ناصر الثعالبي
فراش مدرسة المربد احرص على وثائق الطلاب
من احد وزراء التعليم العاليناصر الثعالبي
من غير المألوف ان يعود رجل غادر العراق منذ ثلاثة عقود خلت ، هي ثلاثة قرون لرجل احب بلده. جاء ليستذكر مدرسته الابتدائية ،قبل كل شئ .
الصديق (العزيز ابو نورس *)، تجاوز نفايات البصرة مارا باكداسها الملقاة وسط بيوتها ، تلك البيوت التي كانت مع بساطتها نظيفة مثل قلوب آهاليها قبل ان تتلوث بسموم البعث والطائفية وفتاوى الموت واحزان الحروب، انها مدرسة المربد الابتدائيه في البصرة .
ذاكرتنا ارتبطت بها ،كنا نسميها مدرسة (الَدّبّه) وهو اسم تركي ، لم ادرِ لماذا كانت ساحتها الكبيرة تمثل تاريخا سياسيا ورياضيا ؟ ،اول مرة وانا صغير حضرت سباق للجيش فاز به نائب العريف حسن جيراننا في محلة الرباط الكبير. وهو من القوة النهرية آنذاك، وحين كبرت كانت بعد ثورة تموز يتدرب بها مناضلو المقاومة الشعبيه ، وهي تقع خلف سوق القشله وقرب (سوق دانيال) سابقا بمحاذات نهر الخندق الخالد..في الساحة المقابلة لها كانت تعرض بضائع أمارات الخليج الفقيره، ياتون لغرض بيع السمك الصغير المجفف والمالح يطلقون عليه اسم (متوت) اصحاب الابراج العالية اللآن!
وبجانبهم يعرض المبشرون المسحيون بضاعتهم ايضا ،انهم يعرضون الانجيل المقدس.كنت اطلبه منهم دون معرفة كنهه .
يتجاوز العزيز ابو نورس محنة الالم وهو يمر بايامه وسنينه مرسومة على كل شرفة دار،وتحتضن عيناه مياه الخندق .شاهد الدمار البيئي الصامت.تتسارع ذكرياته كانها تريد الانعتاق من مخيلته.تمر محذرة كهولته من الانهزام!
حكايات طفولته مشاغباته، كل شئ يذكره بها .انها مدرسة المربد..! يدخل فناءها متأملا،لازالت جدرانها تحمل عبثا طفوليا ،خطوط منكسرة واخرى خاصمها الزمن، فانزوت تفتش عن ملاذ بين شقوق الطلاء، كل ما فيها يؤكد صمودها.
يمر بلوحة تشير(المدير) يتأبط خجله الذي اعادته اليه ايام دراسته هنا، يقدم نفسه للمدير: استاذ انا طالب درست هنا واريد اشوف مدرستي! تتصاعد تقطيبات المدير لمواجهة رجل انيق تجاوز العقد الخامس من العمر ،ثم يرحب به بحراره. يختصر ابو نورس الحديث. المدير الّلّماح يكشف رغبته الداخلية في رؤية السجلات، لعله يقبل عيونهم الحائرة في تفسير ما يحدث اللآن، فيستجيب له! يريد ان يستنشق عبق ذاك الزمن الجميل، يدس انفه في الاوراق التي اتعبتها السنون. يستحضر اسماء صفه واحدا واحدا.. وبلا استئذان تنساب عصا معلمينا في ذاكرته –هنا يعدل ابو نورس جلسته فقد تذكر ما تعني هذه العصا.
قال المدير: لقد حافظ الفراش على كل هذه الوثائق في مختلف الاحداث، كان ينقلها من ادراجها ويلقي عليها اسماله الباليه كي لا يسرقها او يعبث بها احد.هذه وسيلته الوحيد لحمايتها، لعله ربط بين اسماله التي عانقت جسده طورا كبيرا من الزمن، وبين هذه الوثائق المشاكسه!
تذكرت وانا استمع لتفاصيل زيارة ابي نورس ،كيف ضاعت الوثائق من وزارة التعليم العالي ، في زمن لا تحترم فيه ذمه . تمنيت ان يكون الوزير الذي كان في حرص الفراش .ولكن كيف ؟؟ الوزير جاء راكبا موجة المحاصصه اما الفراش فاعتبر وثائق مدرسة المربد ارثه الذي لا يملك غيره .
هو ارثنا جميعا !!! لك الود والمحبه يا من لازالت ذرات غبار البصرة وملحها يقبل فوديك كل صباح .
* ابو نورس: حسين عبد الامير