| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس | الثلاثاء 8 / 9 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس إنقاذ الودائع يبدأ من المصرف.. لا من جيب المواطن نوري حمدان (موقع الناس) لم تعد مسألة انخفاض الودائع في المصارف العراقية مجرد رقم يظهر في البيانات المصرفية الدورية، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ظل حاجة الاقتصاد العراقي إلى جهاز مصرفي قوي قادر على استقطاب المدخرات وتحويلها إلى تمويل واستثمار ونشاط اقتصادي. وتشير البيانات المتاحة إلى تراجع إجمالي الودائع لدى المصارف إلى نحو 104.3 تريليون دينار في نهاية أيار 2026، مقارنة بنحو 111.1 تريليون دينار في نهاية عام 2025، في وقت شمل التراجع ودائع الحكومة والقطاع الخاص على حد سواء. وربما يكون من السهل تفسير هذا التراجع بالظروف الاقتصادية، أو بانخفاض الإنفاق الحكومي، أو قيام بعض الجهات بسحب جزء من أرصدتها، أو لجوء الموظفين والمواطنين إلى استخدام مدخراتهم لمواجهة متطلبات المعيشة. لكن الاقتصار على هذه الأسباب قد يقودنا إلى نتيجة غير مكتملة، لأن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه هو: لماذا لا تبقى أموال المواطنين داخل الجهاز المصرفي؟ ولماذا لا تكون المصارف الخيار الأول لمن يريد حفظ مدخراته وتنميتها؟ فالمواطن العراقي، شأنه شأن أي مواطن في العالم، لا يرفض الادخار، لكنه يبحث عن المكان الذي يشعر فيه أن أمواله آمنة، وأن الوصول إليها سهل، وأن إيداعها في المصرف يمنحه فائدة أو منفعة أفضل من الاحتفاظ بها نقداً خارج الجهاز المصرفي. ولذلك فإن تحميل المواطن مسؤولية انخفاض الودائع والقول إنه لا يميل إلى الادخار قد يكون تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالوديعة المصرفية في جوهرها ليست مجرد مبلغ من المال، وإنما هي ثقة. والمواطن عندما يضع مدخراته في المصرف فإنه يمنحه شيئاً أكبر من المال؛ يمنحه ثقته. وهذه الثقة لا يمكن أن تُبنى بالإعلانات وحدها، وإنما تحتاج إلى خدمات مصرفية جيدة، ووضوح في الإجراءات، وسرعة في إنجاز المعاملات، وحماية حقيقية لحقوق المودعين، ومنتجات ادخارية قادرة على منافسة الاحتفاظ بالنقد في المنزل. وهنا تقع مسؤولية المصارف العراقية، وخصوصاً المصارف الحكومية، في إعادة التفكير بطريقة تعاملها مع المدخرات. فالمصرف الذي يريد جذب الودائع لا يكفيه أن يطلب من المواطن أن يضع أمواله لديه، بل عليه أن يقدم له سبباً مقنعاً لذلك. لماذا يضع المواطن عشرة ملايين دينار في المصرف؟ ماذا سيحصل في المقابل؟ هل سيحصل على عائد مناسب؟ هل يستطيع الوصول إلى أمواله بسهولة؟ هل يستطيع إدارة حسابه إلكترونياً؟ هل هناك منتجات ادخارية مختلفة تناسب الموظف والشاب ورب الأسرة وصاحب المشروع الصغير؟ وهل يشعر المواطن أن المصرف يقدم له خدمة حقيقية مقابل أمواله؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمثل جوهر المنافسة المصرفية الحديثة. فالدول التي نجحت في رفع معدلات الادخار لم تكتفِ بمطالبة مواطنيها بإيداع أموالهم، وإنما عملت على جعل الادخار نفسه سلوكاً سهلاً ومجزياً، من خلال تنويع الحسابات والودائع، وتقديم حوافز للادخار طويل الأجل، وتطوير الخدمات الرقمية، وربط الادخار بالخدمات المصرفية الأخرى، بحيث يشعر المواطن أن وجود أمواله داخل المصرف يحقق له قيمة مضافة. ومن هنا يمكن للمصارف العراقية أن تطور منتجات ادخارية أكثر تنوعاً، مثل حسابات ادخار للموظفين، وحسابات للشباب، وحسابات للأطفال، وودائع لأجل بمدد مختلفة، وبرامج للادخار المنتظم، بحيث يستطيع المواطن أن يختار المنتج الذي يتناسب مع دخله واحتياجاته، بدلاً من أن تكون العلاقة بين المواطن والمصرف محصورة في حساب راتب أو حساب جارٍ. لكن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وربما تحتاج إلى معالجة أكثر دقة، وهي قضية السقوف والإجراءات المفروضة على الإيداعات النقدية. فمن الطبيعي أن تكون هناك ضوابط مصرفية للتحقق من هوية العميل ومصدر الأموال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه ليست إجراءات يمكن الاستغناء عنها، بل هي جزء أساسي من النظام المصرفي الحديث. غير أن التحدي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين الرقابة المطلوبة وبين عدم تحويل إجراءات الرقابة إلى عائق أمام دخول الأموال المشروعة إلى الجهاز المصرفي. فإذا كان المواطن يمتلك أموالاً من مصدر مشروع ويرغب في إيداعها في المصرف، فإن المطلوب ليس بالضرورة إلغاء السقوف أو الضوابط، وإنما إيجاد آلية أكثر مرونة ووضوحاً. يمكن، على سبيل المثال، أن يكون هناك مسار خاص للإيداعات الكبيرة يتضمن التحقق من هوية العميل ومصدر الأموال والوثائق المؤيدة لذلك، ثم السماح بالإيداع متى ثبتت مشروعية الأموال. وبذلك نحقق هدفين في وقت واحد: نحافظ على الرقابة المصرفية ونمنع الأموال المشروعة من البقاء خارج النظام المصرفي بسبب تعقيدات أو حدود لا تتناسب مع طبيعة التعامل. فالمفارقة أن المصرف يريد زيادة الودائع، بينما قد يشعر بعض المواطنين في الوقت نفسه أن إدخال مبالغ كبيرة إلى المصرف أكثر تعقيداً من الاحتفاظ بها خارج المصرف. وهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة، لأن الهدف النهائي للسياسة المصرفية يجب أن يكون إدخال الأموال المشروعة إلى الجهاز المصرفي، لا دفعها إلى البقاء خارجه. كما أن استعادة الودائع لا يمكن فصلها عن مسألة الثقة بالمصارف. فالمواطن لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة أو العائد، وإنما ينظر إلى سمعة المصرف، وقوته، وشفافيته، وسهولة التعامل معه، ومدى قدرته على تقديم الخدمة في الوقت المناسب. ولذلك فإن إصلاح المصارف الحكومية وتطوير الحوكمة والإدارة المصرفية وتعزيز الرقابة وإعادة بناء الثقة يجب أن تكون جزءاً من أي استراتيجية حقيقية لاستعادة الودائع. وفي هذا السياق، فإن التحول الرقمي يمكن أن يلعب دوراً مهماً أيضاً. فالمصرف الحديث لم يعد مجرد بناية يدخل إليها المواطن ليودع أمواله أو يسحبها، وإنما أصبح منصة يستطيع من خلالها إدارة أمواله على مدار الساعة. وكلما أصبحت عملية فتح الحساب، والتحويل، والإيداع، ومتابعة الرصيد، والحصول على الخدمات المصرفية أكثر سهولة وأماناً، أصبح من الأسهل إقناع المواطن بإبقاء أمواله داخل المصرف. لكن كل ذلك يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير. فلا ينبغي أن تكون معالجة انخفاض الودائع مجرد حملة إعلامية تطالب المواطن بأن "يدخر" أو "يضع أمواله في المصرف". المواطن لا يحتاج إلى من يشرح له أهمية المال، فهو يعرف قيمة مدخراته جيداً، وإنما يحتاج إلى مؤسسة مالية تقدم له أسباباً عملية ومقنعة للاحتفاظ بهذه الأموال لديها. وقد يكون من المفيد أن تطرح المصارف على نفسها سؤالاً بسيطاً: إذا كان المواطن يمتلك عشرة ملايين دينار نقداً، فما الذي سيجعله يضعها في المصرف بدلاً من الاحتفاظ بها في منزله؟ إذا كانت الإجابة هي الأمان، فيجب أن يشعر بهذا الأمان. وإذا كانت الإجابة هي العائد، فيجب أن يكون هناك منتج ادخاري جذاب. وإذا كانت الإجابة هي سهولة التعامل، فيجب أن تكون الخدمات سريعة وبسيطة. وإذا كانت الإجابة هي الحصول على خدمات مصرفية أفضل، فيجب أن يجد المواطن هذه الخدمات فعلاً. إن التجارب الدولية تؤكد أن جذب المدخرات لا يتم بالإجبار، وإنما ببناء منظومة تجعل الادخار داخل الجهاز المصرفي أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالنقد خارجه. ولذلك فإن العراق لا يحتاج فقط إلى دعوة المواطنين إلى الادخار، بل يحتاج إلى صناعة بيئة مصرفية تجعل المواطن يرغب في الادخار. فالودائع المصرفية ليست أموالاً ساكنة، بل تمثل أحد المصادر الأساسية التي يمكن من خلالها للمصارف أن تمارس دورها في تمويل الاقتصاد، وتوفير الائتمان للمشروعات والشركات والأفراد، وتحريك النشاط الاقتصادي. وكلما اتسعت قاعدة الودائع المستقرة، ازدادت قدرة الجهاز المصرفي على أداء دوره الحقيقي في الاقتصاد. ومن هنا فإن معالجة انخفاض الودائع ينبغي ألا تبدأ بالسؤال: كيف نقنع المواطن بإيداع أمواله؟، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: كيف نجعل المصرف المكان الذي يختار المواطن أن يضع أمواله فيه؟ إنقاذ الودائع لا يبدأ من جيب المواطن، وإنما من المصرف نفسه؛ من جودة خدماته، ومن قدرته على بناء الثقة، ومن منتجاته الادخارية، ومن مرونة إجراءاته، ومن قدرته على مواكبة التكنولوجيا، ومن احترامه لوقت المواطن وماله. وعندما يصبح المصرف أكثر أماناً وشفافية وسهولة وجاذبية، فإن المواطن لن يحتاج إلى حملة طويلة لإقناعه بإيداع أمواله، لأنه سيصل بنفسه إلى النتيجة التي نريدها جميعاً: أن يكون المصرف هو المكان الطبيعي والأفضل والأكثر أماناً لمدخرات العراقيين. Since 17/01/05. web counter
| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 8 / 9 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
إنقاذ الودائع يبدأ من المصرف.. لا من جيب المواطن نوري حمدان (موقع الناس) لم تعد مسألة انخفاض الودائع في المصارف العراقية مجرد رقم يظهر في البيانات المصرفية الدورية، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ظل حاجة الاقتصاد العراقي إلى جهاز مصرفي قوي قادر على استقطاب المدخرات وتحويلها إلى تمويل واستثمار ونشاط اقتصادي. وتشير البيانات المتاحة إلى تراجع إجمالي الودائع لدى المصارف إلى نحو 104.3 تريليون دينار في نهاية أيار 2026، مقارنة بنحو 111.1 تريليون دينار في نهاية عام 2025، في وقت شمل التراجع ودائع الحكومة والقطاع الخاص على حد سواء. وربما يكون من السهل تفسير هذا التراجع بالظروف الاقتصادية، أو بانخفاض الإنفاق الحكومي، أو قيام بعض الجهات بسحب جزء من أرصدتها، أو لجوء الموظفين والمواطنين إلى استخدام مدخراتهم لمواجهة متطلبات المعيشة. لكن الاقتصار على هذه الأسباب قد يقودنا إلى نتيجة غير مكتملة، لأن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه هو: لماذا لا تبقى أموال المواطنين داخل الجهاز المصرفي؟ ولماذا لا تكون المصارف الخيار الأول لمن يريد حفظ مدخراته وتنميتها؟ فالمواطن العراقي، شأنه شأن أي مواطن في العالم، لا يرفض الادخار، لكنه يبحث عن المكان الذي يشعر فيه أن أمواله آمنة، وأن الوصول إليها سهل، وأن إيداعها في المصرف يمنحه فائدة أو منفعة أفضل من الاحتفاظ بها نقداً خارج الجهاز المصرفي. ولذلك فإن تحميل المواطن مسؤولية انخفاض الودائع والقول إنه لا يميل إلى الادخار قد يكون تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالوديعة المصرفية في جوهرها ليست مجرد مبلغ من المال، وإنما هي ثقة. والمواطن عندما يضع مدخراته في المصرف فإنه يمنحه شيئاً أكبر من المال؛ يمنحه ثقته. وهذه الثقة لا يمكن أن تُبنى بالإعلانات وحدها، وإنما تحتاج إلى خدمات مصرفية جيدة، ووضوح في الإجراءات، وسرعة في إنجاز المعاملات، وحماية حقيقية لحقوق المودعين، ومنتجات ادخارية قادرة على منافسة الاحتفاظ بالنقد في المنزل. وهنا تقع مسؤولية المصارف العراقية، وخصوصاً المصارف الحكومية، في إعادة التفكير بطريقة تعاملها مع المدخرات. فالمصرف الذي يريد جذب الودائع لا يكفيه أن يطلب من المواطن أن يضع أمواله لديه، بل عليه أن يقدم له سبباً مقنعاً لذلك. لماذا يضع المواطن عشرة ملايين دينار في المصرف؟ ماذا سيحصل في المقابل؟ هل سيحصل على عائد مناسب؟ هل يستطيع الوصول إلى أمواله بسهولة؟ هل يستطيع إدارة حسابه إلكترونياً؟ هل هناك منتجات ادخارية مختلفة تناسب الموظف والشاب ورب الأسرة وصاحب المشروع الصغير؟ وهل يشعر المواطن أن المصرف يقدم له خدمة حقيقية مقابل أمواله؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمثل جوهر المنافسة المصرفية الحديثة. فالدول التي نجحت في رفع معدلات الادخار لم تكتفِ بمطالبة مواطنيها بإيداع أموالهم، وإنما عملت على جعل الادخار نفسه سلوكاً سهلاً ومجزياً، من خلال تنويع الحسابات والودائع، وتقديم حوافز للادخار طويل الأجل، وتطوير الخدمات الرقمية، وربط الادخار بالخدمات المصرفية الأخرى، بحيث يشعر المواطن أن وجود أمواله داخل المصرف يحقق له قيمة مضافة. ومن هنا يمكن للمصارف العراقية أن تطور منتجات ادخارية أكثر تنوعاً، مثل حسابات ادخار للموظفين، وحسابات للشباب، وحسابات للأطفال، وودائع لأجل بمدد مختلفة، وبرامج للادخار المنتظم، بحيث يستطيع المواطن أن يختار المنتج الذي يتناسب مع دخله واحتياجاته، بدلاً من أن تكون العلاقة بين المواطن والمصرف محصورة في حساب راتب أو حساب جارٍ. لكن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وربما تحتاج إلى معالجة أكثر دقة، وهي قضية السقوف والإجراءات المفروضة على الإيداعات النقدية. فمن الطبيعي أن تكون هناك ضوابط مصرفية للتحقق من هوية العميل ومصدر الأموال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه ليست إجراءات يمكن الاستغناء عنها، بل هي جزء أساسي من النظام المصرفي الحديث. غير أن التحدي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين الرقابة المطلوبة وبين عدم تحويل إجراءات الرقابة إلى عائق أمام دخول الأموال المشروعة إلى الجهاز المصرفي. فإذا كان المواطن يمتلك أموالاً من مصدر مشروع ويرغب في إيداعها في المصرف، فإن المطلوب ليس بالضرورة إلغاء السقوف أو الضوابط، وإنما إيجاد آلية أكثر مرونة ووضوحاً. يمكن، على سبيل المثال، أن يكون هناك مسار خاص للإيداعات الكبيرة يتضمن التحقق من هوية العميل ومصدر الأموال والوثائق المؤيدة لذلك، ثم السماح بالإيداع متى ثبتت مشروعية الأموال. وبذلك نحقق هدفين في وقت واحد: نحافظ على الرقابة المصرفية ونمنع الأموال المشروعة من البقاء خارج النظام المصرفي بسبب تعقيدات أو حدود لا تتناسب مع طبيعة التعامل. فالمفارقة أن المصرف يريد زيادة الودائع، بينما قد يشعر بعض المواطنين في الوقت نفسه أن إدخال مبالغ كبيرة إلى المصرف أكثر تعقيداً من الاحتفاظ بها خارج المصرف. وهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة، لأن الهدف النهائي للسياسة المصرفية يجب أن يكون إدخال الأموال المشروعة إلى الجهاز المصرفي، لا دفعها إلى البقاء خارجه. كما أن استعادة الودائع لا يمكن فصلها عن مسألة الثقة بالمصارف. فالمواطن لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة أو العائد، وإنما ينظر إلى سمعة المصرف، وقوته، وشفافيته، وسهولة التعامل معه، ومدى قدرته على تقديم الخدمة في الوقت المناسب. ولذلك فإن إصلاح المصارف الحكومية وتطوير الحوكمة والإدارة المصرفية وتعزيز الرقابة وإعادة بناء الثقة يجب أن تكون جزءاً من أي استراتيجية حقيقية لاستعادة الودائع. وفي هذا السياق، فإن التحول الرقمي يمكن أن يلعب دوراً مهماً أيضاً. فالمصرف الحديث لم يعد مجرد بناية يدخل إليها المواطن ليودع أمواله أو يسحبها، وإنما أصبح منصة يستطيع من خلالها إدارة أمواله على مدار الساعة. وكلما أصبحت عملية فتح الحساب، والتحويل، والإيداع، ومتابعة الرصيد، والحصول على الخدمات المصرفية أكثر سهولة وأماناً، أصبح من الأسهل إقناع المواطن بإبقاء أمواله داخل المصرف. لكن كل ذلك يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير. فلا ينبغي أن تكون معالجة انخفاض الودائع مجرد حملة إعلامية تطالب المواطن بأن "يدخر" أو "يضع أمواله في المصرف". المواطن لا يحتاج إلى من يشرح له أهمية المال، فهو يعرف قيمة مدخراته جيداً، وإنما يحتاج إلى مؤسسة مالية تقدم له أسباباً عملية ومقنعة للاحتفاظ بهذه الأموال لديها. وقد يكون من المفيد أن تطرح المصارف على نفسها سؤالاً بسيطاً: إذا كان المواطن يمتلك عشرة ملايين دينار نقداً، فما الذي سيجعله يضعها في المصرف بدلاً من الاحتفاظ بها في منزله؟ إذا كانت الإجابة هي الأمان، فيجب أن يشعر بهذا الأمان. وإذا كانت الإجابة هي العائد، فيجب أن يكون هناك منتج ادخاري جذاب. وإذا كانت الإجابة هي سهولة التعامل، فيجب أن تكون الخدمات سريعة وبسيطة. وإذا كانت الإجابة هي الحصول على خدمات مصرفية أفضل، فيجب أن يجد المواطن هذه الخدمات فعلاً. إن التجارب الدولية تؤكد أن جذب المدخرات لا يتم بالإجبار، وإنما ببناء منظومة تجعل الادخار داخل الجهاز المصرفي أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالنقد خارجه. ولذلك فإن العراق لا يحتاج فقط إلى دعوة المواطنين إلى الادخار، بل يحتاج إلى صناعة بيئة مصرفية تجعل المواطن يرغب في الادخار. فالودائع المصرفية ليست أموالاً ساكنة، بل تمثل أحد المصادر الأساسية التي يمكن من خلالها للمصارف أن تمارس دورها في تمويل الاقتصاد، وتوفير الائتمان للمشروعات والشركات والأفراد، وتحريك النشاط الاقتصادي. وكلما اتسعت قاعدة الودائع المستقرة، ازدادت قدرة الجهاز المصرفي على أداء دوره الحقيقي في الاقتصاد. ومن هنا فإن معالجة انخفاض الودائع ينبغي ألا تبدأ بالسؤال: كيف نقنع المواطن بإيداع أمواله؟، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: كيف نجعل المصرف المكان الذي يختار المواطن أن يضع أمواله فيه؟ إنقاذ الودائع لا يبدأ من جيب المواطن، وإنما من المصرف نفسه؛ من جودة خدماته، ومن قدرته على بناء الثقة، ومن منتجاته الادخارية، ومن مرونة إجراءاته، ومن قدرته على مواكبة التكنولوجيا، ومن احترامه لوقت المواطن وماله. وعندما يصبح المصرف أكثر أماناً وشفافية وسهولة وجاذبية، فإن المواطن لن يحتاج إلى حملة طويلة لإقناعه بإيداع أمواله، لأنه سيصل بنفسه إلى النتيجة التي نريدها جميعاً: أن يكون المصرف هو المكان الطبيعي والأفضل والأكثر أماناً لمدخرات العراقيين.
إنقاذ الودائع يبدأ من المصرف.. لا من جيب المواطن
نوري حمدان (موقع الناس) لم تعد مسألة انخفاض الودائع في المصارف العراقية مجرد رقم يظهر في البيانات المصرفية الدورية، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ظل حاجة الاقتصاد العراقي إلى جهاز مصرفي قوي قادر على استقطاب المدخرات وتحويلها إلى تمويل واستثمار ونشاط اقتصادي. وتشير البيانات المتاحة إلى تراجع إجمالي الودائع لدى المصارف إلى نحو 104.3 تريليون دينار في نهاية أيار 2026، مقارنة بنحو 111.1 تريليون دينار في نهاية عام 2025، في وقت شمل التراجع ودائع الحكومة والقطاع الخاص على حد سواء. وربما يكون من السهل تفسير هذا التراجع بالظروف الاقتصادية، أو بانخفاض الإنفاق الحكومي، أو قيام بعض الجهات بسحب جزء من أرصدتها، أو لجوء الموظفين والمواطنين إلى استخدام مدخراتهم لمواجهة متطلبات المعيشة. لكن الاقتصار على هذه الأسباب قد يقودنا إلى نتيجة غير مكتملة، لأن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه هو: لماذا لا تبقى أموال المواطنين داخل الجهاز المصرفي؟ ولماذا لا تكون المصارف الخيار الأول لمن يريد حفظ مدخراته وتنميتها؟ فالمواطن العراقي، شأنه شأن أي مواطن في العالم، لا يرفض الادخار، لكنه يبحث عن المكان الذي يشعر فيه أن أمواله آمنة، وأن الوصول إليها سهل، وأن إيداعها في المصرف يمنحه فائدة أو منفعة أفضل من الاحتفاظ بها نقداً خارج الجهاز المصرفي. ولذلك فإن تحميل المواطن مسؤولية انخفاض الودائع والقول إنه لا يميل إلى الادخار قد يكون تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالوديعة المصرفية في جوهرها ليست مجرد مبلغ من المال، وإنما هي ثقة. والمواطن عندما يضع مدخراته في المصرف فإنه يمنحه شيئاً أكبر من المال؛ يمنحه ثقته. وهذه الثقة لا يمكن أن تُبنى بالإعلانات وحدها، وإنما تحتاج إلى خدمات مصرفية جيدة، ووضوح في الإجراءات، وسرعة في إنجاز المعاملات، وحماية حقيقية لحقوق المودعين، ومنتجات ادخارية قادرة على منافسة الاحتفاظ بالنقد في المنزل. وهنا تقع مسؤولية المصارف العراقية، وخصوصاً المصارف الحكومية، في إعادة التفكير بطريقة تعاملها مع المدخرات. فالمصرف الذي يريد جذب الودائع لا يكفيه أن يطلب من المواطن أن يضع أمواله لديه، بل عليه أن يقدم له سبباً مقنعاً لذلك. لماذا يضع المواطن عشرة ملايين دينار في المصرف؟ ماذا سيحصل في المقابل؟ هل سيحصل على عائد مناسب؟ هل يستطيع الوصول إلى أمواله بسهولة؟ هل يستطيع إدارة حسابه إلكترونياً؟ هل هناك منتجات ادخارية مختلفة تناسب الموظف والشاب ورب الأسرة وصاحب المشروع الصغير؟ وهل يشعر المواطن أن المصرف يقدم له خدمة حقيقية مقابل أمواله؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمثل جوهر المنافسة المصرفية الحديثة. فالدول التي نجحت في رفع معدلات الادخار لم تكتفِ بمطالبة مواطنيها بإيداع أموالهم، وإنما عملت على جعل الادخار نفسه سلوكاً سهلاً ومجزياً، من خلال تنويع الحسابات والودائع، وتقديم حوافز للادخار طويل الأجل، وتطوير الخدمات الرقمية، وربط الادخار بالخدمات المصرفية الأخرى، بحيث يشعر المواطن أن وجود أمواله داخل المصرف يحقق له قيمة مضافة. ومن هنا يمكن للمصارف العراقية أن تطور منتجات ادخارية أكثر تنوعاً، مثل حسابات ادخار للموظفين، وحسابات للشباب، وحسابات للأطفال، وودائع لأجل بمدد مختلفة، وبرامج للادخار المنتظم، بحيث يستطيع المواطن أن يختار المنتج الذي يتناسب مع دخله واحتياجاته، بدلاً من أن تكون العلاقة بين المواطن والمصرف محصورة في حساب راتب أو حساب جارٍ. لكن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وربما تحتاج إلى معالجة أكثر دقة، وهي قضية السقوف والإجراءات المفروضة على الإيداعات النقدية. فمن الطبيعي أن تكون هناك ضوابط مصرفية للتحقق من هوية العميل ومصدر الأموال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه ليست إجراءات يمكن الاستغناء عنها، بل هي جزء أساسي من النظام المصرفي الحديث. غير أن التحدي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين الرقابة المطلوبة وبين عدم تحويل إجراءات الرقابة إلى عائق أمام دخول الأموال المشروعة إلى الجهاز المصرفي. فإذا كان المواطن يمتلك أموالاً من مصدر مشروع ويرغب في إيداعها في المصرف، فإن المطلوب ليس بالضرورة إلغاء السقوف أو الضوابط، وإنما إيجاد آلية أكثر مرونة ووضوحاً. يمكن، على سبيل المثال، أن يكون هناك مسار خاص للإيداعات الكبيرة يتضمن التحقق من هوية العميل ومصدر الأموال والوثائق المؤيدة لذلك، ثم السماح بالإيداع متى ثبتت مشروعية الأموال. وبذلك نحقق هدفين في وقت واحد: نحافظ على الرقابة المصرفية ونمنع الأموال المشروعة من البقاء خارج النظام المصرفي بسبب تعقيدات أو حدود لا تتناسب مع طبيعة التعامل. فالمفارقة أن المصرف يريد زيادة الودائع، بينما قد يشعر بعض المواطنين في الوقت نفسه أن إدخال مبالغ كبيرة إلى المصرف أكثر تعقيداً من الاحتفاظ بها خارج المصرف. وهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة، لأن الهدف النهائي للسياسة المصرفية يجب أن يكون إدخال الأموال المشروعة إلى الجهاز المصرفي، لا دفعها إلى البقاء خارجه. كما أن استعادة الودائع لا يمكن فصلها عن مسألة الثقة بالمصارف. فالمواطن لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة أو العائد، وإنما ينظر إلى سمعة المصرف، وقوته، وشفافيته، وسهولة التعامل معه، ومدى قدرته على تقديم الخدمة في الوقت المناسب. ولذلك فإن إصلاح المصارف الحكومية وتطوير الحوكمة والإدارة المصرفية وتعزيز الرقابة وإعادة بناء الثقة يجب أن تكون جزءاً من أي استراتيجية حقيقية لاستعادة الودائع. وفي هذا السياق، فإن التحول الرقمي يمكن أن يلعب دوراً مهماً أيضاً. فالمصرف الحديث لم يعد مجرد بناية يدخل إليها المواطن ليودع أمواله أو يسحبها، وإنما أصبح منصة يستطيع من خلالها إدارة أمواله على مدار الساعة. وكلما أصبحت عملية فتح الحساب، والتحويل، والإيداع، ومتابعة الرصيد، والحصول على الخدمات المصرفية أكثر سهولة وأماناً، أصبح من الأسهل إقناع المواطن بإبقاء أمواله داخل المصرف. لكن كل ذلك يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير. فلا ينبغي أن تكون معالجة انخفاض الودائع مجرد حملة إعلامية تطالب المواطن بأن "يدخر" أو "يضع أمواله في المصرف". المواطن لا يحتاج إلى من يشرح له أهمية المال، فهو يعرف قيمة مدخراته جيداً، وإنما يحتاج إلى مؤسسة مالية تقدم له أسباباً عملية ومقنعة للاحتفاظ بهذه الأموال لديها. وقد يكون من المفيد أن تطرح المصارف على نفسها سؤالاً بسيطاً: إذا كان المواطن يمتلك عشرة ملايين دينار نقداً، فما الذي سيجعله يضعها في المصرف بدلاً من الاحتفاظ بها في منزله؟ إذا كانت الإجابة هي الأمان، فيجب أن يشعر بهذا الأمان. وإذا كانت الإجابة هي العائد، فيجب أن يكون هناك منتج ادخاري جذاب. وإذا كانت الإجابة هي سهولة التعامل، فيجب أن تكون الخدمات سريعة وبسيطة. وإذا كانت الإجابة هي الحصول على خدمات مصرفية أفضل، فيجب أن يجد المواطن هذه الخدمات فعلاً. إن التجارب الدولية تؤكد أن جذب المدخرات لا يتم بالإجبار، وإنما ببناء منظومة تجعل الادخار داخل الجهاز المصرفي أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالنقد خارجه. ولذلك فإن العراق لا يحتاج فقط إلى دعوة المواطنين إلى الادخار، بل يحتاج إلى صناعة بيئة مصرفية تجعل المواطن يرغب في الادخار. فالودائع المصرفية ليست أموالاً ساكنة، بل تمثل أحد المصادر الأساسية التي يمكن من خلالها للمصارف أن تمارس دورها في تمويل الاقتصاد، وتوفير الائتمان للمشروعات والشركات والأفراد، وتحريك النشاط الاقتصادي. وكلما اتسعت قاعدة الودائع المستقرة، ازدادت قدرة الجهاز المصرفي على أداء دوره الحقيقي في الاقتصاد. ومن هنا فإن معالجة انخفاض الودائع ينبغي ألا تبدأ بالسؤال: كيف نقنع المواطن بإيداع أمواله؟، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: كيف نجعل المصرف المكان الذي يختار المواطن أن يضع أمواله فيه؟ إنقاذ الودائع لا يبدأ من جيب المواطن، وإنما من المصرف نفسه؛ من جودة خدماته، ومن قدرته على بناء الثقة، ومن منتجاته الادخارية، ومن مرونة إجراءاته، ومن قدرته على مواكبة التكنولوجيا، ومن احترامه لوقت المواطن وماله. وعندما يصبح المصرف أكثر أماناً وشفافية وسهولة وجاذبية، فإن المواطن لن يحتاج إلى حملة طويلة لإقناعه بإيداع أمواله، لأنه سيصل بنفسه إلى النتيجة التي نريدها جميعاً: أن يكون المصرف هو المكان الطبيعي والأفضل والأكثر أماناً لمدخرات العراقيين.
Since 17/01/05. web counter