| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مالوم أبو رغيف

 

 

 

 

الأحد 15/10/ 2006

 


 
لتكن مصالحة مع الشعب اولا

 

مالوم ابو رغيف

هل من تفسير لازدياد العمليات الارهابية في العراق بينما تستمر مطالبة الحكومة العراقية بالمصالحة الوطنية الى حد الاستجداء والتوسل، فلم تعد هناك خطوط حمر ولا استثناءات ولا شروط ، الجميع مشمولين بالرحمة والعفو غير المعلن، حتى من يقتل العراقيين او المطلوبين لا تعلن اسمائهم ولا مراكزهم ولا هوياتهم ولا تاريخهم، مما يعني " ضاع ابتر بين البتران" على حد تعبير المثل العراقي، وعلى الضحايا ان تلجأ للقضاء، ان استطاعوا تسديد التكاليف و امنوا البطش والانتقام من المجرمين واعوانهم.

البعض يفسر هذا الارهاب الذي يفتك بالعراقيين بانه مجرد محاولات عبثية لتخريب المصالحة الوطنية، التي يجب ان نبذل الغالي والنفيس ونصبر على الالم والوجع والجوع والقتل والارهاب في سبيل تحقيقها، فقد اصبحت هي الهدف الوحيد والملاذ الوحيد والامل الوحيد لحكومة المالكي التي تبدو مشلولة وعاجزة تماما عن المواجهه، ليس مواجهة الاعداء بل مواجهة الواقع المر الصعب، لذا فهي خرساء صماء، لا تحسن الا كلاما عاما عن التمني الذي هو رأس مال المفلس، ولا تسمع اصوات المستغيثين الذين اتعبهم الارهاب والحالة الاقتصادية المزرية المتدهورة يوما بعد اخر بسبب الفساد الاداري ومحاولات التستر عليه وعلى ابطاله.

لقد اصبحت المصالحة شعارا فارغا، فلا المالكي يملك شجاعة المصارحة ليعلن عن الجهات التي سيتصالح معها ويدعوها علانية، امام الشعب من على صفحات الجرائد والاعلام التلفزيوني والاذاعي، لنعرف بعدها من يود ان يتصالح ومن يرفض المصالحة ومن تمتد له اليد بالمصافحة ومن الذي يطلق عليه الرصاص، ولا تلك المجاميع التي مثل ما يقولون انها ثابت الى رشدها وتتفاوض في الغرف المغلقة مع الحكومة، تكشف عن نفسها ويكون لها قصب السبق في هذه المبادرة، فتشجع الجميع على كشف اوراقهم والقائها على طاولة المفاوضات والحوار.

على ما يبدو ان هذه المجاميع التي امتدحها رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء وجمع السياسين، مجاميع خائفة مهتزة من عمليات انتقامية ستوجه ضدها ان هي اعلنت عن نفسها جهارا، مع ان المجاميع الارهابية الرافضة للمصالحة تعرف تماما هويات من يفاوض ويحاور الحكومة، لكنها لا تُريد ان تجعل من المفاوضات سياستها العامة فما زال في الوقت مجال للعب وفرض الشروط، وهذا ما يفسر الاغتيالات التي تجري بين فترة واخرى لبعض الاشخاص المعروفين بنصرتهم للمقاومة الارهابية وارتباطهم بها لكنهم بنفس الوقت يرغبون باعادة دورة المحاصصة عبر ما يسمى بالمصالحة الوطنية للحصول على نصيب اكبر من الكعكة التي استطاعوا الحصول عليها بعملية المحاصصة الطائفية الحالية.

لكن القوى الارهابية، ممن يطلقون على انفسهم فصائل المقاومة الاسلامية او البعثية، لا يرغبون بمفاوضات مع الحكومة العراقية، ولا التصالح معها او مع غالبية الشعب، فهم يسعون الى صلح مع الامريكيين.

لقد خاضت القوى الارهابية في السابق، من غير تنظيم القاعدة، حوارا وتفاوضا مع الامريكيين، واجريت عدة لقاءات في خارج العراق او في داخله بوساطات دول عربية معروفة بعلاقاتها مع النظام البعثي السابق. لكن كل هذه المحاولات فشلت ولم تستطع الوصول الى اتفاق او حل للازمة الايدلوجية الدينية والتصورات القومية العربية الشوفينية الاساس التي تستند عليها القوى المتطرفة في ارهابها والدافع الذي يحرك فيها كل هذا الحقد والشر والاجرام ضد الناس الابرياء.

العراق بنظر هذه القوى الارهابية هو عراق بوجه عربي، وتوجه اسلامي سني العقيدة. ولا يهم بعدها ان احتله الامريكان او الاتراك او حتى القادمين من المريخ. المهم هو الحفاظ على الخط الشمولي العام الذي تسير عليه الدول العربية، دين سني وقومية عربية.

مبادرة المالكي لم تكن الهام ذاتي ، ولا وحي الالهي نزل على صدره في ليلة القدر، ليخبره ان يبادر الى الاعلان بمبادرة المصالحة وعقد مؤتمراتها. بل انها احد الفروض الامريكية التي لا يستطيع لا المالكي ولا غيره معارضتها. فكل ما يريده الامريكيون الخروج منها بسلام امينين بعد ان اصطدموا بالواقع العراقي المر ونتائج الحروب الكارثية وتأثيراتها على الناس وعلى ثقافتهم واتجاهاتهم الفكرية، وبعد ان اظهر الاسلام السياسي وجهه ونواياه الحقيقة، واتضح لهم الامكانية والاستطاعة الايرانية في اللعب على الحبال المذهبية والدينية الاسلامية وتحشيد الشارع ضد الامريكين بكل انواع النفاق والدجل والاشاعات. لكنهم بالطبع لن يغادروا والاسلام السياسي على راس السلطة دون رادع.

تعرف القوى الارهابية انها لن تستطيع هزيمة الجيوش الامريكية، ولن تستطيع اخراجها من العراق بالقوة مهما حاولت، وتعرف ان الامريكين يستطيعون خنقها، ان هم ارادوا باقل من اسبوع واحد، فهؤلاء لا يتسللون الى من دول الجوار الخائفة من ان يشملها التغيير ان نجحت التجربة العراقية. تهديد امريكي واحد لهذه الدول وحزم جدي يكفي ان يفقد صواب هذه الدول ويجعلها تجند الجن والعفاريت للامساك بكل من تدربهم وتمولهم ثم ترسلهم الى العراق. لذلك كانت كل هجمات المقاومة الباسلة، ضد الابرياء من ابناء الشعب العراقي، فقتلت منهم مئات الالاف ومع هذا نسمع نهيق وزعيق ونباح من سياسين يشيدون بمقاومتهم الاجرامية.

الامريكون، وهم البراغماتيون الذين لهم حساباتهم وتصوراتهم واهدافهم التي من اجلها قامت الحرب، اخر ما يودوا ان يروه هو حكومة اسلامية لها علاقاتها الوشيجة مع ايران، لذلك لا يمكنهم الا اتباع سياسة توازن القوى، فلا الاسلام الشيعي منتصر ولا الاسلام السني مندحر، ربما في تصورهم سيكل الطرفان من القتال و سترفضهما جماهيرهما وتحملانها مسؤلية كل هذا النزيف المؤلم من الدماء والخراب الهائل الذي حل في الناس والبلاد. وهذا ما يحدث الان في الانبار، وما يحدث في مدن الجنوب ضد المعممين الذين بدؤا يفقدون نفوذهم يوما بعد الاخر.

الاسلام السياسي او السيد المالكي الذي طرح مشروع المصالحة الوطنية، متصورا ان الهزيمة ستلحق بقوى الارهاب ان هو استطاع عزلها او تحيديها واجتذاب القوى التي يقول عنها ان اجتهدت فاخطات، هذه التصورات هي خاطئة بالتاكيد، لان الخرق كبير جدا، ليس بسبب الارهاب المستشري بالبلاد فقط، بل هناك اسباب اخرى على اي مبادر ان يتصالح معها اولا قبل عرض الصلح على القوى الاكثر تشددا وتطرفا.

هل للحكومة العراقية واحزابها الاسلامية التي تقود السلطة، سنية او شيعية ان تتصالح مع نصف المجتمع، اعني المراة التي سجنوها في حجاب ونقاب واجبروا الصغيرات على التعثر بعبائتهن، المراة التي يحاولون بشتى الطرق مصادرة حقوقها والغاء اي قانون يصب في مصلحتها.؟

هل للسيد المالكي ان يتصالح مع الفن واهله، فالشعوب لا تحيى بلا فن، انها تصدا، وها نحن نرى كيف تصدا العقول والافكار وكيف تتغلب حثالة الوهابية والسلفية وشعوذة مقتدى الصدر والصرخي والبغدادي على عقول الشباب وترسلهم الى الموت.

هل يتصالح المالكي والاسلام السياسي مع الفكر الانساني، المدني الحر الذي يجعل الانسان يشعر انه جزء من هذا الكون ومن تطوره ومن حركته السائرة الى الامام وليس باتجاه معاكس الى الماضي الغابر، الفكر الانساني الذي سيوحد جميع العراقيين على جميع مذهابهم وطوائفهم ودياناتهم ويمسح نزعة الطائفية والانتقام من نفوسهم.

هل تستطيع الحكومة العراقية ان تتصالح مع الاحزاب الوطنية، الاحزاب التي ناظلت وقاتلت النظام وقدمت مئات الشهداء في سبيل الحرية والديمقرطية، فتمنع فتاوى تكفير العلمانية واللبرالية والماركسية التي تنطلق من الجوامع الشيعية والسنية وتغذي الناس بمزيد من الحقد وتخلق اعداء جدد.؟

اليس الاجدر ان تتصالح الحكومة مع الشعب وتثبت قدرتها وعدالتها، فتهتم بسكنهم وراحتهم وخدماتهم وامنهم واستقرارهم وتعطيهم حقوقهم وتنهي الظلم عنهم وتقدم من قتلهم الى المحاكم وتعيد لهم املاكهم المنهوبية وبيتهم واراضيهم المسلوبة، ان تنظر الى الفروق بين الرواتب التي تجعل البون الطبقي شاسعا جدا، فاما انحدار الى جحيم الفقر او غناء فاحش جدا.

الا يجدر بالاسلام السياسي ان هو اخلص النية وكان صادقا بخدمة الشعب، ان يقلل من الصبغة الدينية للدولة، فاالحرب الموجودة الان ان لم تكن لاسباب طائفية مذهبية دينية، فالفكرة الدينية، او الاسلام هو الذريعة التي يتذرع بها كل من رفع السلاح، وفي المجتمعات المختلطة المشتملة على عدة طوائف لا يمكن لحكومة دينة او اسلام سياسي النجاح في قيادة دولة او في حل مشاكل المجتمع، بل على العكس سيخلق مشاكل وازمات جديدة.؟

هذه هي المصالحة الوطنية التي من شأنها ان تجعل الشعب جبهة واحدة في مواجهة الارهاب ودحره وتنظيف العراق من ادران ووساخات التطرف الديني.