مزهر بن مدلول
الدليل، تجربة ومعاناة!
12)
(مزهر بن مدلول
جلستُ فوق (بطانية) رمادية ممزقة في زاوية معتمة من زوايا سجن (المباحث العامة) في الكويت ووضعتُ رأسي بين ركبتيَّ واطلقتُ العنان لعاطفتي والنشيج، فهذهِ الليلة كما ظننتُ بأنها ستكون العلامة الفارقة بين غدٍ مظلمٍ ومخيف وبين ماضٍ اشتقتُ اليه واريد ان اتذكرهُ وأبكيه.
اريدُ ان أبكي على البلاد التي من اجلها لحنّا الأغاني والأناشيد وفتحنا لها صفوفا في رؤوسنا لكي تتعلم كيف تعزف وترقص، لكنها تنكرتْ لنا وهزأتْ بأحلامنا وفرقتنا على الجزر والعواصم ثم جلستْ مع زبانية غرباء في الأوكار الليلية حتى صارت تفتحُ ساقيها لمن يدفعُ اكثر.
أبكي على ذلك الأب الحنون (ابو السوالف الحلوة والمضايف وسمعنا دكَ اكَهوة وشمينا ريحة هيل)، على (حمد) الذي بحثتُ عنهُ في كلّ مكان ولم اعثر على كتفهِ لأبكي عليه.
أبكي هذه الليلة على الوردة البيضاء التي رسمتها على ظهر دفتري وداستها اقدام البدو في احدى غاراتهم التترية.
أبكي على التي أنا وهي في مساء جميل استدرجتنا فتنة البوح وهمسنا الى بعضنا (ما لي شغل بالسوكَ مريت اشوفك) فبلّلنا المطر!.
ابكي عليكِ، انتِ التي خبئتكِ في مكانٍ سريٍّ من القلبِ وانغرستِ فيهِ مثل مسمارٍ معقوف!.
هذه الليلة كأنها ليلة القدر!، خيرٌ من الفِ ليلةٍ قادمة، (يا ليلة لا تكَضين .. خلينا سهرانين)، فنحن الذين وهبنا الكثير من الابتسامات والدموع من اجل هذه البلاد لكنها رفضت ان تعطينا حتى ثقبا صغيرا في بيوتها وضواحيها وعاصمتها بغداد!.
(يا عيني يا بغداد، يمته المضى ينعاد،............)
بغداد التي خبئناها في اغلى مكان من صدورنا وأخذناها بأحضاننا الدافئة (بغداد شمعة وما هوا ايطفيها) تاهت في العاصفة وراحت مع الانذال بشاحنات مشبوهة وتركتنا في الجبال نموت من البرد.
بغداد التي عشنا فيها سنوات قليلة وعاشت معنا العمر كله تحولت الى ورم خبيث اسمه الحنين الى أبي نؤاسها وزورائها وقصائدها.
بغداد، تلك الاميرة الجميلة التي كانت تجلسُ في آمان الله تحت خيمة يفيض فيها الكلام والآمان والطقوس والرقصات الشعرية، اصبحت الآن صامتة ومعذبة تنام تحت اقدام الظلام.
كنت ابكي وابكي (ويا ليلة لا تكَضين) فما زال عندي الكثير من الدموع التي اشمُّ منها رائحة الايام، لكن النهار وقف في الباب يتأبط ملف (الجريمة) وما اكبر ملفي وما اكثر جرائمي فيه، لكن ومن حسن حظي ان الذين يمسكون به كلهم من الشرطة والمشبوهين والمنبوذين والقتلة والعاهرات!.
كان الحراس منهمكين في عدِّ الرؤوس، وكلّ موقوفٍ يسمع اسمه عليهِ ان يقف في المكان الذي يختاره الشرطي له، فأصطف العرب في جهة اليمين من باحة السجن والعراقيين في جهة اليسار وكنتُ انا السجين العراقي رقم عشرة.
اقترب مني الشرطي لكي يضع (الكلبجة) في معصمي، فصرختُ في وجهه زاعما بأني سوريِّ الجنسية!!، لكنّ الشرطي لم يأبه لغضبي ولم يقتنع بأدعائي وحاول ان يرغمني على القبول بتقييدي، فانطلق لساني وراحت شتائمي تنهمر على رؤوسهم كسيلٍ على منحدر، ولمّا علا صوتي وخدش مسامع الحراس جاءوا يركضون ويلوحون بعصيهم كأنهم جيش من (الزنابير) خرجتْ من وكرها، داروا حولي وراح كلّ واحد منهم يلسعني بشتيمة بالطريقة التي يعتقد انها ستمتهن كرامتي، لكن الذي لفت انتباهي واثار استغرابي انّ احدهم كان مميزا في سبابه، لقد وجه لي شتيمة خاصة وكأنه يعرفني : (العن ابوك لا ابو حافظ الاسد.. صدام اشرف منكم جميعا!) ثم اردف قائلا : (اقسمُ بشرفي انت من الناصرية)!.
هذه الشتيمة جعلتني استسلمُ للقيد وأصعد في الحافلة (السجن) التي سوف تقلني الى مخفر الشرطة العراقية في (صفوان).
قبل ان نتوجه الى الساحة التي ينتظرنا بها الباص جاء ناحيتي احد رجال الأمن وقال لي بوجه لئيم وملامح قاسية بأنه سيشكيني الى شرطة صفوان لأنه يشعر بأني اضمر شيئا وانّ قضيتي مشكوك فيها ولابدّ له ان يخبرهم بذلك، وبصراحة انا خفت من هذا الرجل وهذا التهديد اكثر من اي شيء اخر.
في داخل الحافلة كان الجميع طليقي الأيدي بأستثناء العراقيين العشرة فقد كانوا مقيدين الى بعضهم (كلّ اثنين بكلبجة واحدة)، أمّا أنا فكنتُ أصماً أبكماً وأعمى لا أعرفُ كيف أخرج من هذه الورطة!.
همس بأذني صديقي السوري الذي تحدثت عنه في الحلقة الماضية وأسرّ لي ما يلي: (عندما نصل الى مخفر (العبدلي) الكويتي الذي يبعد بضع مئات من الامتار عن (صفوان) سوف يتوقف الباص، وكما هو مألوف بأنّ الشرطة ستطلب من العرب ترك الباص بسرعة والذهاب مشياً على الاقدام ليعودوا من حيث جاءوا، أمّا العراقيين فعليهم البقاء في الباص حتى يجري تسليمهم الى الشرطة العراقية، ثم أخبرني بأنّ لديه مفتاحا وسيفتح لي (الكلبجة) وهكذا تركتهُ يفعل.
عاد لي بعض الأمل في النجاة وكنتُ أتأهب لكي أكون (في الهزيمة كالغزال) عندما انزل من الباص، ولكن، ولسوء حظي فأنّ الشرطة خالفتْ ما هو اعتيادي هذه المرة، أي انها لم تطلب من العرب النزول من الحافلة، وانما طلبتْ من العراقيين النزول اولا!.
نزل العراقيون التسعة المقيدون، فسألتهم الشرطة عني، أنا السجين (فلان الفلاني) كما هو مكتوب في ورقة الاسماء، فصعد الى الحافلة احد الحراس وطلب مني النزول معتذرا بأنه لا يستطيع مساعدتي وسوف يقوم بتسليمي الى شرطة (صفوان) مهما حصل وانّ الأمر لم يكُ بيده الآن، فنزلتُ معه مشلول الارادة ومكبّل اللسان ولا حول ولا قوة، كنتُ يائسا لا ارى العالم الاّ بثوبٍ اسودٍ وخالٍ من النور (الدليل) الذي ينقذني من الموت حيث بات لا يبعدُ عني سوى بضعة امتار!.