| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كاظم حبيب

 

 

 

                                                                                  الثلاثاء 20/9/ 2011


 

هل المزيد من العراقيات والعراقيين مشاريع قتل جديدة؟ ومن هم القتلة؟

كاظم حبيب 

كل يوم لنا قتلى شهداء وجرحى ومعوقين, جرائم يرتكبها قتلة لا تظهر صورهم على شاشة الأحداث اليومية, ولكنهم يتحركون بيننا, ينتسبون إلى عراقنا, يحملون هويتنا المشتركة .. معروفون للشعب جميعاً من حيث الهوية والانتساب .. ولكنهم يختلفون عنا, يبغضوننا, يتتبعون خطانا, يسجلون أفعالنا وأقوالنا وكتاباتنا وتظاهراتنا وكل احتجاجاتنا .. يتمنون سحقنا .. تصفيتنا أو إنهاء وجودنا ... بعضهم يعتقل بعضاً منا, يُعذبون المُعتقل أو المُختطف بشراسة بالغة وبدم بارد, يهددون المعتقل بالويل والثبور والعواقب الوخيمة, لا يقصدونه فحسب, بل ويقصدون عائلته إن أمكنهم ذلك.. يهددون المعتقل بالاغتصاب الجنسي.. على طريقة جلاوزة صدام حسين .. ثم يقتلوه لأنه لم ينصاع لإرادة الجلادين الذين اعتقلوه .. فله إرادته وحقه في التعبير والتظاهر والاحتجاج والنقد .. البعض الآخر لا يعتقل أحداً بل يختطف ويقتل ويمارس القتل بالجملة عبر الأحزمة الناسفة أو الألغام الأرضية أو الألغام اللاصقة والسيارات المفخخة...الخ, كما فعلوا أخيراً في كربلاء والحلة وبغداد أو قبل ذاك في كركوك والأنبار وديالى وغيرها من مدن العراق. الفارق بين المجموعتين لا تخطئه العين ولا يخطئه الوعي السياسي عند العراقيات والعراقيين.

الفواتح في كل مكان من العراق وبعدد كبير من الناس, قراء التعازي من الملالي من فريق الحكام يربحون الأموال, في حين أن العائلات المغدورة بأبنائها تغوص في أحزانها وفي كوارث البلاد غير المنقطعة.

ندبت المرأة العراقية الشعبية الفقيرة والمعذبة حظها ومن أوضاع البلاد المتدهورة حين صرخت بصوت محتج ولكنها مليئة بالكرامة الإنسانية المقهورة من قناة الفيحاء العراقية "ملينة والله ملينة..." من المعاملات المعطلة في دوائر الدولة حول التقاعد والشهداء, من الانتظار, من نقص الخدمات, من بؤس التقاعد وعدم دفعه, من الرشوة والفساد في كل مكان من أعلى هيئة إلى أسفل دائرة حكومية, من الفقر والفاقة المجوعة للإنسان وكرامته, من بؤس الحياة.

وحين هب الشباب الواعي والمدرك لما يجري في البلاد والمبتلى بالكوارث اليومية للإنسان مطالباً بتغيير الحال وإجراء الإصلاحات الضرورية, حين هبَّ العاطلون عن العاطل من الخريجين والعمال وغيرهم, وحين هبَّت المرأة تطالب بحقوقها ومساواتها بالرجل, حين هب الجميع يطالبون بالحريات العامة التي بدأت تتقلص وتتراجع, ومنها حرية الرأي والحق في التجمع والتظاهر والاحتجاج, حين هبَّ كل هؤلاء, انتفض الحاكم بأمره وانتفض معه جمهرة من الحكام والأتباع يتهمون المتظاهرين بشتى التهم البائسة والشريرة لكي يقمعوا المتظاهرين والمحتجين, وحين لم ينفع ذلك بدأت الاعتقالات والتعذيب والتهديد بالاغتصاب, حين لم ينفع ذلك أيضاً استخدمت أدوات وأساليب صدام حسين, القتل في البيوت وربما الدهس بسيارات اللوري أو القتل ورمي الجثث بالنهر أو على قارعة الطريق لإرعاب المتظاهرين. كل هذا أصبح ممكناً في عراق لم تعد حكومته تمتلك لغة أخرى غير لغة التهديد والوعيد والاعتقال والتعذيب.

ولكن كل القوى المشاركة في الحكومة مسؤولة عن كل ما يجري في العراق, كلها من القائمة العراقية إلى التحالف الكردستاني إلى المجلس الأعلى الإسلامي, إلى جماعة الصدريين, إلى التحالف الوطني والائتلاف الوطني وقوى دولة القانون, كلهم مسؤولون عن الاعتقالات والتعذيب والقتل الذي يجري في العراق لأنهم مشاركون في حكومة تقوم أجهزتها بتلك الاعتقالات والإساءات للمظاهرات في سائر أنحاء العراق وتعجز عن اعتقال قوى الإرهاب التي تقتل العشرات في مدن العراق والعاصمة بغداد.

ولم يعد الشعب يقبل بقوى تدَّعي المعارضة ولكنها تشارك في حكومة تمارس ذلك وفي الوقت نفسه تدعو للتظاهر والاحتجاج. وقد ذكرني هذا بقول الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

كم كانت الشاعرة والكاتبة المتميزة والمبدعة السيدة بلقيس حميد حسن صائبة في موقفها حين كتبت مقالها الموسوم "في العراق فقط, سلطوي معارض", قرعت فيه تلك القوى المشاركة في الحكم وتدعي المعارضة وتدعو للاحتجاج والتظاهر. فمن يشارك في السلطة يُعتبر بحق مسؤولاً عن كل أفعال الحكومة, شاء ذلك أم أبى, وإلا عليه أن يترك الحكم ويستريح ويريح, أو أن يشارك عندها في المظاهرات الاحتجاجية ويطالب بما يطالب به المحتجون الذين سيتحولون إلى منتفضين حين تتسع دائرة المحتجين كما حصل في الجمعة التي تلت اغتيال المخرج المسرحي والكاتب والصحفي المناضل الشهيد هادي المهدي. إنها الانتهازية الرخيصة بعينها يستفيدون من مكاسب المشاركة في الحكم الكبيرة, ويحاولون الصعود على أكتاف المتظاهرين وكأنهم من المعارضين الأبطال للحكم!

نحن أمام تحولات جديدة في العراق ولكنها صوب الأسوأ, صوب المزيد من التقييد للحريات العامة وحق التظاهر والاحتجاج, وإلى مزيد من الفساد الذي أجبر بسببه رئيس هيئة النزاهة إلى تقديم استقالته أو فرضت عليه من رئيس الوزراء, كما جاء في نص استقالته, وإلى مزيد الاعتقالات والتجاوز على حقوق الإنسان من جانب أجهزة الأمن والشرطة وبأوامر من القائد العام للقوات المسلحة ومن أجهزته الأمنية الخاصة, ومن لا يرى ذلك ولا يريد أن يعرف به سيفاجأ بما لا تحمد عقباه. تذكروا الحكمة الألمانية التي تبلورت كتجربة من فترة حكم الفاشية الهتلرية: حين تم اعتقال الشيوعيين, قال الاشتراكيون الديمقراطيون إنهم اعتقلوا الشيوعيين وهم بعيدون عني ولم يدافع عنهم, وحين تم اعتقال الاشتراكيين الديمقراطيين قال الديمقراطيون المسيحيون إنهم بعيدون عني ولم يدافع عن الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين, وحين تم اعتقال الديمقراطيين المسيحيين لم يجدوا من يدافع عنهم.

إن الكثير من دلائل الفردية والاستبداد بدأت تظهر بقوة في النظام السياسي القائم في العراق وفي سلوك رئيس الوزراء وأجهزة الأمن. وعلى الجميع أن ينتبهوا إلى ذلك ولقد أُعذر من أنذر. والغريب في كل ذلك أن القوات الأمريكية التي جاءت إلى العراق بدعوى نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ساكتة عن كل ما يجري في العراق وكأنها مصابة بالصم والبكم والعمي في آن واحد, وإلا ما معنى هذا الصمت على ما يرتكب في العراق من تجاوزات فظة على حقوق الإنسان, إن كانت قد جاءت حقاً لإنقاذ العراق من الفاشية الصدامية. إن الدلائل كلها تشير إلى إن الإدارة الأمريكية في فترة حكم بوش الابن, قد ساهمت في وقوع العراق في دوامة الطائفية السياسية والمحاصصة اللعينة التي كرسها الواقع العراقي وبريمر وفي الفساد الأكثر شمولية والإرهاب الأكثر همجية من جانب قوى الإرهاب الإسلامية الدولية, ومن سلوك غير ديمقراطي واستبدادي من جانب الحكومة الحالية.

ليتقن رئيس الوزراء بأن المظاهرات ستستمر ما دامت حكومته الحالية لا تستجيب لمطالب الشعب الأساسية التي أعلن عنها, وهو, كما يبدو, عاجزاً عن تحقيق ذلك, كما لا يريد أن يدعو إلى انتخابات نيابية جديدة. إن على من يعارض النظام ومشارك فيه أن يتفق على الانسحاب من الحكومة وإسقاطها وإجراء انتخابات جديدة. وهذا ممكن حين يتم الاتفاق بين العراقية والتحالف الكردستاني والائتلاف العراقي, نعم هذا ممكن وسيتحقق بالضرورة حين يدرك هؤلاء الهوة التي يسير نحوها العراق والعواقب الوخيمة لذلك.


 

19/9/2011

 

free web counter