نعيم الزهيري
الأحد 8/4/ 2012
مأساة الريف العراقــــــــــــــــــــي
من البعث المقبور الى المحاصصة الطائفية ...نعيم الزهيري
يشهد الريف العراقي تدهورا كبيرا منذ اوائل عقد الثمانينات ولحد الان وبالتحديد منذ الحرب التي شنها النظام العراقي على ايران .
ففي كردستان التي يشكل انتاجها 60% من محصولات العراق الشتوية ، وبالاخص الحنطة ضمن الخط المطري . وبسبب ابعاد الفلاحين عن اراضيهم وبساتينهم وحشرهم في مجمعات سكنية قسرية بعيدا عن اي نشاط انتاجي ، وتدمير( 4500 ) قرية وسد منابع العيون وحرق المزارع والبساتين والابادة الجماعية بالسلاح الكيمياوي ، افرغت مساحات لا تقل عن 55 الف كيلو متر مربع من ساكنيها وتبعثرهم في المدن ، او لجوئهم الى الدول المجاورة وقد وصل الامر حد القضاء على المشاريع التي خططت لها السلطة وانجزتها هي بنفسها لمصلحتها ومصلحة ازلامها السائرون بركابها ، وشمل الخراب الثروة الحيوانية ، وحتى الغابات الطبيعية ، وبذلك تحولت كردستان الى ارض بلا سكان ، كما اراد وصرح به رأس النظام مرارا ً ...
وفي الجنوب تضررت منشآت الري ، وسدت السواتر والاستحكامات العسكرية مجاري المياه فتحولت المناطق الزراعية الى ارض قاحلة علتها الملوحة والكثبان الرملية ، وصارت خارج نطاق الارض الزراعية ، كما حل الدمار باشجار النخيل فقطعت واستعملت كسواتر للجيش في الحرب ، وبالاخص بعد انتفاضة اذار/1991عندما صارت ملجأ ً للثوار ... ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل اقدم النظام الدكتاتوري على جريمة تجفيف ( 10 ) الاف كيلومتر مربع من البحيرات والاهوار كهدف ظاهر ، لكن الحقيقة هي لجوء المعارضة الوطنية في الجنوب الى الاهوار.. كما شددت الدكتاتورية من اجراءات القمع على ايدي رجال الامن والمخابرات وفقا لما سُمي ( خطة العمل في الاهوار ) فعملت على افراغ القرى من ساكنيها تمهيدا لحرقها وتدميرها بشكل كامل ... ففي نيسان 1992 اقر المجلس الوطني السلطوي في بغداد اجراءات لارغام سكان القرى على السكن في مجمعات قسرية مثلما فعلت في كردستان ، وبذلك تم تدمير اكثر من ثلاثة الاف قرية وقصبة في محافظة البصرة والناصرية والعمارة في الجنوب ، والديوانية والسماوة والحلة في وسط العراق . ولما كانت ملاحقة المعارضة ظاهرة للعيان واساسية ، هناك ايضا اعتبار اخر وهو وجود النفط في مجنون ونهر عمر والطيب والتي يمكن باستغلاله لكي يؤدي الى ارتفاع الانتاج النفطي العراقي من ( 3.2 ) الى ( 5.6 ) مليون برميل يوميا ، وبالرغم من وجود الحصار الاقتصادي على العراق جرى التساوم سرا ً مع شركتي ( الفاكيتان وتوتال ) الفرنسيتين للنفط ووعدهما باستثمار هذه الحقول بعد رفع الحظر على العراق . ومن هنا نرى موقف الجانب الفرنسي مؤخرا ً من قضية الحصار على العراق ...
وليس كما كان النظام العراقي يتصور بان الحرب مع ايران " نزهة !! " ولكن هذه النزهة دامت ثماني سنوات وتطلبت الكثير من الوقود البشري لديمومتها ، وكذلك الاعداد للحرب الثانية ــ غزو الكويت ــ اضافة ً للحرب الدائمة ضد الشعب داخليا ً . فتم سوق القوى النشطة من الفلاحين الى محرقة الحرب واضطهاد الفلاحين ومطاردتهم وانتزاع اراضيهم عنوة واعطائها الى اناس لا علاقة لهم بالزراعة والانتاج الزراعي فانخفض عدد العاملين في الريف الى دون ( 700) الف بعد ان كان يتجاوز ( 1250000 ) في عام 1968 ، ومعظمهم من كبار السن والنساء وهؤلاء اقل امكانية في العمل والانتاج .
اما المساحة المزروعة فعلا فقد تقلصت الى ( 42,8 ) من الاراضي الصالحة للزراعة (1) . وتشير الدراسات الحكومية الى الفقدان السنوي من الاراضي الزراعية يتراوح بين ( 50 ـ 70 ) الف دونم بسبب التصحر والملوحة، وهذا الرقم يعادل الاراضي التي استصلحت من عام ( 1968 ـ 1984 ) (2) .
وحوربت التنظيمات الفلاحية والتعاونيات فالغي معظمها ، فمن مجموع 1900 جمعية في عام 1980 انخفض العدد الى 773 جمعية . هذا اضافة الى تسليط اناس نفعيين ليست لديهم الكفاءة والحرص على ما تبقى منها .
وبيعت محطات تأجير المكائن والمعدات الزراعية وافضل مزارع الدولة باثمان بخسة الى ازلام النظام بعد ان حلبوها الى اخر قطرة ، وانتفعوا مما قدمته الدولة لها من دعم ، وتوج ذلك بالقانون رقم (3) لسنة 1983 الذي بموجبه تم تأجير ( 5,400 ) مليون دونم للاشخاص والشركات . (3)
وحولت مؤسسات ومعامل انتاج المكائن والمعدات الزراعية الى انتاج الاسلحة واللوازم الحربية ، كمعمل الاسكندرية في الحلة مثلا ...ً كما استغلت قروض المصرف الزراعي التعاوني لاغراض ليست لها علاقة بالزراعة والانتاج الزراعي . واهملت زراعة الحبوب وتدنى انتاج الدونم منها ، وجرى الاعتماد على الاستيراد لسد حاجة 80% من حاجات العراق الغذائية .
وفي الموسم الزراعي 1991 الزم الفلاحون والمزارعون على تخصيص نحو 85 % من الاراضي لزراعة الحبوب ، ومع ذلك جاءت الحملة مخيبة للامال اذ انخفض الانتاج بمقدار الثلث عن العام الذي سبقه (4) . وما اصاب المحاصيل الصيفية والتمور اكثر من ذلك . وان كان العراق قد استورد في عام 1984 ما قيمته 4 مليار دولار من السلع الغذائية ، فانه يحتاج الى اكثر من خمسة مليارات دولار في الاعوام اللاحقة، لنفس الغرض ولتوفير البذور اللازمة للزراعة ...
وبسبب الحرب ،وحسب تصريح وزير الزراعة والري لجريدة الجمهورية في ( 11/10/1991 )
بقول : بلغت الاضرار التي اصابت القطاع الزراعي ،اكثر من 43 مليون دينار،تجاوزت 50 % من انتاج المساحات المزروعة بمحاصيل الحبوب . كما انخفضت المساحات المزروعة بالخضروات الشتوية بنسبة 70 % ، وانخفضت الثروة الحيوانية بنسبة 50 % وتوقفت مشاريع الدواجن والاسماك وانخفض انتاج المشاريع العاملة .. وحسب تصريح اخر للوزير نفسه يقول : ان انتاج العراق من الحبوب والغذاء لا يسد اكثر من 10 % من احتياجاته ، وبسبب تدهور الانتاج المحلي وتدهور القيمة الشرائية للدينار العراقي وعوامل اخرى ، تضاعفت اسعار المواد عشرات المرات، بل ومئات المرات والمتضرر الوحيد هو الشعب الكادح وذوي الدخل المحدود .. وبالرغم من هذه المأساة التي حلت بالشعب العراقي ، فإن رأس النظام الحاكم في بغداد اصر على سياسته المدمرة ، من خلال الدعاية والنفخ في الابواق الفارغة وتهديداته الرعناء ...
ومما تجدر الاشارة اليه ان كل قوى المعارضة العراقية وضعت بالحسبان ارجاع الفلاحين الى اراضيهم وتعويضهم . وهنا يمكن القول : ان انخفاض عدد الفلاحين في الريف وهجرتهم الى المدن ، او وجودهم في مجمعات قسرية ليس مرده سمة التطور وجذب المدينة لهم ، كما يحدث في الظروف الطبيعية دائما ، بل بسبب ظروف شاذة وقسرية ، وهذا ما يسهل عملية رجوعهم اذا ما توفرت لهم الطمأنينة والمساعدة الضرورية ، ولكن يجب الاّ يغيب عن البال ان الكثير من العناصر الشابة يمكن ان تكون قد تكيفت للعيش في المدينة ولو بأسوأ الظروف واصعبها ، وبذلك فان ايلاء الريف الاهتمام الاستثنائي وجعل الحياة فيه مقاربة للحياة في المدينة واعطاء التسهيلات والمحفزات لمن يرغب في الرجوع ، سيجعل منه مكان جذب لمن تركه او لمن يريد العمل فيه من غير سكانه الاصليين . امــا الاعتماد على الآلة (المكننة) للتعويض عن نقص اليد العاملة التي فقدها الريف ، فهذا امر تحسمه امكانيات البلد واتجاهات تطوره ...
وبعد سقوط النظام الكتاتوري على ايدي المحتل وتخريب العراق المتعمد والفوضى التي سادت البلاد من نهب وسلب تحت انظار قوات الاحتلال ، بل ، ومساعدتها ، وقد اعقب ذلك ما يدعى بسياسة السوق الحرة ( سياسة بريمر المشؤمة ) التي فتحت حدود العراق للبضائع الاجنبية ؛ وما يهمنا هنا هو القطاع الزراعي الذي شهد تدميرا كاملا ، وصار الاعتماد على استيراد المنتجات الزراعية من ايران وسوريا وتركيا والاردن ... وغيرها . لقد اهملت الزراعة ، ففي كردستان مثلا صار انتاج العائلة الفلاحية لا يسد احتياجاتها مما دفع ابناء الريف التطوع في سلك القوات المسلحة ( البشمركَة ) او العمل كسواق تاكسي ..! فماتت الحرفة ومات الانتاج الزراعي والحيواني وصارت تجارة الاغنام والحيوانات الاخرى من افضل انواع التجارة المربحة ... وما صار في كردستان صار في الوسط وفي جنوب العراق بشكل أسوأ لآن هوية اكثرية المسؤلين المرتبطة بايران تسهل ذلك ، ولا نبالغ اذا ما قلنا ان جنوب العراق صار سوقا للمنتجات الايرانية ...
وفي نطاق الثروة المائية فيجري نهبها من قبل دول الجوار ؛ سدود تركيا وسوريا على نهري دجلة والفرات ؛ قطع مياه الروافد من قبل ايران من الشمال الى الجنوب فانخفض مستوى الماء في الانهار ، وعلت الملوحة وزاد تدهور الاهوار ، ذلك اضافة ً الى ما هو أسوأ ونقصد به الفساد الاداري والمالي ، وهو من نتائج سياسة المحاصصة المقيتة .
والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة " كيف يمكن اصلاح البين ونعيد العافية للريف ؟؟ نقول نعم يمكن معافاة الريف ، متى ما ازيحت حكومة المحاصصة وصار الاخلاص للوطن وليس للجيب والطائفة والقومية وهذا يتطلب جهوداً كبيرة ووقتاً ليس بالقصير ...
ألمصادر :
(1) مجلة النفط والتنمية تشرين الاول ،تشرين الثاني /1989
(2) تقديرات منظمة الاغذية والزراعة العالمية (فاو)
(3) تصريح وزير الزراعة والري / جريدة الجمهورية البغدادية في 18/7/1990
(4) تقديرات منظمة الاغذية والزراعة العالمية (فاو) .
ملاحظة هامــة : وفقا للتقرير الصادر عن الكونغرس الامريكي في عام 2004 يقول : لا يمثل الانتاج الزراعي في العراق سوى 4% من الناتج المحلي الاجمالي... كما اشار تقرير منظمة ( فاو ) في عام 2008 الى ان ثلث سكان العراق يقيمون في المناطق الريفية ويعتمدون في رزقهم على الزراعة ، وان 69% من العراقيين الساكنين في الريف يعانون من الفقر المدقع وانعدام الامن الغذائي .... ووفقا لوزارة الزراعة ان الملوحة تؤثر على ما لايقل عن 40% من الاراضي الزراعية ، وبهذا فان الجفاف خفض من انتاج القمح بنسبة 55% . وبذلــك
خططت الحكومة العراقية لاستيراد80% من احتياجات القمح والارز في عام 2010 وفي عام 2011 كان استيراد الحبوب اكثر ...
وتفيد شبكة النبأ الى : ان ظاهرة التصحر والجفاف واهمال الحكومة والمزارعين للقطاع الزراعي ، حيث اتجه اغلب المزارعين الى العمل في الشرطة والجيش والوظائف الحكومية الاخرى ، والبعض الاخر تحول من الزراعة الى تجارة المنتوجات الزراعية او التجاررة العامة كونها تدر ايراد اكبر.... هذا بالاضافة الى لجوء تحويل الاراضي الزراعية المتاخمة للمدن الى قطع سكنية صغيرة لغرض البناء وبذلك تقلصت المساحات الريفية مما شكل تهديدا للسلامةالبيئية والامن الغذائي ...
اواخر اذار/ 2012