| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 12 / 9 / 2026 خالد جواد شبيل كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الأخلاق والدين.. ثانية
خالد جواد شبيل
(موقع الناس)سبق لي أن طرقت هذا الموضوع ولا أتذكر تحت أي عنوان، وحسبت أنني قد وفيت ذماما مع موضوعة فصل الأخلاق عن الدين، ولكن مع استمرار الفساد من قبل القادة المسلمين الذين جعلوا الإسلام غطاء لكل أساليب النهب والاحتيال والذي عمّ قسماً معتبراً من أرباب التجارة والمشتغلين بالطب من دكاترة وصيادلة وبعض القصابين الذين يقصبون الحيوان والانسان معاً ويتبرعون بلحوم لمواكب أهل البيت وطقوسهم، ويبيعون لحوم الحمير وآخرها لحوم الخنازير وأين حصل؟ في الكوفة على بعد عشرات الأمتار من مسجد الكوفة وعلى بعد بضعة كيلومترات من مقام الأمام علي!! ليثبتوا للملأ أن المشتغلين بالدين ساسة وقادة ورجال دين ورجال سياسة وتجاراً هم الأسوء من شرائح المجتمع العراقي!
أذكر أنني كنت في مدينة اندونيسية في جزيرة سومطرا تقع على خط الاستواء تماماً اسمها بوكيتنغي، وهي مدينة جد جميلة في طبيعتها الخلابة وناسها البسطاء، كنت في يوم جمعة أتمشى على طرف المدينة مستمتعاً بالبساتين الغنّاء والقردة اللعوب.. حتى التقيت بشابة دون الأربعين أنيقة في ملبسها وحقيبتها لكنني أخفيت دهشتي حين وجدتها حافية القدمين.. تقدمت نحوي وسلمت قائلة: "هل أنت مسلم؟ واستأنفت لا تستغرب سيدي إن رأيتني حافية! اسمي فاطمة، لقد كنت في المسجد لِئُأدي صلاة الجمعة وحين أنهيتها لم أجد حذائي وفتشت دون طائل"! بقيت هذه الحادثة محفورة في ذهني مع ذكرياتي الجميلة عن هذه المدينة السياحية..
لم ترتبط الأخلاق لدى فلاسفة الإغريق بالدين ارتباطاً وثيقا، على خلاف ارتباطها بالسياسة، فتجد الأخلاق والسياسة ارتبطتا بجذر لغوي واحد يستعمل حتى اليوم في اللغات الأوربية.. بل أن السياسة لدى العرب تكتسي بعداً أخلاقياً واحدا، ففي بلدان المغرب تستخدم كلمة "بالسياسة" أي على مهلك! وقال ابن زريق البغدادي في واحدته:
أُعطِيت مُلكاً فلم أُحسِن سياستَهُ – كذاك من لا يسوسُ المُلكَ يخلعُهُ
ما أريد أن أخلص له هو أن للدين ثوابته وتضاف الى هذه الثوابت متغيرات يفرضها العلم وفق قاعدة فقهية: الأصل هو حلال مباح ما لم يُحرَّم بنص أو اجتهاد .. أما الأخلاق فهي المتغير بتغير العصر شأنها شأن الطعام والملبس.. ولأجل هذا فإن فصل الدين عن الأخلاق هو حماية للدين والاَخلاق، وأبرز مثال هو العبودية التي لم تُحرم إسلامياً بنص بينما حُرمت أخلاقياً فقد رفضها الزمن والتغيرات الاقتصادية والصناعية ورجال الفكر الأحرار، ولم يعد لها وجود إلا ما ندر..
لذا فإن ترسيخ الأخلاق يأتي من تنمية الضمير تربوياً ويكون مهمة العائلة والأهم هو المدرسة اعتباراً من الابتدائية، ليفهم الطالب أن عدم الغش وعدم السرقة واحترام حقوق الناس واجبات هامة وكون الناس متساوين في الحقوق على اختلاف أخلاقهم وأديانهم وأعراقهم مسألة باتت ضرورة ماسة للغاية لنبذ العنصرية أخلاقيا؛ ولا بدّ من تأكيد العلاقة الجدلية بين الفرد والجماعة، حين يدرك التلميذ أن الفرد للجماعة والجماعة للفرد، لقد نجحت الدول العلمانية وأهمها بتقديري اليابان في جعل الأخلاق سلوك ملازم للتلميذ منذ الابتدائية فهم الأنزه والأخلص في العمل والأكثر احتراماً للقوانين في العالم رغم تعدد الطوائف والأديان لأن عماد الأخلاق هو تنمية الضمير..في اليابان يتولى الناس اطعام الفقراء وعديمي المأوى بتوفير الفراش والاغطية والملابس..
فما أحوجنا أن نجعل للاخلاق مكانتها حين تصبح علماً، وحين يدرك التلميذ أنه لا يغش ولا يسرق لا لكونها من المحرمات دينياً يعاقب مرتكبها بنار جهنم بل لأن ضمير الإنسان يمنع ذلك ! وما أحوجنا في عراق متعدد الأديان أن يكون درس علم الأخلاق هو لجميع التلاميذ على اختلاف أديانهم لا يخرج أحدهم في هذا الدرس بسبب اختلاف دينه! بهذا نرسخ مفهوم المواطنة وشعارها العراق للجميع، نعم العراق للجميع بعيداً عن الطائفة والانتماء العرقي..
الثاني عشر من أيلول 2026