| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

رحيم الحلي

arsrks@yahoo.com

 

 

 

 

الأثنين 25/6/ 2007

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 


سلاما للاوفياء
 

رحيم الحلي

تعرض الشييوعيين في تاريخهم النضالي الطويل ، إلى اتهامات سهلة التلفيق والتصديق ، وهي اتهامات مدروسة ،من خلال معرفة مروجيها بواقعنا الاجتماعي ، والقيم السائدة ، حيث اتهموا الشيوعيين بالكفر وعدم احترام المقدسات الدينية ، وبأنهم اباحيون وان المرأة مشاع عندهم ،ومن خلال عملي الطويل مع الشيوعيون ، كان همنا الوقوف بوجه الظلم الاجتماعي ، كنا نريد حل المشاكل القائمة ، ولم نرغب بإعطاء حقن مورفين للفقراء من ضحايا الإقطاع والرأسمالية الناشئة ، والنظم السياسية المتحالفة معهما ،ولم نرغب بأشغالهم بالماضي ونبعدهم عن الحاضر واشكالياته ،رغم إننا كنا نتعلم من مأثر الإبطال في مسيرة التاريخ الإنساني ونستلهم الدروس والعبر من اجل الاستفادة منها في وقتنا الحاضر ، من اجل تعليم أنفسنا والآخرين معانيها وإبعادها النبيلة ، وليس من اجل ذرف الدموع ، أو السب والشتم لأشخاص رحلوا منذ قرون عدة ، لا البكاء ينفع من رحلوا إلى ربهم شهداء خالدين ، ولا الشتائم تضر الميتين الظلمة ، ولم نكن من دعاة الوقوف على الأطلال ، لِنُقَبل جدران الماضي التليد فتكاثر علينا الأعداء من قوميين متشددين وقوى دينية مسيسة، ووجدت الولايات المتحدة من هؤلاء حليفا في معركتها الفكرية والسياسية مع اليسار العالمي .
إما تهمة الاباحية التي وجهت لنا ، متأتية من رغبتنا بتحرير المرأة من قيود الاضطهاد والاحتقار النابعة من موروث اجتماعي شديد التخلف ، حاول الرجعيون توظيف الدين لخدمة أفكارهم والدين من ذلك براء ، وهو الذي منع الوأد وكان ثورة حقيقية لصالح المرأة آنذاك ، وصان المرأة بإلغاء الزنا ، الذي هو امتهان لكرامتها ، واحترم المسلمون المرأة وشاركتهم في معاركهم ، و تحركت مع جيوشهم ولم تبقى سجينة البيت ،وكلنا يعرف مافعلت الخنساء ، وما قامت به السيدة زينب( ع) في الدفاع عن إخوتها الإبطال في جهادهم المشرف ضد طغيان الظلمة .
وبهذه التهمة اتفق ضدنا القوميون المتطرفون الذين يعودوا إلى أصول بدوية ، تركت أثرها في تكوين منطلقاتهم الفكرية ، والأحزاب الدينية التي أسسها رجال دين تحالفوا مع الإقطاع وكبار التجار ، تؤيدهم فتاوي كبار رجال الدين الذين أُسْتُخدموا لأغراض سياسية لاوطنية ولا شعبية.
وكشيوعي لم انقطع يوما عن زيارة الشهداء والعلماء ،وكان للحزب الشيوعي موكب العباسيين الشهير ، وكان هناك شعراء شيوعيين كتبوا كثيرا في قضية الحسين (ع)،وشاركتُ في زيارة الحسين في أحلك الظروف ، وكان حبا صادقا ، صافيا ، خاليا من الغايات الفردية ، وقبل إن أغادر العراق ،ودعتُ الحسين (ع).
وعند إقامتي في سوريا ، كنت ازور مقام السيدة زينب (ع) بانتظام ،وكان البعض من عناصر الأحزاب الدينية ينظروا لي بإستغراب عند زيارتي ، ولو سألني احدهم لماذا ازور الشهداء والقديسون ؟ سأجيبهم :
ازور الشهداء ليس برغبة الشفاعة ، أريد إن يشفع لي عملي ، لا أحب إن أعكر صفاء حبي لهم ،فهؤلاء هم مثَّلي وقادتي في غربتي وعزلتي وخيبتي ، حين أحبطتني أفعال الانتهازيون في الحزب ، ففي فترة الحكم الديكتاتوري المهووس ، اخترقت صفوف الحزب أعداد كثيرة من المندسين ، بتكليف من أجهزته القمعية ، تظاهروا بتأييد أفكارنا ولكن أفعالهم والزمن قام بفضحهم، إضافة إلى انتهازيين آخرين ، كان دخولهم للحزب بغرض الدراسة في الدول الاشتراكية.
المناضل تعبر عنه فضائله ، الإيثار وحب الآخرين ، يسعى لأن يكون قدوة في حارته أو عمله ،إما الانتهازي فهو كالبعوضة في سلوكه ، ومن السهل التمييز بين البعوضة والشمعة ،وكنا آنذاك عندما نلوم الحزب على وجود البعض من النماذج الرديئة أو المنحرفة اجتماعيا ، يأتينا الجواب من البعض بأن هذه قضية شخصية ،هل من المعقول إن يصبح الفرد مدان اجتماعيا في سلوكه الشخصي ، نعتبر ذلك مسألة شخصية ، لايمكن تفكيك الإنسان وفصل أجزاءه المكونة لشخصيته ،المناضل عليه إن يقدم شيئا متفردا والدبور لا يمكن إن يعطي عسلا ، وعلى المناضل مهام كبيرة عليه إن يوصل أفكاره إلى الناس ، ولانريد إن يصبح كحمار يحمل إسفارا كما ذكر القرآن الكريم، الناس لن تنظر في كتاب يحمله حمار .
أعود لموضوع الشهداء ، ذات يوم وانأ امشي في شوارع الغربة وحاراتها ، في بساتينها وحقولها ، تجتذبني قبة لأحد الأولياء الصالحين ، أتأمل تاريخه وماقدمه ، وأعود إلى الكتب لأقرأ عن منجزه الفكري والشخصي ،ومن أهم ما اجتذبني في هذا المضمار الشهيد البطل حجر بن عدي الكندي ،عرفت مكانه قبل الكثيرين ، لم يستدل عليه إلا نفر من الباحثين والمهتمين ، يقع في عذرا في غوطة دمشق عند النزول من فتحة الثنايا الجبلية ، ذكر المكان ووصفهُ ياقوت الحموي في كتابه الشهير معجم البلدان ،وتحدث عنه الطبري في تاريخه المعروف ، أخذت الكاميرا صورت ضريحه القديم مأذنته التي بنيت في العهد الفاطمي ،كان رجلا عظيما في شجاعته ووفائه لمبادئه ، وقصته جديرة بالقراءة والاهتمام من الذين يحبون المبادئ النبيلة ، كتبت عنه موضوعا وبحثا طويلا في إحدى الصحف عام 1989 ،لا اريد الإسهاب في موضوع شهادته خشية إن أكون وضعت قطرة زيت في نار المذهبية التي يجهد البعض كي يرتفع لهيبها ، إن الشهداء هم في مكان واحد في عيون الناس وعيون التاريخ ، لايختلفون بإختلاف أفكارهم ، ربما تختلف درجة الشهادة وحالتها ، لكنهم يظلون زهرة البشر .
صرت ازور ضريح الشهيد حجر بن عدي الكندي كل أسبوع ، اجلس إمام ضريحه ساعات ،اتحدث معه ، اذهب له مشيا على الأقدام ، فقد اكتشفت انه لايبعد كثيرا عن بيتي الريفي المتواضع ، في غوطة دمشق الغناء ، حتى أصبح خادم المقام صديقا لي لكثرة ما يراني إمام الضريح حتى ظنني مكلف بالعناية المقام ، لاسيما جرى تطوير المقام بعد الدراسة التي نشرتها .
كثير من رجال الدين يستخدموا قضية الشهداء بطريقة تحريضية ضد أشخاص لم يعودوا بيننا ، وبطريقة تقود إلى جدالات عقيمة لن تنفع الناس في شيء ، في حين يعيش بيننا من هو أسوأ من أولئك الظلمة الراحلين ، في جمعهم للثروة وقسوتهم على مخالفيهم.
ويتحدثوا عن الشهداء وكأنهم ملكا سُجٍّل لهم ، في حين أرى إن المناضلين اليساريين كانوا اقرب روحيا وفكريا لأولئك الشهداء، ولو قدر الزمن إن يجمعهم لقاتلوا معهم في معاركهم المشرفة ، إما أولئك الذين حولوا قضيتهم إلى طقوس للأكل والشراب والجدل العقيم وجمع النقود ، سيتخلوا عنهم كما تخلى الكثيرون من أهل الكوفة عن نصرتهم وتركوا سيوف اللؤم تقطٍّع أجسادهم الطاهرة ، هاهم يضموا في مليشياتهم من خدم في صفوف فدائيي صدام وأجهزته القمعية الأخرى وحثالات الشارع ، ويمارسوا القتل على الهوية من اجل حفنة من النقود ، فأين الثرى من الثريا ، وما الذي يجمع الشهداء الأبطال مع شذاذ الآفاق .
وحين عدت إلى الوطن بعد سقوط الطاغية ، أحزنني استخدام البعض لفقر الناس الذي سببته سياسات الطاغية ومغامراته ، وظفوا فقر الناس في توسيع صفوف بعض الأحزاب ، إذا أردت إن تتوظف في الوظيفة الفلانية عليك بالانضمام إلى الحزب الفلاني ، وللأسف لم أجد من وقف بوجه هذه الممارسات اللااخلاقية ، وتشوهت سمعة أحزاب خاضت نضالا قاسيا ضد الديكتاتورية لسنوات طويلة، خسرت سمعتها في أيام ، حيث فتحت اغلب الأحزاب صفوفها لمن هب ودب ، وجاء الكثير من الجلادين وقتلة شعبنا ، ليتعمدوا في مكاتب هذه الأحزاب ، التي لم تكترث لماضي الشخص ، المهم إن يزداد عدد المنضمين ، وانتفخت بطون كثير من هذه الأحزاب ، بكثير من حثالات الشارع ، وبحجة ، السلوك الشخصي ، المهم الموقف السياسي ، وهاهو التاريخ يكرر نفسه ، لنعرف إن العبرة ليس بكثرة المناصرين بل العبرة بمن يبقى وفيا لقضيته .