| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 14 / 11 / 2025 لينا النهر كتابات أخرى للكاتبة على موقع الناس
ما بعد الانتخابات
لينا النهر
(موقع الناس)أظهرَت الانتخابات الأخيرة في العراق شيئًا لم يكن مفاجئًا في الواقع. فالقوى التقدمية، رغم عملها الجاد ومصداقيتها وإصرارها، لم تتمكن من الوصول إلى الفوز. بدلاً من ذلك، ذهبت النتائج إلى القوى الدينية والقومية، العربية منها والكردية، وإلى محليين يستند نفوذهم في كثير من الأحيان إلى شبكات الزبائنية والولاءات. إن هذا المشهد ليس جديدًا، بل هو متجذر في عقود من التجزئة السياسية، وإرث الحروب، والصراعات والدكتاتورية التي لا تزال تؤثر على اختيارات الناس في صناديق الاقتراع.
وفي الوقت نفسه، تجاوزت نسبة المشاركة 50%، وهو مؤشر مهم بحد ذاته. لقد عبّر العراقيون بكل الأحوال عن رأيهم، وحتى لو لم تكن النتائج في صالح القوى التقدمية، فمن الضروري الاعتراف بها. لكن قبول النتائج لا يعني التخلي عن النضال، بل على العكس: هذه اللحظة تتطلب التحليل وفهم ما حدث والبدء بخطة ما بعد الانتخابات. وان لم تكن هناك خطة للأحزاب والتيارات التي خسرت لما بعد الانتخابات والنتائج السلبية فهذا مؤشر اكبر على ضرورة النظر إلى النطاق الداخلي وتغيير ما يستوجب تغييره.
جزء من تفسير عدم تقدم القوى اليسارية التقدمية يكمن ايضاً في حالة عدم الاستقرار الإقليمي. فرغم كل شيء، تمكّن العراق في الأزمات الأخيرة من البقاء خارج أسوأ الصراعات الدائرة في المنطقة. والخوف من اندلاع حرب جديدة يفوق الأمل بتجربة سياسية غير مضمونة. لذلك يميل الكثيرون إلى اختيار وعودًا بالأمن، حتى لو كان هذا الأمن هشًا أو مبنيًا على شعور زائف بالاستقرار. (الشين النعرفه احسن من الزين المانعرفه). إن فكرة “حكومة أفضل” تبدو جذابة، لكنها تُعد مغامرة غير مؤكدة في بلد تمزّق مرارًا عبر تاريخه الحديث.
لكن هناك امر آخر لا يمكن تجاهله: القوى التقدمية عالميًا. فقد كانت هناك، ولو بشكل محدود، تضامن دولي مع الحركات التقدمية في العراق. إلا أن هذا التضامن اختفى تقريبًا. أصبحت القضية العراقية خارج دائرة الاهتمام. جزء منها بسبب تراكم الأزمات العالمية والشرق الأوسط وجز آخر لأن كثيرًا من الحركات التقدمية في الغرب اتجهت نحو الوسط السياسي حفاظًا على مواقعها أو تحالفاتها أو محاولاتها الدخول نطاق الحكومات في بلدها. السياسة و التضامن الدولي الحقيقي استبدل تدريجياً بمنطق منصات التواصل الاجتماعي: ما هو رائج، (مودة محتوى ). وطبعاً التركيز على التواصل الاجتماعي باتت ضاهرة قوية حتى عند القوى التقدمية في داخل العراق. ونرى بشكل ملحوظ ان عدم الاهتمام بالتضامن الأممي بات ملحوظ حتى في كيفية عدم ذكر الانتخابات العراقية من القوى اليسارية وان كان فقط خبر عاجل. هذا التغيير مهم ويحتاج إلى النظر في كيفية التعامل مع الغير من قبل اليسار العراقي مع يسار الغرب. هل ما زال اليسار يتعامل بجدية أم اصبح رمز للانتخابات حين يحتاجها الغرب؟ حان الوقت لإعادة النظر من منطلق المفكر ادوارد سعيد و الاستشراق و مؤثراته حتى داخل التضامن الذي لم يعد اممي. أو اممي فقط ان كان يسار الشرق يتبع يسار الغرب عند حاجتهم.
إن خيبة الأمل بعد الانتخابات حقيقية ومفهومة. لكنها تذكير أيضًا بأن التغيير لا يخضع فقط للدورات الانتخابية. قبول النتائج أمر ضروري، حتى للمستقبل القادم للتيارات التقدمية. فأن بات السياسي يشكّك بالانتخابات والناخب (وان انتخب الغير) قلل من مصداقيته السياسية في الساحة وقلل من شأن الناخب مما بؤدي إلى شتات الأصوات اكثر والشك بكل سياسي وان كان تقدمي. هذا لايعني الاستسلام، كون الاستسلام ليس خيارًا. على القوى التقدمية في العراق إعادة تقييم استراتيجياتهم، وإحياء التضامن الجدي مع من يزعمون التضامن، والتمسك بأن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والأمن الحقيقي تُبنى على الاستدامة و عبر المثابرة والتنظيم والأفكار التي لا تسمح للخوف بأن يحدّ من أفقها.