|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس 7/6/ 2012                                   د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

السيد كاظم الحسيني الحائري والعلمانية!

كاظم حبيب 

أصدر شيخ الدين السيد كاظم الحسيني الحائري فتوى سياسية جديدة لا تمت إلى الدين بصلة بل هي سياسية بجدارة قرر فيها ما لا يحق له قوله:

"يحرم التصويت في أي مرفق من مرافق الحكم العراقي إلى جانب إنسان علماني".

جاءت هذه الفتوى بمثابة التدخل المباشر في الشأن السياسي العراقي وبوحي الصراع السياسي الدائر حالياً في البلاد بين الأطراف السياسة العديدة, وهي بمثابة تحزب صارخ ودعم موحى به إلى جانب رئيس الوزراء الحالي السيد نوري المالكي. فهل مثل هذه الفتوى السياسية من شيخ دين لا علاقة له بالسياسة والسياسيين ستخدم المالكي أم ستثير المزيد من الإشكاليات الجديدة للواقع العراقي المعقد أصلاً بسبب انطلاقها من الأراضي الإيرانية وبوحي من المسؤولين الإيرانيين بمن فيهم مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي بعد أن عجز المالكي عن إقناع حلفاء حزبه في التحالف الوطني وبعد أن اثار بشتى السبل عداء الكثير من الناس له ولسياساته الفردية وغير الحصيفة والمتعارضة مع الدستور العراقي, رغم إن الكثيرين تمنى له في بداية تشكيله الوزارة الأولى النجاح في ما سعى إليه تحت لواء دولة القانون. وتحت هذا التسمية الشكلية أساء إلى الدستور والقوانين, كما أساء إليها غيره من القوى المشاركة في الحكم.

ليست هذه الفتوى الغريبة هي الأولى من نوعها التي تصدر عن السيد كاظم الحسيني الحائري, إذ صدرت عنه فتاوى مماثلة في قضايا خلافية سياسية أخرى أرقت الشعب العراقي والقوى السياسية, وكان احتمال الالتزام بها إثارة الكثير من المصاعب والمشكلات أمام المسيرة السياسية العراقية إضافة إلى الصعوبات التي عانت وما تزال تعاني منها حتى الآن وبسبب ذلك التطرف في النهج السياسي للسيد الحائري. ففي 15/6/2003 أصدر الحائري فتوى موجهة إلى الشعب العراقي اكدت ما يلي بعد أن وزع البعثيين على النحو التالي:

"الأول: كثرة من الناس كانوا قد انتموا إلى الحزب حرصاً على لقمة العيش، أو طلباً للسلامة في الحياة رغم خسة العيش والحياة تحت قيادة صدام ولم ينهمكوا في الإجرام ضد الأمة العراقية.
الثاني: المجرمون الذين انهمكوا في الإجرام سواء عن طريق القتل المباشر، أو التعذيب، أو السعي في إبادة المؤمنين برفع التقارير ضدهم الموجبة لقتلهم، أو سجنهم وتعذيبهم، أو تشريدهم وما إلى ذلك.
الثالث: أولئك الصدَّاميون الذين بدأوا يعيدون تنظيمهم ولو باسم آخر بأمل عودة صدام لو أمكن، أو بأمل السيطرة على رقابنا مرة أخرى ولو في غياب صدام لو لم يمكن رجوعه.
الرابع: أولئك المنتمون إلى الحزب الذين بدأوا يحتلون مرة أخرى مكان الصدارة في العراق بوجه آخر.
الخامس: أولئك الذين بدأوا يعملون لتخريب حياة الناس بمثل قطع أسلاك الكهرباء، أو تهديم البيوت، أو القتل، أو خلق الفتن والمحن، أو ما إلى ذلك.
والأقسام الأربعة الأخيرة كلها مصاديق بارزة لمحاربة الله ورسوله وللإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتـَلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وعليه فإنّ القسم الأول يتركون ولا يتعرض لهم بشيء، والأقسام الأربعة الأخرى يعتبرون مهدوري الدم كي ينسدّ باب فسادهم وإفسادهم وتهديمهم وتخريبهم وتبوء محاولة إرجاع صدام مرة أخرى أو الهيمنة من قبلهم على مقدرات البلاد بالفشل". [مقتطف من نص الفتوى المنشورة في أكثر من موقع في الإنترنيت]. (
راجع: كاظم حبيب, كيف يفترض أن نتعامل مع فتوى آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري؟ الحوار المتمدن في 15/6/2003).

وقد قدرت أن لا تكون مثل هذه الفتوى من اجتهاد السيد الحائري بسبب اعتقادي بنضوجه في العلوم الدينية وعمره الكبير ورجوته أن يكذبها أو يلغيها, ولكن لم يفعل وتيقنت إنها له. وقد ناقشته في حينها ورفضت فتواه عملياً لأنها لم تكن واقعية ولا عملية وتثير من البغضاء والأحقاد والثارات ما لا يمكن الخلاص منه لعقود قادمة, وبعكس السياسة العقلانية التي مارسها السيد مانديلا في جنوب أفريقيا.

لقد تجنب الشعب العراقي الوقوع في هذا الفخ الإيراني ولم يأخذ به, بل توجه لمحاكمة الرموز ومن لعب دوراً استثنائياً في قتل وتعذيب الناس في العراق. لقد كان الأخذ بهذه الفتوى يعني إعدام مئات ألوف البعثيين الفعليين أو المتهمين بفكر البعث والذين أجبروا على العضوية في هذا الحزب غير الإنساني أو من يشك في كونه ما يزال بعثياً.

واليوم نحن أمام فتوى غريبة وعجيبة جديدة ولا تمت إلى القرن الحادي والعشرين بصلة, بل هي من تراث فكر القرون الوسطى الأوروبية أو فترات الانحطاط العربي والإسلامي. فالجميع يعرف, إلا السيد الحائري, إن العراقيين صوتوا إلى جانب دستور عراقي علماني في العام 2005 أولاً, وإن انتخابات عديدة خاضها الشعب العراقي سنة وشيعة وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب الدينية إلى شخصيات وأحزاب علمانية عراقية وطنية ثانياً, وإن الأحزاب الإسلامية السياسية تشارك في تحالف سياسي في حكومة عراقية فيها العديد من القوى والأحزاب والشخصيات المدنية العلمانية ثالثاً, وأن الكثير من القوانين التي صدرت عن حكومة المحاصصة الطائفية والتحالف الشيعي-السني-الكردي ذات مضمون علماني, وإن النظام الفيدرالي هو الآخر علماني.

إن في العراق يا سيدنا الحائري الكثير من أتباع الديانات والمذاهب الدينية ولا يمكن أن تفرض على الناس ما تريده وما تسعى إليه لكي ترضى بذلك إيران أو قوى سياسية دينية متطرفة لا يمكن الوثوق بها وتقود إلى عواقب وخيمة على العراق والشعب العراقي.

أنك أيها السيد الحائري شيخ دين ولا يجوز لك بصفتك الدينية أن تتدخل بالشأن السياسي عموماً والعراقي خصوصاً, إذ بذلك تثير الكثير من المشكلات ولا تعالج مشكلة السيد نوري المالكي.

أنك لا تعرف إن عدداً كبيراً من العلمانيات والعلمانيين العراقيين هم من المسلمات والمسلمين, سواء أكانوا شيعة أم سنة, وبالتالي فأنت تطالب بإبعاد هؤلاء عن الحياة السياسية وعن انتخابهم وتمثيلهم في المجلس النيابي وهو تجاوز فظ على الدستور العراقي وعلى حرية الرأي للعراقيات والعراقيين, وهي مخالفة صريحة لمبادئ حقوق الإنسان وشرعة حقوق الإنسان. أتمنى على  الناس المؤمنين أن يهملوا هذه الفتوى الغريبة كما أهملت فتواه السابقة التي كانت, لو نفذت, لتتسبب في مجازر دموية إضافية للشعب العراقي. 

المالكي لا يحتاج إلى مثل هذه الفتوى, وهو بمقدوره أن يستعيد عافيته السياسية لو كف عن أن يكون طائفياً وفردياً ومهيمناً على المفاتيح الأساسية للدولة العراقية, ولو التزم بالدستور العراقي وحافظ على الحريات العامة والحياة الديمقراطية وناهض الفساد والإرهاب بما فيه الكفاية.

إنه ما يزال يمتلك الفرصة إن اراد ذلك, ولكن, هل يريد ذلك؟ 

 

6/6/2012     

   

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter