|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  20 / 10 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

العراق وصندوق النقد: من يدفع ثمن الإصلاح المؤجَّل؟

نوري حمدان
(موقع الناس)

حين تضيق الخزينة، يُطلب من المواطن أن يتفهّم الضرورات. لكن الضرورات نفسها تبدو أقل إلحاحًا حين يتعلق الأمر بتوزيع المناصب وتوسيع دوائر النفوذ. ومن هذه المفارقة يبدأ السؤال عن توجه العراق إلى صندوق النقد الدولي: كيف تُدار دولة تتسع فيها مطالب السلطة، فيما تضيق قدرتها على تمويل التزاماتها؟ ومن سيدفع ثمن الإصلاح حين يصبح الحصول على المال مرتبطًا بتغيير السياسات؟

أعلنت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في مؤتمر صحفي ببانكوك في السابع عشر من تشرين الأول 2026، أن السلطات العراقية طلبت برنامجًا، مؤكدة استعداد الصندوق لتقديم التمويل والمساندة على صعيد السياسات. وتأتي الخطوة بعد اتصالات أولية بدأت خلال اجتماعات الربيع في نيسان، في سياق تداعيات الحرب وتعطل الصادرات النفطية وضغوط الإيرادات.

يجب تثبيت حدود هذا الإعلان منذ البداية. طلب البرنامج لا يعني إقرار قرض، والاستعداد لدعم العراق لا يعني الاتفاق على قيمة التمويل وكلفته وشروطه. وفي المصادر التي تستند إليها هذه القراءة، لم تتحدد هذه العناصر بعد. لذلك فإن الحديث عن تخفيضات محسومة للرواتب، أو تقليص مقرر للبطاقة التموينية، أو تغيير جديد لسعر الصرف بوصفها شروطًا للبرنامج المرتقب، يسبق الوثائق ويحوّل الاحتمال إلى واقعة.

وفي هذا السياق، يوضح الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي أن الدول تلجأ إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي حين تواجه عجزًا ماليًا ونقصًا في السيولة. ويضيف الخبير المالي والاقتصادي الدكتور عبد الرحمن المشهداني بُعدًا آخر للمشكلة، إذ يرى أن عجز موازنة عام 2027 يتجاوز ما يمكن أن يغطيه قرض من الصندوق. والتصريحان يفتحان سؤالين متلازمين: لماذا تحتاج الدولة إلى التمويل، وما مقدار ما يستطيع هذا التمويل معالجته؟

غير أن الحاجة إلى السيولة لا تجعل قرض الصندوق بديلًا تلقائيًا عن تمويل عجز الموازنة كله؛ فالصندوق يقدم تمويله لمعالجة مشكلات ميزان المدفوعات، وقد يسهم البرنامج، بحسب ترتيباته، في تخفيف الضغوط على المالية العامة. أما الحكم على مدى كفايته للعراق فيحتاج إلى أرقام معلنة لحجم العجز والفجوة التمويلية وقيمة القرض وجدول صرفه. ولذلك يبقى تقدير المشهداني تنبيهًا إلى حدود التمويل المحتمل، ولا يغني عن هذه المقارنة أو يحوّل الأرقام الأولية لموازنة 2027 إلى أحكام مالية نهائية.

وإذا بقيت فجوة بعد التمويل المتاح، فإن السؤال ينتقل إلى كيفية تغطيتها: باقتراض إضافي، أم بزيادة الإيرادات، أم بخفض الإنفاق، أم بمزيج من هذه الخيارات؟ لكل مسار كلفته وتوزيعه للأعباء. وهنا لا يعود النقاش مقتصرًا على شروط الصندوق، بل يشمل قرارات الحكومة بشأن الجزء الذي لن يغطيه القرض، والفئات والقطاعات التي ستتحمل أثر تلك القرارات.

لكن غياب الشروط المعلنة لا يلغي أهمية السؤال السياسي. فالحكومة التي تدخل التفاوض تحت ضغط الحاجة إلى السيولة تتحرك ضمن هامش مختلف عن حكومة تمتلك موارد مستقرة وبدائل تمويل واضحة. ومن هنا تصبح السيادة الاقتصادية مرتبطة بقدرة الدولة على إدارة مواردها، وتوقع الصدمات، واختيار توقيت الإصلاح وأدواته، قبل أن تفرض الأزمة توقيتها.

لقد كشفت الحرب هشاشة الاعتماد على النفط، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير المشكلة. ففي تقييمه للعراق عام 2025، ربط صندوق النقد ارتفاع المخاطر المالية بالتوسع الكبير في الإنفاق وتراجع أسعار النفط، ودعا إلى ضبط المصروفات غير الضرورية، وإصلاح فاتورة الأجور والتقاعد، وتعزيز الإيرادات غير النفطية. أي إن اختلالات المالية العامة كانت موضع تحذير قبل طلب البرنامج الحالي.

وهذا يعيد المسؤولية إلى الداخل. لماذا تتأخر معالجة الاختلالات حتى تصبح الدولة بحاجة إلى ممول خارجي يساعدها على فرض إجراءات كان يفترض أن تناقشها مؤسساتها أمام المجتمع؟ وما الذي منع بناء إدارة ضريبية أكثر عدالة، وضبط الإنفاق، وتحسين كفاءة الخدمات، وتقليل تسرب الموارد؟ إن إرجاع الأزمة كلها إلى الحرب يمنح السياسات الداخلية إعفاءً من المساءلة لا تستحقه.

وفي المقابل، فإن تصوير الصندوق بوصفه جهة ستعالج الفساد بمجرد ربط التمويل بالإصلاح يمنحه قدرة لا تثبتها آلية الإقراض وحدها. فمعظم تمويل الصندوق يُصرف على دفعات ترتبط بإجراءات ومعايير أداء ومراجعات دورية. وتتيح هذه الآلية متابعة التزامات البرنامج، مع إمكان تعديل بعض الأهداف أو منح إعفاءات ضمن ضوابط محددة. لكنها لا تضمن، بذاتها، أن تتوزع كلفة الإجراءات بعدالة أو أن تصل إلى مراكز النفوذ.

قد تحقق حكومة إيرادًا إضافيًا من ضريبة على الاستهلاك أسرع مما تسترده من عقد متضخم الكلفة. وقد تحصّل فاتورة كهرباء من مواطن محدود الدخل أسهل مما تعالج مصالح تستفيد من ضعف القطاع. وقد تحدّ من التوظيف الجديد من دون أن تراجع امتيازات مواقع عليا أو ازدواج المصالح داخل مؤسسات الدولة. ولهذا فإن تحسن بعض المؤشرات المالية لا يكفي للحكم على عدالة الإصلاح.

المعيار الذي نحتاجه هو ترتيب الأعباء: أي إنفاق سيُخفض أولًا؟ وأي دخل سيُحمى؟ ومن سيشمله التحصيل الفعلي؟ وهل ستطال المراجعة العقود والامتيازات والإعفاءات غير المبررة، أم ستتجه إلى الفئات التي لا تملك قوة تفاوضية؟

هنا تتصل قضية الصندوق بملف اتساع الحكومة واستحداث المناصب. فالكلفة السياسية للموقع العام تمتد إلى ما يمنحه من سلطة على التعيينات والعقود والموارد والأولويات. ولذلك فإن الإعلان عن العمل بلا راتب، متى طُرح، لا يحسم سؤال الكلفة. المطلوب معرفة حجم الجهاز المرتبط بالمنصب، واختصاصاته، ونفقاته، وحدود تدخله، وما إذا كان يعالج حاجة إدارية فعلية أو يضيف حلقة جديدة إلى توزيع النفوذ.

وتصبح المفارقة أكثر حدة إذا طُلب من المجتمع قبول التقشف فيما تظل بنية توزيع المنافع السياسية خارج المراجعة. عندها يفقد خطاب الإصلاح جزءًا أساسيًا من صدقيته، حتى لو استند إلى حاجة مالية حقيقية. فالناس تقيس عدالة الضرورة بما تراه من مشاركة أصحاب السلطة في تحملها.

أما المقارنة بين كلفة الاقتراض من الصندوق والاقتراض من السوق، فتحتاج إلى دقة تتجاوز القول إن الأول رخيص والثاني مرتفع الكلفة. فقروض الصندوق العادية لا تحمل فائدة موحدة ثابتة عند 1.25 %؛ إذ ترتبط تكلفتها بسعر فائدة حقوق السحب الخاصة، والهامش والرسوم المطبقة. كما أن تقييم أي تمويل يتطلب معرفة أجله، وجدول سداده، ومخاطر العملة، والالتزامات المصاحبة له.

وقد يمنح التمويل الخارجي العراق وقتًا لتخفيف الضغوط وترتيب أوضاعه، حتى إن لم يكن كافيًا لتغطية العجز كله. لكن قيمة هذا الوقت تتحدد بما يُنجز خلاله: هل يُستخدم لإصلاح أسباب العجز، أم لتأجيل مواجهتها بقروض أخرى؟ وهل تُحمى الاستثمارات والخدمات التي توسع القدرة الإنتاجية، أم تُضغط لأنها أسهل تأجيلًا من الالتزامات الجارية؟

والعراق يمتلك تجربة تستحق المراجعة قبل استعارة أحكام جاهزة من تجارب الآخرين. ففي تموز 2016 أقر الصندوق اتفاق استعداد ائتماني للعراق بقيمة تقارب 5.34 مليارات دولار لثلاث سنوات. والسؤال البحثي اليوم هو ما الذي تحقق من أهداف تلك التجربة، وما الذي بقي من اختلالاتها، وكيف يمكن تجنب العودة إلى نقطة الاحتياج نفسها بعد انقضاء التمويل.

كذلك تقدم مصر وباكستان موضوعات للمقارنة، من مرونة الصرف وتعديل أسعار الطاقة إلى توسيع القاعدة الضريبية والحماية الاجتماعية. لكن اختلاف اقتصادات البلدان ومؤسساتها يقتضي الحذر من نقل نتائجها إلى العراق مسبقًا. وما يفيدنا هو فحص توقيت الإجراءات، وقدرة التعويضات على حماية الدخل، وأثر التصحيح على الإنتاج والخدمات، ومدى مشاركة الفئات الأعلى دخلًا ونفوذًا في الكلفة.

ولهذا يجب أن يبدأ اختبار السيادة في البرنامج المرتقب من علنيته. من حق المجتمع معرفة حجم العجز المتوقع والفجوة التمويلية، ومقدار ما سيغطيه تمويل الصندوق إن أُقر، وكيف ستُغطى الفجوة المتبقية، والبدائل التي دُرست والالتزامات التي ستتحملها الدولة. ومن الضروري نشر وثائق البرنامج عند الاتفاق عليها، وإخضاع آثارها للنقاش والمساءلة، مع تحديد ضمانات قابلة للقياس لحماية محدودي الدخل والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

كما يجب الفصل بين توصيات الصندوق السابقة وبين ما ستلتزم به الحكومة فعلًا. فلا يجوز تقديم كل قرار محلي مؤلم بوصفه أمرًا خارجيًا لا يمكن مناقشته. الحكومة مسؤولة عن خياراتها التفاوضية، وعن البدائل التي تستبعدها، وعن كيفية توزيع العبء داخل المجتمع.

قد يساعد برنامج تمويلي على استعادة الاستقرار، وقد يتحول إلى فرصة أخرى لتمويل استمرار الاختلال. والفارق تصنعه السياسات والمؤسسات والرقابة، لا اسم الجهة المقرضة وحده.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تُحمى منظومة المنافع التي ساهمت في تضييق الخيارات، ثم يُطلب من المواطن تمويل استعادة التوازن. والسيادة التي يستحقها العراقيون تقتضي أن تدخل الحكومة التفاوض ببرنامج معلن، وأن تبدأ مواجهة الهدر حيث تتركز السلطة والموارد، وأن تجيب قبل طلب التضحية: ما الذي ستتخلى عنه السلطة، قبل أن تطلب من المجتمع أن يتخلى عن جزء آخر من معيشته؟

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter