| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 27 / 10 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الاستقرار الوظيفي والسيادة الاقتصادية: من يمول حق العامل؟
نوري حمدان
(موقع الناس)في العراق، لا ينشغل العامل المتعاقد بتاريخ تثبيته وحده، بل بما إذا كان سيحصل على راتبه في موعده، وما إذا كانت سنوات عمله ستمنحه مستقبلًا أكثر استقرارًا. وخلف هذا القلق اليومي يقف سؤال أوسع للدولة: كيف تضمن الاستقرار الوظيفي من دون أن يبقى تمويله معلقًا بتقلب أسعار النفط؟
يكتسب السؤال أهمية خاصة مع التوجه الحكومي لتثبيت المتعاقدين والأجراء على الملاك الدائم، واستحداث 120 ألف درجة وظيفية جديدة بصفة عقد ضمن موازنة 2027. وقدّر الناطق باسم الحكومة عدد المشمولين بالتثبيت بأكثر من 500 ألف شخص. لكن هذه الأرقام ما تزال في إطار التوجيهات والتصريحات الحكومية؛ فالمشروع لم يتحول بعد إلى قانون نافذ، ولم تُعلن كلفته التفصيلية ومصادر تمويله بصورة تسمح بتقييم أثره المالي.
ومن المهم، منذ البداية، ألا يُوضَع العامل في مواجهة الموازنة. فالمتعاقد الذي أمضى سنوات في مؤسسة عامة لم يصنع طبيعة الاقتصاد العراقي، ولم يقرر اعتماد الدولة على النفط، ولم يضع السياسات التي أبقت القطاع الخاص عاجزًا عن توفير فرص كافية ومستقرة. لقد أدى عملًا تحتاج إليه الدولة، ومن حقه أن يعرف مصير عمله وحقوقه وفق القانون.
في المقابل، فإن مسؤولية الدولة لا تنتهي بإعلان التثبيت. فالاستقرار الوظيفي وعد يمتد إلى سنوات مقبلة، ويتطلب رواتب وتمويلًا وإدارة عادلة وبيئة عمل منتجة. ولهذا ينبغي أن يصاحب كل قرار بهذا الحجم بيان واضح عن كلفته السنوية، وما إذا كانت تمثل زيادة صافية على ما يُدفع حاليًا للمتعاقدين والأجراء، وما يترتب عليه من التزامات مستقبلية.
فالمشمولون بالتثبيت يتقاضى كثير منهم أجورًا بالفعل؛ ولذلك لا يصح احتساب كلفة رواتبهم كلها بوصفها إنفاقًا جديدًا. المطلوب هو بيان الفرق بين الكلفة الحالية والكلفة بعد التثبيت، بما فيها الاستحقاقات والالتزامات اللاحقة. أما الدرجات الجديدة، فتحتاج بدورها إلى تقدير منفصل يوضح توزيعها وأجورها ومصادر تمويلها.
هنا تظهر العلاقة بين الوظيفة والسيادة الاقتصادية. فالدولة التي تعتمد في تمويل الجزء الأكبر من التزاماتها على مورد يتأثر بالأسعار والأسواق الخارجية، تجد مساحة قرارها أضيق كلما تعرضت الإيرادات لصدمة. وقد تنشأ عندئذٍ ضغوط تدفعها إلى الاقتراض أو تأجيل مشاريع أو البحث عن معالجات سريعة. ليست هذه نتيجة حتمية لكل تثبيت أو تعيين، لكنها مخاطرة يجب قياسها ومواجهتها قبل أن تصبح أزمة.
وقد ناقشت اللجنة المالية النيابية، في اجتماعها مع دائرة الموازنة بوزارة المالية يوم 26 تشرين الأول، جداول مشروع موازنة 2027، واستفسرت عن الإيرادات النفطية وغير النفطية، والعجز المخطط ومصادر تمويله، والقروض المخصصة للمشاريع الاستثمارية. وهذه الأسئلة ينبغي أن تصل إجاباتها إلى الرأي العام في جداول واضحة، لأن النقاش حول الموازنة لا يكتمل بالأرقام الإجمالية وحدها.
تداولت تقارير إعلامية تقديرات للنفقات والإيرادات والعجز، لكن النص الرسمي المعتمد للمشروع وجداوله التفصيلية لم يكن متاحًا للتحقق عند إعداد هذا المقال. لذلك لا يصح التعامل مع تلك التقديرات بوصفها قانونًا مقرًا أو أموالًا أُنفقت بالفعل. والفرق كبير بين عجز مخطط في مسودة، وعجز فعلي لا يُعرف إلا بعد تحقق الإيرادات وتنفيذ النفقات.
إن توفير التمويل المستدام يبدأ من إدارة أفضل للموارد القائمة: مكافحة التهرب والفساد في الجمارك والضرائب والمنافذ، وتوسيع الإيرادات غير النفطية بصورة عادلة، ومراجعة الإعفاءات والإنفاق الذي لا يحقق منفعة عامة. لكن تنويع الإيرادات لا ينبغي أن يصبح عنوانًا لزيادة الأعباء على المواطن وحده، بينما تبقى منافذ الهدر والامتيازات غير الخاضعة للمساءلة مفتوحة.
وفي المدى الأبعد، لا يكفي أن تبحث الدولة عن إيرادات جديدة؛ عليها أن توسع قاعدة الإنتاج نفسها. فإعادة تشغيل المعامل القابلة للحياة، ودعم الزراعة والصناعة، ومعالجة اختناقات الكهرباء والتمويل، يمكن أن تخلق فرص عمل وإيرادات تقلل الضغط على الوظيفة الحكومية. أما الشراكة مع القطاع الخاص، فلا تكون حلًا لمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى عقود شفافة وضمانات لحقوق العاملين ومعايير تقيس ما تضيفه إلى الإنتاج المحلي.
ولا يعني ذلك أن وظيفة الدولة يجب أن تنحسر حيث يحتاج المواطن إلى معلم أو طبيب أو مهندس أو موظف يقدم خدمة عامة. فالسؤال عن عدد العاملين يجب أن يقترن بسؤال عن احتياجات المؤسسات، وكفاءة توزيعهم، والتدريب والأدوات التي تمكّنهم من أداء عملهم. وربط الإنفاق بنتائج معلنة يمكن أن يجعل الموازنة أداة لتحسين الخدمة، بدل أن يبقى النقاش محصورًا بين رقم الوظائف ورقم الرواتب.
كذلك فإن العدالة في توزيع الدرجات الجديدة جزء من شرعية القرار. فإعلان اعتماد النسب السكانية يحتاج إلى جداول منشورة لكل محافظة وقطاع، ومعايير للتقديم والاختيار، وآلية اعتراض ورقابة. وبذلك يستطيع المواطن أن يرى كيف تُوزَّع الفرص، وأن يطمئن إلى أن الوظيفة العامة ليست مكافأة للنفوذ أو الولاء.
إن تثبيت العاملين، متى استكمل شروطه القانونية والمالية، يمكن أن يكون خطوة نحو إنصاف شريحة انتظرت طويلًا. لكن نجاحه سيُقاس أيضًا بما تفعله الدولة لحماية هذا الاستقرار من الأزمات المقبلة: هل تكشف كلفته؟ هل توفر له تمويلًا مستدامًا؟ هل تحمي الاستثمار المنتج؟ وهل تبني اقتصادًا يمنح الشباب خيارات أوسع من انتظار وظيفة حكومية؟