| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

سنان أحمد حقي

 

 

 

الأحد 29/6/ 2008



بيكاسو!..حداثة متواصلة ..حداثةٌ تتبعها حداثة!

سنان أحمد حقي *

 

demoiselles_NewFINAL


كيرنيكا

   


بورتريت الفنان بيكاسو

 


شعار السلام من وضع بيكاسو


أعلاه نماذج من أعمال بيكاسو التي تتّسم بالحداثة


أعلاه نماذج أخرى متنوعة من أعمال ما بعد الحداثة

 




بيكاسو!..حداثةٌ مستمرّة ومتواصلة.

إن بيكاسو يمثل حداثةً يكاد أن لا يكون لها ما بعدها حداثةٌ تتواصل مع حداثة!
ومما يؤسف له أن كثيرا من المثقفين ما زالوا ينظرون بعين الإنكار والإستغراب لمعظم نتاج مرحلة الحداثة في الفن ولا سيما الفنون التشكيليّة
وقد كنت كتبتُ مقالا تم نشره على موقعٍ آخر وضّحتُ فيه الأسس التفكيكيّة والبنائيّة للفن الحديث بالمقارنة مع اللغة والموسيقى ومعظم فنون الإتصال المختلفة .
فمثلما تكونت اللغة من مفردات وهي بدورها من حروف تتركّب حسب ما تم الإصطلاح عليه للدلالة على الأشياء وبالتالي تكوين التعابير المتنوعة من المفردات المختلفة بهدف عرض الأفكار فإن الموسيقى أيضا تعاملت مع درجات من النغم بترددات مختلفة لتكوّن جملة أو ربما (كوردا)وينصبّ اهتمام الموسيقي والمؤلف الموسيقي على تشكيل الجملة والعبارة الموسيقيّة التي بدورها تكون نواة اللحن للتعبير عن مقومات أفكار تعالج موضوعا ما.
وسأعيد بعض الأفكار التي كنت قد طرحتها سابقا بهدف توفير الوقت قلت سابقا ما يلي:
ما أزال أحاول أن أوضح وأعيد في مناسبات عديدة شرح مداخل للتفاعل مع الفنون التشكيليّة تقوم على أساس فهم التراكيب والمفردات في كل الفنون والآداب.
ففي اللغة يقوم الأدب على وضع تآليف وتراكيب بين الحروف المختلفة وكذلك في الأدب حيث يقوم هو الآخر على أسس وضع تراكيب وتآليف أو تتابعات بين الكلمات والتعابير وفي الشعر يكون هناك أساس قراري خفي أو ضمني تقوم فيه التراكيب والتآليف الإيقاعيّة للأوزان والتفاعيل..
وفي كلٍّ من الأدب واللغة والشعر يتطوّر الأمر إلى التعامل بالتراكيب النوعيّة للأحداث والتآليف بين الوقائع والمشاهد أو حتّى أنواع الحكايات ..
كما أن الأمور نفسها تحدث بالنسبة للموسيقى والغناء حيث يجري العمل الإبداعي الموسيقي على أساس التأليف بين الأنغام الأساسيّة والتتابع الميلودي بينها صعودا إلى التأليف بما يُدعى بالكوردات وتتابعاتها وباتباع ذلك نغميا يتم التأليف على الأسس المقاميّة وقد يتبع ذلك التأليف بين الدواوين أو بما يُسمّى بلغة الموسيقى بالأوكتافات لوضع المؤلفات الهارمونيّة وبذلك يتبين أن العمل الفني والإبداعي بصورة عامّة هو تأليف بمفردات ذلك الفن ،ففي الأدب تكون المفردات هي الحروف والكلمات والمقاطع وفي الموسيقى تكون المفردات هي الأنغام والكوردات والمقامات والدواوين الموسيقيّة وحسب مستوى التأليف .
وبنفس المقاييس أدعو إلى النظر إلى التفاعل مع الفنون التشكيلية مجتمعة كالرسم والنحت والسيراميك والعمارة والزخرفة والتصميم على اختلافه..
إن الفن التشكيلي كمثيلاته الفنون الأخرى هو تأليف وتكوين ولكن بالأشكال ،فالمفردات هنا هي الأشكال والخطوط والألوان .
ولهذا السبب سُمِّيَت بالفنون التشكيليّة فهي تتعامل بالأشكال.
إنها تأليف وتشكيل بالخطوط والمساحات والحجوم والأشكال والألوان والكتل والفراغات فلو تكلمنا عن الرسم فسنجد أن وضع خط مستقيم عمودي وإلى جانبهِ مستقيم آخر سوف يتكون لدينا شكل وتكوين محدد يوفر للمتلقّي إحساساً وتأثيرا سواءأ على المستوى الذهني أو الحسّي والإدراكي ولو غيّرنا المستقيم الثاني إلى مستقيم أفقي فإن الإحساس والإدراك سيتغيّر ،وهكذا فإننا لو وضعنا شكلا نصف دائري مع مربّع فإننا نستطيع أن نشكّل منهما عددا غير متناهٍ من الأشكال المترتّبة على وضعهما معا ولو زدنا الشكلين أشكالا أخرى ومساحاتٍ إضافيّة فإن القدرة على تأليف أفكار تشكيلية واسعة ستكون أوفر وذلك ممكن أيضا مع الحجوم والألوان .
ويُمكن اتباع نفس التحليل على الأعمال النحتيّة واعتبارها تكوينات أو تآليف بالحجوم والفراغات ،فوضع كرةٍ إلى جانب أسطوانة أو مكعّب هي محاولة لتأليف أو وضع مؤلفة تشكيلية محددة.
ولهذا فإن الإنطلاق في النظر إلى العمل التشكيلي على اعتباره مؤلفات مفرداتها الأشكال والألوان يفسح المجال لنا واسعا للتعامل مع أعمال موندريان وبول كلي وفناني التجريد وأعمال التصميم المتنوعة التي تتحكّم بجوانب عديدة في حياتنا بدءا من الأقمشة والملابس إلى الأثاث إلى الأواني والأجهزة المنزليّة والسيارات والمباني والحلي وغيرها مما يملأ حياتنا وتفاصيلها.
من هنا ومن هذه النقطة لا يعود لمتلقّي العمل التشكيلي حاجة للأستفسار عن ماذا يعني هذا ؟ أو لماذا يتم تكوينه بهذا الشكل؟
قد تحمل المؤلفة التشكيلية معانٍ وتعابيرَ فكريّةً أو أدبية أو سواها من المواضيع ولكن يجب أن تكون محمولةً على تكوينات وتآليف تشكيليّة كما بيّنّا بالنسبة للفنّان وبالنسبةِ للشّعر أيضا ولكن لا يُمكن أن نعتبر العمل تشكيليا مالم يتم على أساس التأليف بالمفردات التشكيلية وحسب حُسنِ التأليف المذكور ،وبدون ذلك يُمكن اعتباره عملا أدبيا أو موضوعا فكريا ولكن لا مجال لاعتباره مؤلّفة تشكيلية ..
لقد بلغ الخلط والتشابك في تلقّي الأعمال التشكيلية حدّا بعيدا وقد تفلسفَ عدد كبيرٌ من الأدباء الذين ادّعوا النقد التشكيلي وحاولوا أن يُعطوه أبعاداً أدبيّة أو أن يُلحقوهُ بمذهبٍ أو مدرسةٍ إبداعيّةٍ مما سادَ في زمن المدارس الفنّيّة ،والحقيقة أن الفنون التشكيلية بهذا الطرح وبهذه المحاولة بعيدةٌ عن أيّةِ مدرسةٍ من مدارسِ ومذاهب الفن ،فالمهم هو التأليف بالأشكال أي التكوين ،أما اتّباع مذهبٍ أو مدرسةٍ ما فإنه لا يخرجُ مهما كانت المدرسة أو المذهب الفنّي نقول لا يخرجُ عن هذا الذي نقول وهي مبدئيا طريقةٌ في التأليف التشكيلي.كما نفهم من تعابير الموسيقى الهارمونية أو موسيقى الجاز أو الراي أو غيره .
لقد بلغ التشابك حدا أن عددا من الناس وبعض المثقفين يعتقدون أن الفنون الحديثة هي الفنون التشكيلية وما سواها إنما هي فنون أخرى ليست تشكيلية .أن التعامل مع الفن من خلال الأدب عمل يسيءُ إلى الفن التشكيلي جدا ولهذا فإنني أدعو بهذا إلى التفاعل مع الفن التشكيلي بكل أشكاله بالمفردات القائمة على الشكل كما أوضحنا وأسهبنا وعلى أساس تذوّق التأليف التشكيلي بالمفردات القائمة على الشكل كما أوضحنا وبما يُماثل التأليف الموسيقي أو التأليف القصصي أو الشعري..ولكن لكلٍ مفرداته التي يجري التأليف باستخدامها نقول ونزعم أن كل المذاهب الفنيّة تخضع لمثل هكذا عناصر للتفاعل .
ونعتقد أن دارسي العمارة وفنون التصميم يفهمون ما نقول جيدا بل قد يوافقون عليه تماما ،حيث أن العمارة على سبيل المثال تتمتع بخصوصيّة التجرّد من القدرة على حمل التحليل الأدبي أكثر من كل الفنون الأخرى رغم وحدتها مع الوظائف فهي تضرب لنا مثالا ممتازا لفهم الفنون التشكيلية على أنها تأليف بالأشكال كما نزعم.
لو رجعنا للفنون الكلاسيكية فإنها لا بد أن تكون قد صمّمت وتم تكوينها على أساس من التأليف بالشخوص والموجودات مثل المباني أو الأشجار أو الحيوانات ثم نجد الأمر نفسه عند ما جاء بعدهم مثل ألجريكو بل وحتى طلائع الرومانسيين الإبهاريين ونفس أسس التأليف نراها مرة أخرى عند رامبرانت بالتأليف بالوجوه والتأليف بالظل والإظهار وكلما انتقلنا مع تطور الحركات الفنية نرى أن مبدأ وعنصر التأليف بالشكل هو العنصر الخالد أما المواضيع فتكون محمولة على تلك العناصر ولا يمكن اعتبارها فنا لوحدها ما لم تُحمل على مؤلفات تقوم على أساس الشكل وليس الموضوع.
تلك هي أدوات الفنان التشكيلي وليست هي الحروف ولا الكلمات كما أسلفنا وبنفس الأسس ننظر إلى المتأخر من الفنون التشكيلية من تكعيبية أو سوريالية أو تعبيرية أو انطباعية أو غيرها فإن التأليف هو المهم وهوالذي يجعل العمل الفني تشكيليا من الفنون  .
إن الإدراك القائم على التفاعل مع الأشكال له عالمه الخاص في ميدان المعرفة والثقافة ويجب أن نتعامل معه على أساس التأليف بالأشكال وليس الحروف أو الكلمات أو حتى الأنغام إنها مؤلفات تمتلك وسائل مختلفة .
وما يقال بالكلمات قد لا يقال بالأنغام وقد لا يُقال أيضا بالأشكال وربما بوسائل أو مفردات أخرى يمكن التأليف بها وعلى هذا الأساس فإننا لو تعاملنا مع فنون بيكاسو وحداثته سنجد أن التفكيك المعروض للأشكال والوجوه إنما هو ما يشبه تماما التفكيك التحليلي الذي يقوم به كل عالم وباحث للوصول إلى أدوات ومكونات الظاهرة المعروضة بهدف التعرف على أسس تركيبها وآليّات عملها، وليس منّا من يجد أن التفكيك الظاهر على الشخوص والوجوه معبّرا عن شيخوخة أو تحلل بل هو التفكيك الهادف إلى إعادة الصياغة وإلى بناء شكل يُستهدف منه تصميم وتكوين أشكال ومعاني جديدة لا كما بدت على الدوام في الطبيعة بل بهدف استعمال المفردات التشكيليّة لتكوين نصوص تشكيليّة لو صح التعبير تتعامل مع الأفكار والأحاسيس دون وساطة اللغة أو الموسيقى ولا أي وسائل أخرى كما أسلفت في أعلاه .
بشكل مختصرٍ سريع يمكن أن نقول أن فكر ما بعد الحداثة قام على التبشير بالتخاذل والترويج للكوارث والإنهيارات ويتّسم بتمجيد تسكين النص التشكيلي ونبذ الديناميكيّة بل الميل إلى الثبات والسكون لما يوحي به ذلك من إكبار لموضوعة الفناء والموت بدلا من تعظيم الطاقة والقدرة عبر الديناميكيّة التي أعارها الحداثيون اهتماما متزايداً،وهو ما لم يقدّمه بيكاسو ولا كل الذين قدّموا الحداثة وتفاعلوا معها، إن الحداثة قدّمت لنا بشكل جاد محاولات لإعادة تركيب وصياغة الموجودات والحياة برمتها من النواحي التشكيليّة ولم تقدّم لنا أيّة نوايا ساخرة ولا هزليّة كما أنها لم تكن تفكيكيّة بمعنى الهدم وإشاعة القبح والكراهية والتقزز بل كل ما يمكن من القيم التشكيلية والجمالية الجديدة والسامية،إن من يتطلّع إلى اللوحات المرفقة بهذا المقال والتي رسمها الفنان بيكاسو لا يفهم منها سوى قيم جديدة للتكوين ولكن بعيدة كل البعد عن قيم القبح والتقزز التي يحاول عدد من فناني ما بعد الحداثة الوصول إليه بدعوى أن أعمالهم إنما هي مرحلة من الفن تقدّم قيما تمثل شيخوخة مباديء الفن والجمال في الحداثة.
إن من يتأمل أعمال بيكاسو لا يستطيع أن يستنتج سوى محاولات رائعة وسبّاقة لتشكيل ما يُحيط بنا ولا تمتّ إلى الحمق والسفسطة والعبث بشيء ولا تصلح لأن تكون اعمالا كاريكاتوريّة ولا تدعو المشاهد إلى الضحك أو تطرح طرائفا أو أفكاراً هازئة بل هي اعمال يبدو عليها الجد كل الجد وتؤسس لفنون تتواصل الحداثة فيها وبعدها بلا ما بعدها لأنها أفكار لا تشيخ ولا تتوقف وتجدّ في إعادة تركيب كل الأشياء من حولنا فلو أبصرنا مجموعة من الفاكهة فإن الفنان سوف يطرح إعادة تركيب الفاكهة وهكذا مع أي تركيب في الوجود مثل جميع مواضيع الحياة الجامدة (ٍStill life)ثم الإستمرا في أعادة تشكيل الأثاث والملابس وصولا إلى ما يحيط الشكل الإنساني بل أشكال الشخوص أيضا.
إننا نفعل شيئا من هذا يوميا في محاولاتنا إعادة تصفيف شعورنا وكذلك تفعل النسوة في إظهار نظرة جدية لوجوههنّ وملا بسهنّ وكذلك يفعل حتّى بعض من أكثر الشخصيات رصانة في الحياة وتحفّظا فنجد هذا يُطيل لحيته وذاك يصبغ شعره وهذا يُغيّر من شكل شاربه وذاك يعتمر عمامة وآخر قبّعة و سوى ذلك كثير من محاولات إعادة تركيب شكله ومظهره .
إن محاولات بيكاسو لا تختلف من حيث الجوهر عن كل تلك المحاولات التي تقوم على أساس إعادة تشكيل المكونات ولكن بدون وجه من السخرية بل بكل جدّ كما هي حال من يعتمر عقالا فإنه ليس مدعاةٌ للضحك والسخرية كما هي حال من يعتمر كبّوسا أو قبّعة! أما إذا انحرف التغيير والتركيب إلى ما يشبه ما يرتديه المهرجون فإن الأمر سيجنح إلى السخرية كما هي الحال مع عدد من مروّجي ما بعد الحداثة لأن فنون بيكاسو والحداثيين جميعا لم تخلط أبدا بين فن الكاريكاتير والفن الجاد الذي يستدعي العقل إلى التأمّل والتفكير وكان الحد بين الجد واللعب واضحا لكل ذي لبّ وقدرة على حسن التأمّل .
وترك بيكاسو من خلال أعماله الجادّة في الحداثة كل الآثار الفكريّة والمفاهيم التي طالما طرحها الفن والفكر طيلة تاريخه ولم يشذّ عن ذلك فهل يستطيع أحد أن يقول أن (كيرنكا) مثلا تنتمي إلى ما بعد الحداثة؟ طبعا هذا مستحيل برغم الأشلاء والتحطيم والكوارث وسبب ذلك بكل تأكيد يرجع إلى كونها احتجاج على تلك الكوارث وليس ترسيخا لها!..نعم إن هناك صرخات ونداء إنساني للعودة عن تلك الجرائم والأعمال القبيحة والقيم المنكرة وليست أبدا نداءً لتكريس مثل هذه القيم كما تفعل مذاهب ما بعد الحداثة وأن فكرا وعملا مثل (كيرنكا)لا بدّ أنه لن يشيخ أبداً إذ أن الفكر والفن لن ياتي عليه بومٌ يُقِرُّ الهدم كهدف وغاية إنسانيّة ولا كغاية ربّانيّة ، إن الفضائل وقيم الخير ستستمرّ وكما قلنا في موضع آخر أن قيم الهدم الطبيعي ستتفتت بفعل التجديد لا بالتوقف عنه.
إنني ادعو القاريء الكريم إلى إعادة التأمّل في أعمال بيكاسو الملحقة بهذا المقال إذ أنني متأكّد أنه لن يجدها كاريكاتيريّة ولن يجدها أيضا تدعو لتفجير كل ما حولنا أو تهشيمه ولكنها تدعو لإعادة تشكيل ما حولنا من أشكال مختلفة واستنباط تكوينات وجماليات جديدة تقوم على الإبداع وحرّية التصرّف الذي يتفاعل مع الإبداع والعبقريّة بعد أن ألحق التصوير الفوتوغرافي هزيمة منكرة لمهمة الفنان في ترديد أشكال ما يُحيط به ويكرّره بتصرّف محدود جدا، لقد أصبح الفن في حلٍّ من لزوم التقيّد به وبعد أن امتلك الفنان التشكيلي أدوات جديدة يمكنه معها من إعادة تركيب وتشكيل الحياة وما يُحيط به من أشكال على النحو الذي يلبّي حاجاته الجماليّة التي تطرحها الحياة دوما عبر تجددها المستمرّ الذي لا يتوقّف.
 

 * مهندس ومنشغل بالثقافة

 

free web counter