| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مالوم أبو رغيف

 

 

 

الأحد 12/9/ 2010



مصلحة المواطن ومصلحة المسؤول

مالوم ابو رغيف

بينما كان الجنود يُقتلون بالآلاف بجبهات المعارك، كان صدام يبني قصوره الفخمة، وبينما كانت الناس تذوي جوعا وعطشا ومرضا فتسقط في الشوارع مثل أغصان أشجار يابسة انقطع عنها الماء فخوت وأصبحت عيدان ينبغي طمرها أو قبرها، كان صدام يعجن اسمنت قصوره بأطنان من السكر كي لا تـتآكل أساساتها وحيطانها ولا تتأثر بالرطوبة ولا بتقلبات المناخ. وعندما يُثار السؤال عن هذا التناقض بين صفرة الموت في وجوه العراقيين وذبول الحياة في أجسادهم والخراب والدمار في مدنهم وقراهم وبيوتهم و في دواخل ونوايا نفوسهم، وبين هذا البطر الذي يشبه اغتصاب علني على مشهد من مرأى ومسمع الناس، والتبذير الهائل على بناء القصور الرئاسية الفخمة وجنائنها وبحيراتها وأسوارها وحراساتها كان الجواب باطلا يُراد به باطل، إنها قصور الشعب فصدام سوف لن يعمر إلى الأبد سيموت أو يرحل وسيورث الشعب هذا القصور،.

رحل صدام بعد أكثر من ثلاثين سنة، قمع وبطش وحروب وتهجيرات وإعدامات بالشوارع العامة خلفت تصورات رعب في نفوس العراقيين لا زالوا يعانون منها حتى اليوم، ثم أتى من ورث صدام حكما وقانونا وثراء وحراسات وقصورا وبيوتا وأثاثا وممتلكات. لم يكن الشعب هو الوريث، ففي اغلب مراحل التاريخ كان الملوك يرثون الملوك والحكام يرثون الحكام، يرثونهم قصورا وفجورا وظلما وتعسفا وتكبرا وبطرا وتعاليا وغباء. الشعب لا يرث إلا المتاعب والهموم والجوع والمآسي ووخامة العواقب. ومثل ما يقول المثل العراقي شيم ألمعيدي وخذ عباته، يكيل الوارثون الجدد المديح للشعب وهم يسرقونه ويُهرّبون أثاره وينهبون ثرواته علنا و سرا، وكأنهم مثل ذلك الإسلامي الذي يحاول انتزاع سوار من يد إحدى علويات الأمام الحسين في مذبحة ألطف وتنسكب دموعه على خديه مدرارا، فأجبرت الدهشة العلوية على التساؤل لتفسير التناقض الصارخ بين البكاء والحزن وبين النهب والتسليب، فكان الرد بأنه وإن بكى شفقة إلا أن لابد له سلب السوار فان لم يفعل سيأتي غيره وينتزعه من يدها.

لا يوجد حاكم في المعمورة، فاجرا أو فاسقا أو دكتاتورا إلا وامتدح شعبه وخاطبه بالشعب العظيم، بينما هذا الشعب العظيم يعيش على المزابل، يأكل لحشو البطن، شعب تحل عليه الصدقات وينتظر مكارم أولي الأمر أو مكارم القنوات الفضائية أو ينتظر موسم الانتخابات للحصول على بطانية أو مولدة كهربائية أو الحصول على المقسوم في سوق بيع وشراء الأصوات الانتخابية.

وسط هذا الزحام من التردي الشامل في النفوس والثقافة والفن والعلاقات، وسط هذا التزاحم والتدافع في طرق الفساد والصراع على المناصب ونهب الأموال والفرهود هل يمكن إن ينتج الفساد إلا فسادا والخراب إلا خرابا والجهل إلا جهلا والغباء إلا غباء والسياسة إلا تدهورا؟!!

المواطن العراقي لم يكن في إي مرحلة من مراحل التاريخ محل اهتمام الحكومات وحرصها على صحته وسلامته، كان يشاد به ويتغنى به ويمتدحه الحاكمون إن سكت وخنع وخضع، وان طالب بحقه وتظاهر احتجاجا يوصمونه بالشغب والفوضى وعدم القناعة والتأمر لتنفيذ مخططات أجنبية.

لذلك ولان الفساد أصبح له تبرير وتسويق، تارة باسم الله أو الدين، وتارة باسم المذهب أو الطائفة وأخرى باسم الديمقراطية التي فهمتها الأحزاب الإسلامية على أنها شرعنه التسلط، ولأن للفساد حماية المنصب والمركز، أُهمل الناس ولم يُعد يأبه بهم، فانشغلت الحكومة وكبار رجالاتها والبرلمانيون والسياسيون والمسئولون الكبار في بناء البيوت وشراء العقارات وتملك الأراضي والبساتين والمزارع وبناء القلاع الدينية الضخمة كتلك التي يبنيها الوقف السني بمبالغ فاحشة لا تتناسب وخطب جمعتهم ولا وعظهم عن الزهد والاقتداء بسنة الرسول والصحابة ولا عن خشونة ملبس ومسكن المؤمن.
 
ولم يعد امن المواطن هو المهم، بل امن المسئول، ولا تقاس أهمية المسئول وقيمته بكفاءته وبجدارته بل أصبحت تقاس بعدد وضخامة حمايته، و أصبح الأمر تقليدا للدلالة على قيمة وأهمية المنصب، فرئيس البرلمان المقال له فوج حراسة يرافقه أينما يذهب، وعضو البرلمان له ثلاثون بودي ֤گارد (Bodyguard) ، والوزير له أكثر من ذلك، المدير العام له أكثر من عشرين، ناهيك عن مدراء المؤسسات والمنشآت والجنرالات ، لقد أصبحت الحمايات تقليدا لا يخضع لقانون، فشيوخ العشائر ورجال الدين والتجار والمضاربون لهم حماياتهم التي إن لم تعينها الحكومة لهم سارعوا إلى اكترائها ودفع اجورها من عوائد الفساد العام. حتى عندما انسحبت القوات الأمريكية من العراق وتوقفت عن مهامها القتالية أُعلن عن الاعتماد على شركات الحماية الأمنية التي تكلف مليارات الدولارات تدفع من ثروة المواطن العراقي لحماية مجموعة من أنصاف الأميين والمرضى النفسين والطائفيين.

وعند الكلام عن امن الوطن، لا يفهم من الكلام الوطن بشكل عام، لقد تغيرت وتبدلت فلسفة الأمن ولم تعد تدل على العام بل على الخاص، تدل على امن مناطق وليس إلى امن وطن،إلى امن المسئولين وقصورهم ومقرات أحزابهم أو منظماتهم، وليس إلى امن الشعب والمحلات والشوارع والمرافق العامة.

فها هو الإسلامي المؤمن عبد الغفور السامرائي يمتدح تبذيره ويثنى على إسرافه وهدره للمال العام فيقول إن مقر الوقف السني الجديد الذي سيكمل بناءه بعد شهرين، سيكون أأمن مقر بعد المنطقة الخضراء. مبررا كل هذا التبذير والتلاعب بالمال العام بأنه سيكون صرحا داخل العاصمة وليس مجرد مقر. ينبغي لنا إن نعرف إن هذا الصرح المشتمل على مسبح مغلق وسبعة عشر شقة فاحشة التأثيث ودارا للضيافة ومكتبة ضخمة ومنتزهات وحدائق وناعور وكلاب حراسة باهظة الثمن وفقا لتصريح أدلت به السيدة أمل القاضي العضو السابقة في هيئة النزاهة، هو ليس للناس بل مخصص لضيوف وأعضاء الوقف وعائلاتهم.

لم تعد المؤسسات الحكومية مرافق عامة، فقد أصبحت مثل الأملاك الخاصة لا تدار بها مصالح الناس إنما تدار بها مصالح الأصحاب والخلان والأقارب والأحباب، ولم تعد تعرف باسم تخصصها بل باسم صاحبها أو وزيرها. ورغم إنها محصنة ومحمية ومجهزة بالكهرباء والماء والأمن، إلا إن المواطن يُذبح على بوابتها أو الطريق إليها.

وفي خضم معاناة الناس وشيوع الفقر والمرض والجوع ، وانعدام الكهرباء والماء والدواء وارتفاع أسعار الايجارات والغذاء وغياب أي تنظيم للحياة والعمل وانعدام روح المبادرة عند الناس ورفع شعار خليها على الله، ينشغل المسئولون في بناء صروح معاقلهم وقصورهم ومقرات أحزابهم وتهريب أموالهم للخارج وعقد الصفقات مع تجار السلع الرديئة وتحويل العراق إلى سوق للسلع البائرة. وها هو التاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة عشنا فصولها الحزينة في عهد المقبور صدام وها نحن نعيش فصولها كملهاة في زمن حكم المؤمنين.
 

 

free web counter