| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

رحيم الحلي

arsrks@yahoo.com

 

 

 

 

الأحد 16 / 9 / 2007

 


 

حكماء ريش

رحيم الحلي

ديوان حكماء ريش هو للشاعر المصري الشجاع نجيب سرور ، ولد عام 1932 في إحدى القرى الفلاحية في منطقة الدهقلية ، هذه القرى التي تعيش البؤس والحرمان والإهمال ، والذي تتحكم بحياة أهلها بقايا الإقطاع من الملاكين الذين تسببوا بشيوع الفقر والجوع والظلم ، من رماد الفقر انطلقت صرخته ، وأدركت عيونه الحادة معالم الخلاص ، وعرف أن الفكر اليساري ومنهجه هو طريق الانعتاق من ظلم الإقطاع والرأسمالية التي استهانت بحياة الملايين ،وكان الطابع المحلي لهذه الطبقتان هو البدائية بما اتسمت من قسوة وفظاظة همجية.
ترك دراسته في كلية الحقوق واتجه بمعهد الفنون المسرحية وحصل على الدبلوم عام 1956 ، حيث وجد ميلاً في ذاته نحو الأدب والفن ووجد في المسرح الفضاء الرحب كي يوصل كلمته للناس ، ويعير عن غضبه وثورته بوجه الظلم .

وقصرٌ هنــالك فوق العيون ذهبنـا إليه
يقولون.. فى مأتـم شــيدوه
و من دم آبائنا والجدودِ وأشــلائهم
فموت ٌ يطــوف بـكل الرؤوسِِ ِ
وذعر ٌ يخيـم فــوق المـٌقــل
وخيــل ٌ تدوس على الزاحفــين
وتزرع أرجلهــا في الجـثت
وجدَّاتنــا في ليـالي الشــتاء
تحدثـننا عن ســنين عجــاف
عن الآكلين لحـوم الكلاب ِ
ولحم الحمير.. ولحم القطط ْ
لمـاذا أبي ؟ "
و كان أبي صــامتا في ذهول
يعــلق عينيــه بالزاويـة
وجـدِّي الضــريرْ
قعيـد ُ الحصــيرْ
تحسـَّسـَني و تولـَّى الجـواب ْ :
" بنـي َّ.. كذا يفعل الأغنيــاء ُ بكل القرى " !

سمعت باسمه ذات يوم عندما كنت اردد نشيدا ثوريا بعنوان ياشعرا ، كان الملحن الكبير كمال السيد يدربنا على أداء اللحن ، سألنا ه عن الشاعر أجابنا انه الشاعر المصري نجيب سرور.
لقد حفر اسمه في قلوبنا ،المفروض الواحد فيكو يعيش الحرف ياشعرا،المفروض يتوضا بدموا ويعيش الحرف ويقرا ازاي ولمين وبمين بتكون الثورة ،الثورة ياشعرا .
كنت انظر إلى كثير من الشعراء لم أرى احد يقبل إن يتوضا ولو بالماء ،قتلوا فيهم روح الثورة زرعوا فيهم الخدر ونوموهم مغناطيسيا,ارادوهم بوقا ينفخ فيه،لا ادعو إن يتشرد الشاعر في الشوارع ، جائعا هائما على وجهه ، لكن لا احب إن يعيش بعيدا عن الناس وهمومهم.

قد آن ياكيخوت للقلب الجريح
أن يستريح ،
فاحفر هنا قبراً ونم
وانقش على الصخر الأصم :
" يا نابشا قبرى حنانك ، ها هنا قلبٌ ينام ،
لا فرق من عامٍ ينامُ وألف عام ،
هذى العظام حصاد أيامى فرفقاً بالعظام .
أنا لست أُحسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكنَ قلبي كان دوماً قلب فارس
كره المنافق والجبان
مقدار ما عشق الحقيقة
لازلت تعشق الحقيقة
لم يتعبك الموت ولاوحدة القبر ولم يتسلل الخوف إلى قلبك
هو لم يمت بطلاً ولكن مات كالفرسان بحثاً عن بطولة ..
لم يلق في طول الطريق سوى اللصوص!!!

عاش في الدول الاشتراكية إثناء إكماله دراسته العليا في الإخراج المسرحي في الاتحاد السوفيتي وعاش عدة سنوات أًًََُُخر في هنغاريا ،عاش اغترابا مركبا اغتراب المكان والبعد عن بيئته التي عاش بها،والاغتراب الفكري والتناقض بين الفكر الاشتراكي الذي امن به، والواقع الفاسد وسيطرة البيروقراطية والمفسدين وأجهزة القمع، وهو الذي كان يحلم كشاعر بالمجتمع الفاضل ونظام الفضيلة وحزب الفضيلة ،فرأى الفقر والحرمان ورأى القطط السمان التي تركها وراءه في مصر اختلفت الأسماء والألوان ،عاد إلى مصر وياليته ما عاد للتهميش والكراهية على خلفية معتقده السياسي، فهو لم يتخلى عن حلمه الاشتراكي، عن نظرية البؤساء التي إن تخلوا عنها فبأي قشة سيتمسكون ، ومن سيقدٌر مثله فهو لم يستطع إن يكذب على نفسه أو على الآخرين، وقد عاش الإحباط الكامل و قُتلت أحلامه، كان عليه إن يسكت عن النواقص وهي ليست نواقص بل هي النقص كله فهام على وجهه رافضا واقعه لكن إلى أين يرحل ؟واين يذهب ؟

يا مصر
يا وطنى الحبيب ْ
يا عشَّ عصفور رمته الريحُ فى عش ٍ غريبْ
يا مرفئي
آتٍ انــــــــا آتٍ..
و لو فى جسميَ المهزول آلافُ الجراحْ..
و كما ذهبتُ مع الرياح..
يومـــا ً أعودُ مع الرياح..
و متى تهبُّ الريح ُ
أو هبـَّتْ
فهل تأتى بما يهوى الشراع ْ ؟
ها أنتَ تصبحُ فى الضيــاع ْ
فى اليأس..
شاة ً عاجزة ْ..
ماذا لها إن سـُلـَّتِ السكينُ
غيرُ المـُعجزة ْ ؟!

لم يخشى من العودة لبلد ه رغم معرفته بما سيلاقيه من متاعب واضطهاد ، ولم يخفي ما المه في المنفى.

يا سيداتى معذرة..
أنا لا أجيد القول ، قد أُنْسِيتُ في المنفى الكلام
وعرفتُ سرَّ الصمت.. كم ماتت على شفتيَّ في المنفى الحروف
الصمت ليس هنيهةً قبل الكلام ،
الصمت ليس هنيهة بين الكلام،
الصمت ليس هنيهة بعد الكلام،
الصمت حرف لا يخط ُّ ولا يقال
الصمت يعنى الصمت.. هل يعنى الجحيم سوى الجحيم ؟ !

هل يعود إلى الأوهام الكاذبة !أم إلى الوطن المنهوب وفقراءه المعذبين المتعبين المحرومين الجياع ، فصل من التدريس ، وتعرض لكثير من الأذى ، كان إحباطه كبيرا وحزنه عظيما واحساسه بالناس هائلاً ، فهام على وجهه في شوارع القاهرة فاتهموه بالجنون وماهو الجنون بنظر الفاسدين ؟هو انك لاتقبل إن تأكل البيضة الفاسدة وهذا جنون إن لاتسير بقافلة اللصوص والقوادين والطبالين ،وقد وصفوا الأنبياء بالجنون حين تمردوا على الواقع الفاسد، جنونا إن تبحث عن البطولة وسط الجوع ، جنونا إن لاتنحني البطن الخاوية والظهر المتعب بالأحمال الثقيلة جنونا إن تتحدى العين الخنجر إن يتحدى الدم السيف والظهر المجلود عصا الجلد والجلاد معا.
هذا ما يقوله المترفون بكل ألوانهم وأذنابهم القوادين بحق الثوار بكل ألوانهم.
الوسط الثقافي والفني باعتبارهما يتصلان بالنشاط الاعلامي فقد تم إفسادهما بشدة فكيف يمكن إن يتقبلوا شاعرا ثوريا بينهم مثل نجيب سر يعيش أحلام الفقراء.
كتب الكثير من النصوص والاعمال للمسرح مثل ياسين وبهية اخرجه كرم مطاوع عام 1965 ، واعتبرها الجزء الأول من ثلاثية ضمت آه ياليل ياقمر وهي مسرحية اخرجها جلال الشرقاوي ومسرحية نثرية قولوا لعين الشمس ، ومسرحية يابهية وخبريني عام 1967 اخراج كرم مطاوع وميرامار وهي دراما نثرية مقتبسة من رواية نجيب محفوظ ،وقدم مسرحية نثرية الكلمات المتقاطعة التي تحولت إلى عمل تلفزيوني اخرجه جلال الشرقاوي.
توفي نجيب سرور في 24 أكتوبر 1978 بمدينة دمنهور بمصر عن ستة وأربعين عاما بعد أن عانى من الجوع والتشرد وبعدما ادخل عدة مرات لمشفى الامراض النفسية ، وبعد أن هام على وجهه في شوارع القاهرة ، يحمل على اكتافه ولده شهدي والذي سماه حباً بالقائد المصري الشهيد شهدي عطية .
وكيف لا ابكي هؤلاء المبدعين المظلومين رحلوا مبكرا، لم يقدروا إن يتحملوا النفاق الذي ملأ حياتنا ، ضياع المبدعين وتعرضهم للظلم والإهمال ، حقا إن الأشياء عندما تتوهج تذهب مثل نيزك،سلام لروحك ولذكرك ،سلام لصديقك الأستاذ مسلم باديين الذي أراني ديوانك حكماء ريش ، الذي أهديته إياه في القاهرة تحدث عنك كثيرا ولكن بأسى ، حديث المفتقد لحبيبه ، لمن أقول مفروض الواحد ، لمن سأهديها لا أقول انه لايوجد من يستحقها .
واختم مقالتي بما كتبه في هنغاريا منتقداً الواقع السياسي المليء بالتناقضات والاخطاء والذي يتحمل مسؤوليته الحزب الشيوعي الحاكم ائنذاك بسبب تغلغل الصهيونية والفساد إلى صفوفه كبقية دول ماتسمى المنظومة الاشتراكية.

هل تـُصدقُ ما تقولٌ؟
- الأبُّ قال بأنني حتما ً أعودْ
مَلِكاً على أرض البشرْ
لتَسودَ في الناس المسرةُ و السلامْ!
- لو عدتَ.. منذاَ يعرفـُكْ؟
- سأقول: جئتُ أنا المسيحْ!
- سيطالبونكَ بالدليلْ.
- ستكونُ في جيبي البطاقةُ و الجوازْ.
- هذا قليل..
ما أسهـلَ التزويرَ للأوراقِ في عصرِ اللصوصْ.
و لديهمُ (الخبراءُ) سوف يؤكدونْ
أن الهويةَ زائفةْ!
- لكنْ عليها الختمُ..ختمُ الأبّْ..
- يا بئسَ الدليلْ!
سيؤكدُ الخبراءُ أن الختمَ برهانٌ على زيفِ الهوية!
- سأريهمُ هذى الثقوبْ..
في جبهتي - انظرْ- و في الكفينِ ِ.. في الرجلين ِ..
جئتُ أنا المسيحْ !
- سيقول لوقا: قالَ مرقصُ
إنَّ متََّى قال يوحنَّا يقولْ:
"في البدء كانَ الأمرُ إصلبْ
و الآن صار الصلب أوجَبْ!"
حتماً ستُصلبُ من جديد
همْ في انتظاركَ- كلُّ اتباعِكَ، قطعانُ اللصوص-
همْ في انتظاركَ بالصليبْ...
ماذا؟ أتبكى؟ كلُّ شيءٍ مضحكٌ حتى الدموعْ!
العصرُ يضحك من دموعك، من دموعي،
عصرنا عصرُ اللصوصْ
بل أنتَ... حتى أنت لصٌّ!
لو لم تكن ما كان في الأرض اللصوصْ!
حتى أنا لصٌ.. ألم أُخدع طويلا باللصوص؟!

بعض من كتاباته واعماله الكثيرة
• رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ - دراسة طويلة كتبها عام 1959 ونشر فصولاً منها في المجلة اللبنانية (الثقافة الوطنية) 1959 ثم جمعها وقام وقدم لها محمد دكروب وصدرت في سلسلة (الكتاب الجديد) - دار الفكر الجديد، بيروت 1989 ثم أعيد نشرها كاملة عن دار الفارابي عام 1991
• أعمـال شــعرية عن الوطن و المـنـفي - ديوان كتب قصائده في موسكو وبودابست بين 1959 و 1963 و لم ينشر.
• عن الإنســان الطيب - ديوان كتبه في مـوسـكو فيما بين 1959 و 1963 و لم ينشر
• رسـائل إلي صـلاح عبد الصـبـور - كتبها في مـوسـكو بين 1959 و 1963 و لم تنشر.

* كثير من المعلومات في مقالتي أخذتها من مقالة عن الشاعر نجيب سرور كتبها د مفيد مسوح .