رحيم الحلي
السبت 1/9/ 2007
الطائفية وَهْمُ البؤساء
رحيم الحلي
تتأسس الطائفة ككيان اجتماعي على قاعدة فكرية للتعبير عن مصالحه ، وتنشأ الطوائف عند حدوث الخلافات السياسية والتي يُعَبَرْ عنها تعبيراً أيدلوجياً يستند على النصوص الدينية والتفاسير ، وبمرور الزمن فان هذا الرابط يتعرض للأهتراء بنشوب صراعات داخل الطائفة يؤدي إلى انقسامها إلى طوائف أخرى ، وربما يكون سبب كل هذه الصراعات إما خلاف في التوجه الفكري أو صراع على الزعامة ، وكل طرف يُشَرٍعْ اجتهاده ، ثم يفقد هذا التجمع الديني تماسكه ، ويفقد مضامينه الفكرية ، فلقد نشأ التشيع على اساس طبقي حين وقف الإمام علي (ع) ضد حرف الاسلام ودولته ، من قبل طبقة التجار الأمويين التي تسللت إلى قيادة الدولة ، والتي أحدثت انقلابا سياسيا ودينيا ، وانقسم المسلمون إلى تيار جماهيري ثوري سُموا بالشيعة ، وتيار سلطوي حاول إن يدعي بأنه أصولي يعتمد على الكتاب والسنة و حاول إن يستند إلى النصوص الدينية التي تحتمل التأويل كي تحني رقاب الناس للحاكم الجائر ، وحين يشعر هذا الفريق بالعجز فأنه يستأجر بعض الشخصيات الدينية لوضع الأحاديث ، ولم يكن الخلاف في الواقع دينيا أو فقهيا فلم يفصلهم الزمن عن حامل الرسالة النبي محمد (ص) ، و لم يختلفوا في الصلاة أو الحج أو الصوم أو الزكاة أو في أي ركن من أركان الاسلام أو أصول الدين ، بل كان صراعا سياسيا يحمل في بعض الأحيان تعبيرا اجتماعيا طبقيا ، وأصبح لكل فريق أئمته من الذين يصوغون أفكاره ومعتقداته ، وتصبح الطائفة وكأنها الدين ذاته وتصل الأمور إلى التشكيك في إيمان الطرف الأخر.
لكن الطائفة بمرور الزمن قد تفقد هويتها أو تفقد طبيعتها ووظيفتها السياسية في عدة حالات : حين تصل للسلطة وتقع في مطب المصالح ، أو حين يخدم بعض القادة الدينيين مصالح الحاكم ويجلس في ديوان السلطة الحاكمة ، أو حين يتحالف مع دولة خارجية أو قوى غازية من اجل إنقاذ جماعته من قهر الحاكم الجائر ، فيصبح دون قصد خادما لمصلحة دولة أجنبية ، تغمسه في مغريات السلطة ومكاسبها ،لذا يكون الاستبداد والاضطهاد سببا للغلو والابتعاد عن القواسم المشتركة ومزيد من التمزق والتشرذم .
لهذا فان الطائفة هو تجمع حقيقي لفترة وجيزة ، وتجمع وهمي لفترة طويلة ، يخشى الكثيرون من تمزيق هذا الغشاء الفضفاض ، لكن الصراعات العنيفة والثورات تمزق كل الروابط المتهرئة .
الحاكم الديكتاتور يمتطي الطائفية ليكسب جمهورا ساذجاً ، وليجعل الطائفية حاوية يرمي فيها خيباته ، وبذا يتملص من إحباطه في الحصول على ولاء الناس ارضاءاً لشعور العظمة الذي يمتلكه.
إما الفرد المظلوم والساذج ، فيلوذ بالطائفية لتفسير أخطاء الحاكم الديكتاتور حيث غطت المؤسسات الدينية على الجذور الطبقية والسياسية لواقع الحاكم المستبد ، لأن التحليل الثوري للواقع السياسي يتناقض مع الواقع اللاثوري للمؤسسات الدينية المرتبطة بجهات دولية إقليمية ودولية والممولة لنشاطها .
لذا لاقت الطائفية قبولا عند الحاكم المستبد ، وعند المؤسسات والأحزاب الدينية ، وعند المحتل والدول الإقليمية ، وعند الفرد المغلوب المستضعف .
لكن هذا القبول لن يستمر كثيراً عند الفرد الذي سرعان مايكتشف وهم الطائفية ، ويستيقظ من نومه وسباته ليكتشف حجم الخراب وحجم السرقات وحجم الأكاذيب ، ليشعر بان هذه الخيمة الفضفاضة التي لجأ إليها لن تحميه من حر ولن تقيه من برد ولن تعصمه من جوع ، وسيبحث عن اطر واقعية تجمعه مع أبناء وطنه في هم مشترك لخوض النضال المشترك نحو الحياة الكريمة، فرباط المواطنة والطبقة هو الرباط الاكثر صدقاً للدفاع عن الإنسان وحقوقه.