رحيم الحلي
السبت 8 / 9 / 2007
إلى : همسة ،ابنة زميلي وأخي
الشهيد باسم كاظم كمونهرحيم الحلي
قرأت في موقع الطريق موضوع عنوانه ملف امني تحدث كاتبه عن قصتك وقصة والدك باسم الذي افتقدته ولن أجد مثله الا نادرا لأن الذين يضحون بأنفسهم من اجل الدفاع عن قناعاتهم هم أناس صادقون يفعلون مايقولون وهم معدن نادر في كل الأزمان ، لا اخفي إني حزنت كثيرا لأنك كبرت سريعا وعشت غريبة بعيدة عن الوطن الذي أراده أبوك إن يكون سعيدا وحرا فكما تري فهو إلى اليوم ليس سعيدا بل غمرته الإحزان كما تملأ الأرض مياه الطوفان ، وإما الحرية اسمحي لي إن أناديك ابنتي وستعرفين ألان كم إنا قريب لك ، إما الحرية فنحن لم ننلها بعد ،خاصة بعد إن امتلأ بلدنا بالجيوش الأجنبية والمليشيات وهي امتداد لجيوش أجنبية لبعض الدول المجاورة .
ابنتي همسة بالطبع إن اسمك جميل مثل أبوك الذي كان أوسم طلاب الكلية كما أراه ويراه الكثيرون ، التقيت أبوك باسم في الكلية التي درست بها ،كلية الإدارة والاقتصاد في الصف الثاني وكان هو في الشعبة ( أ ) وانأ في الشعبة ( ب ) عرض علي الانتماء للحزب الشيوعي العراقي فأخبرته بأني عضو في الحزب الشيوعي فابتسم وهو باسم دائما لكن جوابي طبع ابتسامة إضافية على شفتيه وضمني بحرارة إلى صدره، وفي الصف الثالث أصبحنا معا في شعبة واحدة (أ) وأصبحنا قريبين أكثر نلتقي كل يوم أتصبح بوجهه الملائكي الذي يشع فرحا وأملا وشجاعة، واقف معه كل يوم في الفرص لأتنور بأراءه غير التقليدية ، فتزيدني آراءه قوة وثقة،وكان المعجبون بشخصه كثيرون من الطلاب والطالبات خصوصا ،حيث انه فتى أحلام الكثيرات إلا البعض التي أوقف إعجابهن به مؤقتا كونه شيوعيا ينتمي إلى حزب مرخص قانونيا ومحظور عمليا، وفي الصف الرابع كنا بالطبع في صف واحد في الشعبة (أ) وكانت السنة الأصعب من الناحية الأمنية حيث كنا نتعرض للتهديدات والاستجواب من قبل مكتب الأمن في الكلية والطلبة المرتزقة في جهاز الأمن المذكور .
وحين اقتربت السنة الدراسية التي ابتدأت في خريف عام 1978 على الانتهاء إي نهاية ربيع عام 1979 اشتدت الحملة القمعية على الطلبة الشيوعيين وكان أبوك أكثرهم تعرضا للقمع لقناعة السلطة الديكتاتورية بكونه مسؤول التنظيم في الكلية حرص أبوك على إكمال السنة الدراسية رغم خطورة ذلك عليه فهو مكشوف ومعروف ولم يكن انتماءه سرا، أتذكر انه أنهى السنة بأعجوبة وبعد استدعاءات متكررة من قبل مكتب الأمن في الكلية وكان أكثرنا تعرضا للملاحقة في هذا المجال .
ذات يوم في الصف الرابع وحيث كنا نجلس في كافتريا الكلية نحتسي الشاي حليب قال لي انه يحب إن يجلب لي بنطالا فهل اقبل؟ بالطبع قبلت شاكرا هذه المبادرة التي تعكس نبله وإنسانيته فلم يكن سياسيا محترفا السياسة بل كان رجل فكر وأخلاق فهو انتمى إلى الحزب الشيوعي بسبب ظلم الدولة للفقراء وهدرها للأموال على منتسبيها وعملائها ومشاريعها العسكرية الدموية وعلى الدعاية الزائفة ووسائل الإعلام الكاذبة.
خرجت من الوطن عام 1980 هروبا من القتل.
وفي سوريا وإثناء عملي الغنائي في الفرقة التي أسسها الملحن الكبير والمهاجر الفنان الراحل كمال السيد تعرفت على إخبار والدك من خالتك التي عملت معنا في الفرقة كصوت نسائي عرفت الخبر المؤلم وهو اعتقال والدك وأمك وكنا قلقين جدا على مصيرهم ولكننا لم نجزم بمصيرهم وكان الأمل يرافقنا إن يخرجوا من السجن وان نلتقي.
مرت السنوات وفرقتنا الغربة مرة أخرى، خالتك لمى وهي التي عرفتها من أيام الدراسة وفي الفرقة الفنية كما ذكرت لم اعرف أين رحلت وفي إي بلد أصبحت وبعد سقوط الديكتاتورية عام 2003 وبعد إقامة الحزب الشيوعي لمقر قيادته في الأندلس في بغداد وكنت انتظر احد المسؤولين لمقابلته ساعات عدة ، كي أوصل له ملاحظاتي النقدية المعارضة للتورط في المشروع السياسي الأمريكي المحتل لبلدنا
قرأت الصحف الموجودة على الطاولة وفي احدها رأيت صورة أبوك الحبيب وقد نعاه الحزب شهيدا وبجانبه صورة والدتك الشهيدة .
تمنيت إن أزور بيت جدك لكن لا اعرف بيتهم وكان الوضع الأمني سيئا وكنت ارغب إن أدلو بدلوي في الكتابة عن أبوك الذي اعجز إن أصفه فهو فعلا اكبر من الكلمات وتبقى الكلمات على عظمتها كلمات إمام والدك الشهيد باسم كاظم كمونه، الإنسان الهادي المتواضع المثقف غير المدعي ، الشجاع العاقل المتزن الرقيق اللطيف المؤدب الحنون هذه صفاته لا تكفي كلمة واحدة لوصفه.
كان يقرأ كثيرا الأدب وخاصة السياسي وهو مثقف لايحب الظهور ولا الادعاء لكن ثقافته العالية تكشفه في كل تحليل أو حديث يتحدث به, تحدث عن صداقة أسرته بكريم احمد أبو سليم ومرة تحدث عن علاقة احد أشقائه بالفنان المطرب الكبير فاضل عواد ،تحدث عن أخلاقه العالية وأدبه والتزامه الأخلاقي .
ابنتي همسة أحب إن أقول لك إن الولايات المتحدة هي التي دعمت صدام حسين عندما وافق مشاريعها السياسية لكنه تمرد عليها وتحداها فيما بعد لذا نقمت عليه وأسقطته ليس دفاعا عن الديمقراطية وهي التي نصبت أكثر الحكومات الديكتاتورية دموية وأسقطت حكومات منتخبة كثيرة وهي التي صنعت دولة إسرائيل على أسس دينية عنصرية رغم ارتداءها لثياب الديمقراطية المهلهلة.
هي التي قتلت عشرات الآلاف من الكوريين والفيتناميين ومولت عشرات الانقلابات العسكرية الدموية ومولت المؤامرات على العديد من الحكومات الوطنية لا أنكر إن الولايات المتحدة ذكية وماكرة في اعتمادها على الأسلوب السياسي الهوليودي وعلى وسائل إعلامية ذكية وحديثة ومبتكرة حاولت من خلالها إن تصنع الحقائق السياسية كما تتمنى وهي محظوظة و نجحت بفضل غباء كثير من خصومها وبسبب فقرهم أو افتقارهم لوسائل إعلامية ذكية متطورة أو بسبب حماقات بعضهم وقسوة البعض الأخر على المواطن وفساد أنظمتهم السياسية وجهلها وانعزالها عن عامة الناس .
علمت انك تعيشين في الولايات المتحدة الأمريكية ولولاها ولولا حكومة صديقها القديم صدام حينذاك لما قضى والداك نحبهما ،ولكنت في رعايتهما ولما كان العراق بهذا الحال من فقدان الأمن والاضطراب رغم ادعاء الولايات المتحدة أنها جاءت محررة فهي لم تقصد إحلال الديمقراطية بل هي أرادت تقسيم الوطن إلى دويلات متصارعة، وقد واجه مشروعها الفشل بسبب أصطدامه بمعارضة كثيرين،البعض خوفا على مصالحه,والبعض دفاعا عن مبادئه،فهي تحصد الثمار المرة لسياساتها الخاطئة، أمريكا بعد نجاحها في الحرب الباردة أصابها الغرور والغطرسة وهذا سيكون احد أسباب فشلها وبداية اندحار مشاريعها السياسية المتعجرفة.
أتمنى إن تعودي إلى الوطن بعد إن يعود السلام إلى وطننا ولاتنسي إن معظم الأذى الذي أصابنا هو بفعل سياسة الولايات الأمريكية ومكائدها وحتى الإرهاب التي جاءت لمحاربته كما تدعي هي التي صنعته في أفغانستان من اجل محاربة حكومة تقدمية أعطت المرأة حق التعليم والعمل وأسست ودعمت حركة طالبان الملا عمر وبن لادن وغيرهم من زعماء الجهل والحرب ولا تنسي أنها هي أيضا دعمت إن لم تكن صنعت صدام ، فهي تشبه سلوك الناس الوثنيين الذين يصنعون الأوثان ثم يأكلونها عندما يجوعون .
وبعد احتلالها لوطننا وإسقاطها لحكومة صدام الديكتاتورية،وسيطرتها لمقاليد الأمور دعمت القوى السياسية الطائفية والقومية المتشددة وهمشت عمدا القوى الوطنية والديمقراطية ،فخرج العراق من ظلام إلى ظلام اشد.
دمشق