رفعت نافع الكناني
refaat_alkinani@yahoo.com
الأثنين 7/2/ 2011
تحليل الواقع العربي قبل الانتفاضة التونسية والمصرية
رفعت نافع الكناني
من خلال تتبعنا لمراحل تاريخ الحركات السياسية الوطنية في منطقتنا العربية ، نلاحظ ان الصفة التي تميز مسيرتها الطويلة هو الملاحقة والضربات القاسية والتصفيات الجسدية لها من قبل السلطات الحكومية ( ملكية او جمهورية ) واجهزتها القمية على مدار اكثر من سبعة عقود . واستطاعت هذه المنظومات الحكومية من صنع احزاب تابعة لها ، وانتاج مؤسسات امنية وبوليسية ومخابراتية ، دربت في الداخل وفي بلدان مختلفة النظم ، سواء كانت شرقية ام غربية على مختلف الاساليب القمعية والوان التصفيات الجسدية وشتى انواع تشويه السمعة لمعارضيها ، الى الحد الذي باتت هذه الانظمة نموذج سيئ لدول فاشلة اهم ملامحها ، الدكتاتورية والحكم الفردي والعائلي وانتهاك حقوق الانسان ومصادرة الحريات ، نظام اداري وقضائي فاسد ، ديكور دساتير لم يلتزم بها يغير وفق مشيئة الحاكم ، وبعض الدول لم تمتلك دساتير لحد الان ، لا وجود للعدالة الاجتماعية ، خنق كل بادرة لحياة ديمقراطية حقيقية ، انتخابات مزورة موديل اكثر من (90 %) والشواهد كثيرة واخرها انتخابات مجالس الشعب المصرية ، والتصرف بالمال العام والكسب غير المشروع ، وكأنه ملك شخصي لهم ولعوائلهم ومناصريهم ، زيادة كبيرة في اعداد اصحاب رؤوس الاموال الكبيرة من قبل المسؤولين وعوائلهم نتيجة استغلال مصادر الثروة الوطنية وعمليات غسيل الاموال الكبيرة والتصرف بها لخلق طبقة منتفعة تدعم وتدافع عن استمرار تلك الانظمة ، وانتهاج سياسة التوريث والاحقية العائلية في كافة مجالات الحياة من مناصب الصف الاول في الدولة والحكم الى رئاسة الاحزاب الى الوظيفة العامة ، الى قيادة الاندية الرياضية ونوادي الفروسية والقمار .
نتج عن كل ذلك انتشار البطالة بشكل مخيف بين الخريجين والطبقات الاخرى من المجتمع ، هبوط وتدني مستوى الاجور والرواتب ، الفقر والجوع والمعاناة السمة المميزة لغالبية هذه الشعوب ، تفشي الامراض والاوبئة الكثيرة ، نقص حاد في الخدمات ، فساد مالي واداري واخلاقي ، هبوط في مستوى التعليم بمختلف مراحله ، ازمات في مشاكل السكن وانتشار المساكن العشوائية وانتشار ظاهرة السكن في المقابر الذي يقدرها البعض بحوالي مليونين شخص في مصر ، وقلة وقدم في ابنية المدارس والمستشفيات والمرافق العامة ، تخلف القطاعات الاقتصادية وخاصة الصناعة والزراعة والخدمات ، ما عدا قطاع السياحة الذي تسيطر عليه طبقة مستثمرة منتفعة لا يجني المواطن العادي منها اية منافع ، هوة تكنولوجية ومعلوماتية وتقنية كبيرة بيننا وبين اغلب دول العالم ، جيوش جرارة تزج في حروب خاسرة داخليا وخارجيا لا فائدة منها ، وتدهورت اقتصاديات تلك الدول بحيث ان غالبية مصادرها المالية والمساعدات المالية الامريكية تذهب لاغراض التسليح وادامة الاجهزة الامنية القمعية وشراء الذمم وانشاء مؤسسات اعلامية وواجهات حزبية مزيفة ، اسهمت في استمرارها لعقود طويلة . هذه الديمومة لتلك الانظمة وبقاء قادتها ومحاولة توريث ابناءهم رغم معارضة شعوبهم ، اسهم بشكل رئيسي لتخلف تلك الدول عن مثيلاتها في البلدان الاخرى التي انتهجت النظام البرلماني والتدرج السلمي للسلطة واحترام الانسان باعتباره قيمة عليا في المجتمع .
لقد استعملت وجربت هذه الانظمة كل انواع البطش والقسوة والابادة ضد خصومها السياسيين وكبلت شعوبها برعب الخوف وشبح المخبر السري والمصير المجهول الذي ينتظر من يحيد عن خطوط سيرها المرسومة للناس ، هذا الزيف من التضليل الحكومي عن واحات الحرية والديمقراطية وكذبة احترام كرامة الانسان في تلك البلدان ، قد خلق وأسس انظمة تفتقر الى الحيوية والتجديد ومواكبة العالم في تقدمه في كافة مجالات الحياة ، وخاصة ونحن نجتاز العقد الاول من القرن الواحد والعشرين . ان محاولة التشبث بحكم تلك البلدان من قبل مجموعة من الرؤساء والقادة المخضرمين لعقود عديدة ، ومنهم من عدًل دساتير بلاده بصيغ تعبر عن امكانية بقاءه في حكم البلاد الى اخر دقيقة من حياتهم ... لم يتمكنوا من دفع عجلة التقدم والحداثة والمدنية والعدالة طوال تلك الفترات الزمنية الطويلة التي حكموا بها ، بل ان التميز الواضح على ديمومة بقائهم على كراسي الحكم الوثيرة ، هو العمل على فرقة اطياف شعوبهم وبث آفة الطائفية بين ابناء البلد الواحد وخلق اسباب الفتن والتصادم بين القوميات والاديان المختلفة التي تعايشت منذ الاف السنين . والواقع العربي يكشف بشكل واضح ما تعانيه هذه البلدان من نمو حركات دينية متطرفة فرضت على الشارع العربي مختلف الوان الاضطهاد ومارست شتى انواع القهر والارهاب لتسويق نهجها وفكرها المتطرف بسبب غض الطرف عنها من قبل دول كثيرة في المنطقة ، سعيا منها لكسر شوكة الاحزاب والحركات السياسية الوطنية والديمقراطية . وباتت العلامة الفارقة لهذه الانظمة هي الشيخوخة العقلية والجماد الفكري والترهل البدني والخرف المبكر .
من هذا الواقع العربي وما نالت شعوبها من الضيم والتغييب وسلب الارادة ... الانتفاضة العظيمة قد بدأت ، ولم تكن وليدة الفراغ او ترفا فكريا ارادة البعض ، انها الصدمة الكبيرة التي احدثها البركان الشعبي الجارف ، ابتدأ من تونس الخضراء الباسلة واسقط الحكم الفاسد والدكتاتوري لزين العابدين ابن علي في انتفاضة مجيدة خلال اقل من شهر واحد عرفت بثورة الياسمين ، كان قداح الفتيل لها الثائر الشهيد محمد بوعزيزي الذي نال الخلود الابدي . بعد هذا الانتصار الكبير للشعب التونسي الذي اخترق جدار الخوف وكسر قيود الذل وتحدى الموت والبطش وحقق الانتصار .... انطلقت الانتفاضة رقم (2) في شوارع مصر وحاراتها لتعلن ميلاد فجر جديد ، ووقف شباب مصر الابطال ليقولوا بصوت واحد ( ارحل مبارك ) ولن نحيد عن مطالبنا الا باسقاط الحكم الفردي وطمس نظرية التوريث سيئة الصيت . لقد صعق النظام من هول الصدمة التي احدثتها الانتفاضة الباسلة ، والتي عكست ما كان يجري داخل مصر من تزييف لحقيقة وطبيعة الحكم . ولم تفيده قواته الامنية والسرية التي يزيد تعدادها عن المليونين من الصمود ليوم واحد امام صلابة الشباب المصري الثائر . اتجهت هذه القوات المنهزمة والتي كانت يد النظام الضاربة الى عمليات سلب ونهب للممتلكات العامة والخاصة وترويع المواطنين في بيوتهم ، وحرق المباني وسرقة المستشفيات والمصارف والمتاحف ، والاخلال بالنظام والامن الاجتماعي من خلال فتح السجون واطلاق سراح المجرمين والارهابيين . والايام القادمة سوف تشهد الوجهة الحقيقي الفاشي للنظام المصري من خلال اجهزته الامنية والسرية بلباس مدني تنزل للشوارع كما فعلها نظام صدام خلال انتفاضة العراقيين الباسلة في آذار 1991 . كل هذه الاعمال لم تفت في عضد الشعب الثائر ... انه في الميدان لم يتحرك خطوة الى الوراء عن هدفه الاوحد وهو رحيل الطاغية وصنع مستقبل جديد يليق بمصر الحضارة . وما هي الا ايام ليغادر الطاغية ذليلا مدحورا ، ليتماسك ويتعاضد كل شباب مصر وحركاته الوطنية للوقوف امام اعمال شق الصف والنيل من انتفاضتهم العظيمة ، لان حكم مبارك فقد شرعيته يوم انطلقت الشعب المصري عندما قال كلمته بوضوح .ختاما على القادة العرب ان يفهموا ويستوعبوا الدرس جيدا فالانتفاضة رقم (3) على الابواب !!!