رحيم الحلي
الخميس 24/5/ 2007
سلاما للحلة الفيحاء
رحيم الحلي
سلاما لمدينة المقابر الجماعية والشهداء : الشهيد أبو عبيس ، قاسم محمد حمزة ، أبو رهيب ، وفاضل وتوت ، ومحمد علي الحمامي ، وحسن رفيق ، واحمد بربن ، وسعيد الصفار ، وابراهيم عثمان عبد السادة ، وقاسم عبد الامير عجام واسماء كثيرين عذرا من الشهداء ذاكرتي أتعبتها المحن والمصائب والغربة الطويلة التي قاربت الثلاثة عقود من الزمن .
سلاما لمدينة اعلام الفكر صفي الدين الحلي ، والمحقق ، والعلامة الحلي ، ومهدي البصير ، وعلي جواد الطاهر ، وطه باقر .
فارقتك كارها مكرها ، مرة بسبب الجور الصدامي ، وظلم مؤسساته ، وحقارة اذنابه ، ومرة بسبب ماهالني من تبدل في طباع الكثيرين ، وسقوط البعض في الدرك الاسفل بسبب الظروف اللاانسانية التي مرت بالعراق ، حرب وحصار ، وتشجيع النظام السابق للنفاق والتحلل الاخلاقي والقسوة ، هذه الركائز الاجتماعية ، اسست القاعدة الاجتماعية لنظامه ، وقدمت له أحد اسباب ديمومته ، واستعصائه ، فالنظام السابق كانت تساعده شلة من المستشارين في المجال السياسي والاقتصادي ، وعلم النفس الاجتماعي او الجماهيري ، هالني الدمار والخراب الحاصل ، لم اعتقد إن أحدا ما قادرا على أعادة دواليب الزمن إلى الوراء ، لكن نظام صدام نجح في ذلك بأمتياز ، فالزمن كما وجدت قد عاد إلى الوراء قرونا ، فقدغابت كل دلائل الحضارة ، بيوت متداعية ، حارات متسخة ، شوارع متأكلة ، دكاكين فارغة ، بيوت خالية من الاثاث ، لا وجود للكهرباء وهو اهم منجز تكنلوجي حضاري ،مواسير المياه صدئة ، والمياه شحيحة ، والفرات تسمر حزينا منخفضا إلى قاعه ، والمثقفون أكثرهم همشوا او غابوا وظهر مثقفون سلطيون وحاول النظام استغلال حالة الجوع لركوب مطية المثقفون المتعبون من الذين احنت الظروف اللاانسانية قاماتهم .
اذناب النظام السابق الكبار منهم هربوا ، اما الصغار فقد تكالب بعضهم للانضمام إلى القادم الجديد والانضواء تحت خيمته حفاظا على مصالحهم وذواتهم ، فاصبح كثير من أعوان النظام السابق والذين ساهموا في ديمومته وديمومة طاحونة الموت ، اصبحوا يرتدوا ثياب أحزاب المعارضة ويحملوا أعلامها ، لدرجة أصبحنا نحن الذين قارعنا الديكتاتورية و افنينا عمرنا في المنافي غرباء ، و كعادتنا لانحب النفاق والادعاء ضعنا في هذه الزحمة ، لم ارى نفاقا مثل الذي رأيت ، ويمكن اعتبار ذلك اعظم منجزات الحكم الصدامي ، لا ننسى إن نظام صدام يرتكز على ذهنية بدوية متخلفة ، تحتقر الثقافة والمدينة والمدنية ، لذا اراد تغجير الثقافة والفرد ، و مُسحت كل التطورات التي حصلت في النظرة إلى المرأة ، وسيطرت افكار الجهل والظلام ، وأنحسرت مساهمة المراة في ميدان العمل ، حيث تعرضت المرأة العاملة إلى ابتزاز مؤسساته الدولة الصدامية وقياداتها الانتهازية القذرة ، فأنزوت الكثيرات من اللواتي رفضن مع اسرهن عمل المراة في مثل هذه الاحوال ، ثم إن أقطاب النظام الذين انغمسوا في اللهو والملذات أحتاجوا إلى كم اكبر من هذه اللذائذ والمشاوي البشرية ، فانتعش سوق النخاسة ، والذي كان يتغذى بما يسقط من النخلة العراقية والتي أهتزت أرضها من صوت المدافع وبسواعد السماسرة الذين هزوا جذعها حتى كادت إن تهوي ، والذين كانوا يلتقطون ما يسقط ليقدموه لأسيادهم النشامى على موائدهم الليلية العامرة ، وساهمت ظروف الحصار والجوع في انهيار بعض الاسر وسقوطها في ظل غياب الرجل بسبب الموت في الحرب او السجون الذي هو أحد أركان الاسرة ، فساهم ذلك في خلق الخلل في توازن المؤسسة الاجتماعية ومنظومتها القيمية ، مما ادى إلى حدوث ظواهر الفساد والتحلل الاخلاقي ، التي كانت غائبة عن مجتمعنا ، وظواهر غريبة كالسرقة وتشكيل العصابات القتل والسرقة ،وحدوث ظاهرة الكبسلة تعاطي المخدرات وشيوع افكار العنف والنفاق والقسوة .
وكان ظاهرة انتشار الافكار الظلامية ملحوظة ،حيث قدمت بعض الدول الدعم المالي الضخم لبعض القوى السياسية ، من اجل تكوين الركائز الاجتماعية وقدمت لها الدعم الاعلامي والدعاية الدينية مستغلين عواطف الناس ، اضافة إلى انهيار المؤسسات الثقافية والتعليمية وارتفاع نسبة الامية وعزل المواطن عن العالم ، ومحاربة الثقافة وقتل المثقفين وهجرة اغلبهم ، واذلال الفئات المتعلمة واشغالها بمتاعب الحياة المرهقة ، أدى إلى شيوع عادات وممارسات وأراء لم تكن موجودة في ماضينا وتقاليدنا وغريبة علينا ، فظهرت ازياء ولبوس غريبة ، فالحفاظ على المرأة وعفتها ، امرا نحترمه ونقدره وهو نابع من احترامنا وحبنا للمرأة وسعينا لانصافها من اجل مساهمتها في بناء الحياة والانسان ، اما النظر اليها بأعتبارها عورة وكائن ضعيف هذا امر نختلف فيه .
المرأة ساهمت منذ عصر الاسلام الاول مع الرجل في كل ميادين الحياة ، إن الاسلام لم يكن رجعيا ، ولم ننظر اليه هكذا ، لكن اقحامه في ميدان السياسة ، وجلوس رجال الدين في بلاط السلاطين ، وجعل الدين في خدمة السلاطين والطبقات الاجتماعية المتنفذة ، هو الذي حرف الدين عن دوره التثويري والتنويري ، وجعل المؤسسة الدينية تقف مع الاقطاع والرأسماليين ، وتساهم في اجهاض ثورة 14 تموز ومنجزاتها وتسخر الدين لاجهاض التطور التقدمي لمجتمعنا وتكفير القوى السياسية المكونة لثورة تموز ومنجزاتها وكان لحزبنا الشيوعي النصيب الاعظم من هذا التشويه والتخريب .
نعم نحن الشيوعيون ، نريد تحرير المرأة من ثقل العادات والافكار الاجتماعية المهينة ، ولكن نريد لها دورا مشرفا وان تكون شجاعة مثل الخنساء ، تساهم مع الرجل في ميادين الحياة المشرفة ، قدمنا نماذج من نساء مكافحات مثل نزيهة الدليمي والشهيدة زينب الالوسي والشجاعة زكية خليفة ، و أم ظافر وام رياض وأخريات كثيرات.
إن القوى السياسية التي تكالبت على السلطة بعد سقوط الصنم ، اصبحت حاضنة ، للقاعدة الاجتماعية للنظام السابق ، وكثير من فدائيوا صدام اصبحوا فدائيوا اصنام جديدة صنعت لا بفعل سحرها ، بل بسحر جعبتها التي امتلات من فتات المحتل التي تدعي معاداته ، وبفعل بعض خزائن الدول المجاورة ، التي اغدقت عليها بالعطاء من اجل النفوذ والسيطرة ، وجعلوا وطننا ورقة على طاولة مفاوضاتهم ، وللدفاع عن مصالح بلدانهم التي لانضمر لها مشاعر العداء بل نحترمهم كجيران وهو جزء من تقاليدنا النبيلة ، ونتمنى لشعوبهم التطور والازدهار .
اما نحن ضحايا صدام من الشهداء والمنفيون والمهمشون ، كنا ورقة صفراء رخيصة رمتها كثير من الاحزاب والقوى السياسية ، الكثيرون يريد جمهورا للفوز بعدد اكبر بمقاعد في في البرلمان لايهم من ولا كيف ، واستخدمت كثير من الوسائل غير المشروعة منها استغلال عواطف الناس الدينية ، واستغلال النتائج السلبية لسياسات النظام الصدامي ، حين مارس الاضطهاد الطائفي وحرم الناس من حق ممارسة شعائرهم الدينية ، مستخدما الطائفية كسلاح رخيص لتقوية ركائز حكمه الديكتاتوري ، وزرع بذور الصراع والكراهية الطائفية بين أبناء شعبنا ، فأستثمرت الاحزاب الطائفية هذا الواقع اقصى استثمار لتقوية نفوذها وانجبت ملوكا جدد اصبحوا ملوك الطوائف ، ولكن اثبتت تجارب الحياة إن الذين يصطادون في الماء العكر فقط ، هم الصيادون الفاشلون .
إن الاحتلال يسعى لتكوين طبقة سياسية ، تتوافق ومصالحه ، والدول المجاورة تسعى لتقوية احزابها الموالية ودفعها إلى مواقع السلطة والتحكم ، وتنفق كثير من المليارات في هذا الاتجاه ، وسيخسر شعبنا الكثير من اصوات ابناءه الشرفاء الذين ينتمون لترابه جسدا وولاءا لأنهم لايملكون سوى دعمه ، وقد اصبح شعبنا عاريا امام هذه المكائد بعد إن تركه النظام الصدامي عاريا امام العاصفة .
كان القادمون الجدد من الحاكمين ، يبحثون عن اسباب البقاء والديمومة ، لم يعد يكترثوا بما كانوا يدعون ، لم يتردد البعض في التحالف حتى مع بقايا النظام السابق ، من اجل الحكم ومزاياه لا غير ، واستخدمت ورقة الطائفية بطريقة مشابهة لتلك التي استخدمها الصنم من اجل البقاء على الكرسي ، المهمشون لا زالوا مهمشين ومهشمين ، وكأن الذي جرى هو تبديل طبقة سياسية بأخرى او بيدق ازرق مستهلك بأخر اسود ، لم نرى منجزا لشعبنا ، وهو امر ليس بغريب ، لأن الذي اسقط النظام السابق ليس ابناءه ولاقواه الثورية او الوطنية ، بل أسقط بواسطة قوات الاحتلال لأقوى واشرس دولة رأسمالية ، ليست من مصلحتها إن يحكم العراق نظاما وطنيا او ثوريا ، ومن هنا جاء التهميش المتعمد للقوى الوطنية والديمقراطية وفي المقدمة القوى اليسارية ، والتهميش لأنصاره و شهداءه ، وتم تأسيس حكما بيروقراطيا لا شعبيا .
سلاما لك ياعراق ايها الجريح المستباح ، سينهض ابناؤك من تحت الرماد ، سيخرج المحتلون واذنابهم ، وستنتهي المليشيات المأجورة وكل قوى التكفير و الارهاب ، وسيمكث في ارضك من نفع الناس ، ستزول الالغام وسينبت مكانها الكما والفطر البري وشقائق النعمان الخجلى من لونها الذي تعب الناس من رؤيته ، بسبب نهر الدم الجاري ، واصطباغ ارضك بالاحمر ، سيعود صفي الدين الحلي إلى مدينته يوما في ليلة مقمرة وسنمشي وراءه في حاراتك الفقيرة ودرابينك الضيقة ، كي أزور قبور الاولياء الصالحين ، وبيوت الشهداء ، واطمئن من إن ابناءهم قد ناموا هانئين ، وسأضع زهرة امام بيت كل شهيد سأحتاج إلى عربة من الازهار تحمل الاف الوردات الحلوة مثل وجوه الشهداء ، سأغني أغنية الشاعر كاظم الرويعي ليلة ويوم ، غفة رسمك بعيني من الصبا لليوم ، واغنية سعدي الحلي الأخرى اجيتك من بعد غربة أجيت بليلة كمرية ، فيخرج القمر من مخبأه ، ويفرش ضياءه الجميل ،كي تتكسر سيوف الظلام ، وتزول الكوابيس وتعود المحبة .