 11 مقعداً من مجموع 131 مقعداً. لم يتحمل نوري السعيد هذا العدد من نواب المعارضة رغم قلته، فما كان منه إلا وأن قام بانقلاب القصر على زميله الجمالي، واستصدر الإرادة الملكية بحل البرلمان بعد جلسة واحدة فقط من افتتاحه بخطاب العرش. نقول، ماهو تأثير 11 نائباً معارضاً من مجموع 131 نائباً على قرارات السلطة الحاكمة؟ أليس هذا دليل على عدم تسامح السلطة الملكية مع المعارضة الديمقراطية حتى وإن كانت ضعيفة، وأنها كانت تحث الخطى نحو الهاوية؟
ولهذه الأسباب يئِسَ قادة الأحزاب الوطنية، وفقدوا الأمل في إجراء أي إصلاح سياسي بالوسائل السلمية، فاضطروا إلى اللجوء إلى القوة لإحداث التغيير عند الاقتدار، أي إلى الثورة المسلحة التي كان الجيش هو أداتها المنفذة. ومن كل ما تقدم نستنتج أن المسئول الأول عن تفجير ثورة 14 تموز 1958 واللجوء إلى العسكر لإحداث التغيير، هو نظام العهد الملكي نفسه وبالأخص نوري السعيد، لأنه فشل في مواكبة التطور وفق متطلبات ظروف العراق آنذاك ورفض التغيير بالوسائل السلمية. ولهذا السب صرح قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم مرة قائلاً: " لو اعتقدنا أنه كان باستطاعة الشعب أن يزيل كابوس الظلم الجاثم على صدره، لما تدخلنا بالقوة المسلحة، ولكننا كنا نعرف أن الناس كانوا يائسين ولا من يدافع عنهم ."
5- هل يبرر إستخدام العنف والجيش لتحقيق أهداف نبيلة ؟
- طبعاً في الظروف الطبيعية والمثالية، وعندما ينمو المجتمع في أي بلد نمواً طبيعياً وفق التطور السلمي التدريجي، تنتفي الحاجة أصلاً إلى اللجوء إلى العسكر واستخدام العنف لإجراء التغيير. ولكن كما بينا أعلاه، ما العمل عندما تفشل جميع الوسائل السلمية في تحقيق الأهداف النبيلة. فكما ذكرنا، أن القوى الوطنية حاولت جميع الوسائل السلمية لإجراء التغيير وعلى مدى عشرات السنين، ولكنها فشلت، وكانت تواجه بالقمع. كذلك لم يكن حكم الشعب على الجيش كحكمه الآن وبعد النكبات. فالجيش طوال تاريخه في العهد الملكي كان مع الشعب في انتفاضاته، وكان ينظر إليه بمنتهى الاحترام والتقدير في تحقيق طموحات الشعب. وعليه، كان الاعتماد على الجيش آنذاك مبرراً، لاسيما وفي ظروف مرحلة تاريخية متخلفة من مراحل تطور الشعوب، لابد وأن يمر المجتمع بمراحل العنف من أجل تحقيق أهداف نبيلة.
6. هل كان ممكناً لمسار الحدث أن يأخذ إتجاها أخر غير الذي سلكه وكيف؟
- نظرياً كان ممكناً، ولكن التاريخ لا يسير وفق تمنيات ورغبات النخب الثقافية والسياسية. مشكلة البشر أنهم لا يسلكون الطريق الصحيح إلا بعد أن يجربوا ويستنفدوا الطرق الخاطئة، فالبشر يكتشفون أخطاءهم فقط بعد فوات الأوان. إذ كما يقول الإنكليز: "After the event every body is clever" أي بعد فوات الأوان كل واحد يدعي الذكاء ولديه الحلول الصحيحة.
إن التطور سنة الحياة ويشمل كل شيء في الوجود، وحتى الجمادات. نعم هناك قوانين لحركة ومسار التاريخ، إلا إن هذه القوانين ليست مضبوطة كبرامج الكومبيوتر، أو برنامج جهاز الـ GPS الذي يرشد السفن والناقلات والطائرات بمنتهى الدقة لا تحتمل الخطأ تستطيع برمجته مسبقاً قبل الانطلاق من نقطة البدء، ويوصلك إلى الهدف المقرر. فالحركات والتحولات الاجتماعية ومسارها خاضعة لعوامل عديدة قابلة للمتغيرات وليست خاضعة لإرادة القادة والنخب. فأي عامل يتغير سيؤثر على العوامل الأخرى وتتغير النتائج، يشبهها علماء الاجتمالع بالعوامل التي تؤثر على الأنواء الجوية. فهناك عشوائية وفوضى في حركة التاريخ، لا تعتمد على خبرة وذكاء القادة فقط، ولا تخضع لإرادة الأفراد أو النخب السياسية أو الثقافية كما يتصور البعض، بل يتحرك التاريخ وفق مستوى العقل الجمعي للمجتمع. فكما قال الفيلسوف هربرت سبنسر: "أن التحول الحضاري لا يتم على يد بطل، أو حاكم، ولكنه يتم على يد الحكمة الجماعية" أي العقل الجمعي للمجتمع. أما إذا جاءت نتائج الثورات مخالفة لتطلعات الثوار أو صناع التاريخ، فهذا الأمر هو الآخر ليس غريباً، إذ كما قال كارل ماركس في هذا الخصوص: "الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكن النتائج غالباً تكون على غير ما يرغبون". فقوانين تطور المجتمعات البشرية تشبه إلى حد كبير التطور البايولوجي أي الداروينية، أنها تسير وفق مبدأ الصراع بين الأضداد والاختيار الطبيعي، والبقاء للأصلح، أي لا يصح إلا الصحيح.
إن الوضع الحضاري المتقدم المستقر الذي تعيشه الشعوب الغربية اليوم لم يحصل بين يوم وليلة، ولم يتم بسلام وسلاسة ودون سفك دماء، بل حصل عبر هزات وكوارث تاريخية واجتماعية وحروب وثورات وزلازل سياسية على مر العصور، وهذه مسألة طبيعية جداً في حركة التاريخ ومساره. فالتغيير أو التطور هو حتمي كما ذكرنا، إما أن يحصل بصورة سلمية إذا لم تعيقه الحكومات، أو على شكل ثورات دموية عارمة تجرف كل شيء أمامها إذا ما وقفت الحكومات عائقاً ضد التغيير. وعليه فإن التطور السلمي التدريجي لم يحصل في أي مجتمع إلا بعد أن يبلغ ذلك المجتمع مرحلة حضارية متقدمة كما الحال في المجتمعات الغربية الديمقراطية الآن.
7. هل تعتقد أن العامل الذاتي، أي الضباط الذين أشعلوا فتيل الثورة والقوى الوطنية التي ساندتهم والقوى المعادية في الداخل والخارج، أم هناك عوامل موضوعية هي التي قادت مسار الحدث على الطريق الذي نعرفه؟
- أعتقد أن مسار الحدث أو التطور في أي بلد خاضع للظروف المحلية والدولية. فالضباط الأحرار وقادة الأحزاب الوطنية كانوا من صميم المجتمع العراقي ونتاجه، يحملون تطلعاته وطموحاته. وكان هناك شبه إجماع في العراق على التغيير عن طريق الثورة المسلحة وأداتها الجيش، لانتفاء الوسائل السلمية لإحداث التغيير كما بينا آنفاً. ولكن في أي وقت، الظروف الموضوعية الداخلية الدافعة للتغيير، ليس بإمكانها الحفاظ على التغيير(الثورة) ما لم تكن منسجمة مع الظروف الدولية. فكما يؤكد فلاسفة التاريخ، أن مسار التاريخ في أي بلد لا بد وأن يتأثر بما يجري في العالم أيضاً. وعليه، فثورة 14 تموز كانت منسجمة كلياً مع الظروف الوطنية، واستجابة لإرادة الشعب العراقي، ولكنها كانت في تقاطع وصدام مع الظروف الدولية في أجواء الحرب الباردة والصراع الدموي بين المعسكرين العملاقين، الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والرأسمالي بقيادة أمريكا. وهذا الصراع الدولي على مناطق النفوذ في دول العالم الثالث بين المعسكرين، انعكس سلباً على قوى الصراع في الداخل. لذا فقد حصل استقطاب في صفوف الضباط الذين أشعلوا الثورة، وقادة الأحزاب الوطنية في العراق، وفق الاستقطاب الدولي، والنتيجة أن ثورة تموز راحت ضحية لهذا الصراع الدولي الإقليمي والداخلي.
8. من المعروف أن النظام الملكي قد سقط خلال ساعات ، وإن جماهير الشعب إحتضنت قادة الثورة وباركت لهم عملهم ، بحيث يمكن القول أن الحدث لم يكن معزولاً ولا نخبوياً. إذن كيف ولماذا تغير مسار الأحداث بعد أشهر من وقوعه؟
- لقد بينت أعلاه، أن النظام الملكي قد استنفد دوره، لذا كان سقوطه سهلاً ، إذ لم تبرز أية جهة داخلية للدفاع عنه، بينما خرجت الجماهير من أقصى العراق إلى أقصاه مرحبة بالثورة ودافعت عنها. بينما تحركت القوى الخارجية، أمريكا وبريطانيا، فوراً لإجهاض الثورة ووأد الجمهورية الفتية، فأنزلتا قواتهما على عجل في الأردن ولبنان، كما واستنفرت قوات الجيش الأحمر في روسيا السوفياتية آنذاك. وحبس العالم أنفاسه. ولما أدركت أمريكا وبريطانيا أن الحرب غير مجدية، خاصة وعندما رأت التفاف الجماهير الشعبية الواسعة حول قيادة الثورة وحمايتها، فعدلتا عنها عملاً بالحكمة القائلة "لا تحارب شعباً في حالة ثورة"، وتحولتا على الفور للعمل بكل السبل لإسقاط الثورة من الداخل وأفلحتا في ذلك بعد أربع سنوات ونصف السنة. أما كيف تغير مسار الحدث، فكما ذكرتُ أعلاه، تم عن طريق تدخل الدول الإقليمية والدولية في مسار الأحداث وبث الفرقة بين القادة والنخب العسكرية والسياسية (فرق تسد)، واستجابة المتضررين من الثورة في الداخل، مثل أنصار العهد الملكي، والإقطاعيين وكبار الملاك، وقادة التيار القومي العروبي وخاصة من البعثيين، لأن معظمهم كانوا من أبناء الإقطاعيين المتضررين بقانون الإصلاح الزراعي، والصراع بين القوى الوطنية على المصالح الفئوية الآنية، كل ذلك ساعد أعداء العراق على اغتيال الثورة وقيادتها.
يتبع