رحيم الحلي
السبت 4/8/ 2007
الملحن كمال السيد : يجب إن لا ننساهرحيم الحلي
الفنان كمال السيد ولد أواسط الأربعينات في مدينة الناصرية ، هذه المدينة الفراتية الحلوة ، التي اعتادت الفقر والحرمان والإهمال ، قدمت الكثير في مجال الثقافة والسياسة ، وتأسس فيها واحد من أهم القوى السياسية الثورية ، الحزب الشيوعي العراقي ، وفي مجال الفن قدمت أعظم المواهب ، وكأن الفن سجل لها ، حيث قدمت ابرز معالمه ، جبار ونيسة ، حضيري أبو عزيز ، داخل حسن ، ستار جبار ، الشهيد صباح السهل ، حسين نعمة ، طالب القرغولي .
قدم كمال السيد لحنه الأول إلى الإذاعة العراقية ، بعد إن أضناه التعب في البحث عن الصوت الذي أعجبه ، واختاره بذكاء لأداء أغنيته الأولى المكَير، هذا الصوت الذي سمعه في كاسيت غنائي شعبي في اغنية الهدل وأعجبه صوت صاحبه ، وعرف انه من مدينة النجف المشرفة ، انه المطرب ياس خضر ، فأطلقه إلى عالم الإذاعة عالم الشهرة الواسعة ، الأغنية من كلمات الشاعر المبدع زامل سعيد فتاح .
قدم للفنانة الكبيرة أنوار عبد الوهاب ، ابنة الشهيد عبد الجبار وهبي أبو سعيد ،الذي قتله مجرمو انقلاب شباط الأسود ، اغنية كصة المودة ، وللفنان الرائع قحطان العطار سلمت وانته مارديت السلام، وللفنان الكبير حسين نعمة كون السلف ينشال وأغنية البلام ،و الفنان الكبير فاضل عواد ياريحان ، ولسعدون جابر يا أهيف الطول،وحميد منصور اغنية الشموع ، وأطلق الفنان سامي كمال في اغنية مدللين وأغنية رايح وين يويلي يابوية ، والمطرب عارف محسن حبنة حبيبي لو لاه مع أديبة ، والمطرب الشهيد صباح السهل في اغنية العشك مو بالشكل واللون والفنان صباح السهل أعدمته سلطات صدام .
إما لحن مابدلك والنبي الذي غناه المطرب سعدي الحلي فقد وضعه الفنان كمال السيد لأحدى أغاني اوبريت ياهيل ، إما الكلمات فهي للشاعر الشعبي الحلي محمد علي القصاب.
وفي دمشق الحبيبة ، غنى كمال السيد للعراق وكانت رائعته سعود للشاعر العظيم مظفر النواب ، وأغنية ويهة يهلنة واحنه منهه وبيهه ، وياشعبي دمي إلك للشاعر العراقي كريم العراقي ، وذهب فكر الشغيلة ، مفروض الواحد للشاعر الثوري المصري نجيب سرور ، وغنى لفلسطين المظلومة اغنية يمه ياويل الهوى حكم الخناجر ولة حكم النذل بية لمحمود درويش ، هذه الأغنية التي تصور الظالمين وقسوتهم وضياع الأحلام ، حين تقول كلمات الأغنية خسرت حلما جميلا خسرت نفح الزنابق ، لقد تعود كفي على سياج الحدائق.
وللشاعر هاشم شفيق غنى استمد الشجاعة منك ومنك العزيمة تأتي اليَّ على شكل طير يتوجني ويشد يشد يدي ، هذه الأغاني التي كنا نؤديها والدموع تنهمر رغماً عنا حين نتذكر أحبتنا في سجون الطاغية ، أو نتذكر أصدقائنا في خطوط القتال في الحرب مع الجارة ايران ، ثم سافر إلى ليبيا مع الشاعر العظيم مظفر النواب ، وبعد عودته من ليبيا هاجر إلى الدانمارك ، وهناك تعاون مع الفنان الكبير قحطان العطار ، وغنى قحطان العطار بصوته الذهبي بعض من الحان كمال السيد ، واظهر جمالها وقيمتها الفنية ، وقدم بعض من ألحانه إلى الفنان مرتضى العراقي .
الفنان كمال السيد بعد إن انهى دراسته ، أصبح معلما في مادة الموسيقى ، وتعرفت عليه في مدينتي الحلة في أواسط السبعينات ، عندما كان معلما في مدارسها في مادة الموسيقى ، وعن طريق الأستاذ نهاد عبد الستار رشيد ، احد مثقفي الحلة المعروفين ، كان لقائي به في الحلة عابرا لم ينطوي على ملامح تسجل للذكرى.
ثم تعرفت عليه في دمشق أوائل الثمانينات ، عندما جاءها من عدن ، واستقر بها بضعة سنوات ، وأسس فيها فرقة المنظمات الديمقراطية ، وكنت عضوا فيها ، ثم أسس مع الفنان كوكب حمزة ، فرقة بابل ، وقدم كمال السيد موهبته الفنية لشعبه ، وانحاز للفقراء ، وناهض ديكتاتورية صدام ، وقدم أهم أعماله الفنية السياسية في المنفى الذي اختاره ، وكان بمقدوره إن يكون بوقا لصدام وغجره ، وان يغدقوا عليه الملايين من أموال شعبنا المنهوبة ، مثلما فعلوا مع العديد من الفنانين الانتهازيين الذين باعوا ضمائرهم ، وملئوا جيوبهم من أموال شعبنا البائس ، وغنوا ، وطبلوا ، وصفقوا للطاغية ومجدوا ظلمه وطغيانه ومغامراته الطائشة ، وإفقاره وإبادته لشعبنا وتدمير إمكاناته.
تزوج الفنان كمال السيد من السيدة الحلاوية الشهيدة سناء عثمان عبد السادة في أواسط السبعينات ، وأنجبت ابنته البكر الحان ، التي قضت سنوات السجن مع أمها قبل إعدامها ، وله ابن اسماه عراق من زوجته السورية التي تزوجها في أواسط الثمانينات.
ودعوة للحكومة العراقية للاهتمام بتراث هذا الفنان وإنصافه ، بعد الإهمال المتعمد من قبل حكم الطاغية ، أتمنى من الحكومة العراقية الحالية أن تقدر الفن و الأدب ، لأنها أهملت الأدباء والفنانين ، فهي لم تعمل للجواهري العظيم شيئاً يذكر، وعلى الأقل لم تعمل له نصبا تذكاريا في مدينته النجف ، ولا في بغداد العاصمة ومدينة دجلة التي كتب لها واحدة من أجمل قصائده ، وأهملت الفنانين الإحياء فما بالك الراحلين ، إلا إن لهؤلاء من أمثال كمال السيد حقا ، فهم ضحوا وتشردوا ، وكان بإمكانهم إن يعيشوا مترفين لو باعوا أنفسهم مثل بعض الفنانين الانتهازيين ، وهم اليوم لن يحتاجوا من حطام الدنيا شيء سوى إنصاف ذويهم ، وإظهار فنهم الذي عتمت عليه الديكتاتورية .
رحل كمال السيد في كوبنهاكن عام 2001 بعيدا عن الناصرية وعن العراق الذي أحبه وغنى له ، في منفى المنافي وفي مدن الثلج الباردة ، لكنها كانت دافئة في حنوها على المنفيين ، الذين شردتهم أوطانهم التي يحكمها الجهلة ، والذين لم يحترموا فنهم أو إنسانيتهم ، وحقهم في التفكير المختلف ،هؤلاءالفنانون لم يقبلوا إن يطبلوا أو يصفقوا للجهل والحماقة ، أحبوا العراق ومدنه وأنهاره ، أحبوا الفن وأحبوا الجمال ، ونفروا من قبح التخلف والجهل ، وفظاظة الجاهلين .
استاذي ابا الحان دعني احلم قليلا ، كي تاتي إلى إحدى القاعات لنغني الأغنية التي غنيناها كثيرا ، بغداد ، والتمعت عيناك لاجلها مرارا .
ويهه يهلنه واحنه منهه وبيهه
بغداد شمعة وماهوى يطفيهه
ويهه يهلنه وي شعبنا الصورة
متوزع بكل بيت بالمعمورة
بس يا ضماير سود يا ماجورة
وبلادي ما تغفه وغصن دم بيهه
* * * * * * *
واحنه فكرنه وياج يا بغدادنه
واطفالنه يكولون صوتج صوتنا
يا محلا من اجل المبادئ موتنا
وبلادي ما تغفه وغصن دم بيهه