الأربعاء 15 /2/ 2006

 


 

إيران بدأت زج الشيعة العراقيين في معركتها مع الغرب

 

سهر العامري

بدأت إيران ، على ما يبدو ، تحث أنصارها في المنظمات والأحزاب الشيعة في العراق ، وعلى وجه الخصوص في محافظة البصرة الجنوبية ، على التحرش بقوات الاحتلال البريطانية ، تلك القوات التي حاولت قدر المستطاع التعامل مع الأحداث بطريقة تختلف عن تلك الطريقة التي تعامل بها قوات الاحتلال الأمريكي مع ذات الأحداث ، فقد عمدت القوات البريطانية الى سياسة إطالة النفس مع السلطات المحلية في البصرة التي وصلت الى حكم المدينة بمشيئة منها ، ومن حلفائها في القوات التي تحتل العراق اليوم ، وذلك بعد أن هيأت لتلك السلطات ، مع القوات الأمريكية إزالة صدام ونظامه ، وسمحت بعودة الكثيرين ممن يحكمون في البصرة اليوم من إيران ، حتى قيل أن محافظ البصرة الحالي يسكن إيران ، ويحكم في العراق . يضاف الى ذلك أن القوات البريطانية ، وباعتبارها قوات احتلال ، تعتبر هي المسؤولة عن حفظ الأمن والنظام في المدينة ، لكنها ، وفي أحيان كثيرة ، كانت تغض النظر عن الأعمال الهمجية التي قامت بها عصابات تسللت من إيران ، وعاثت فسادا في تلك المدينة ، فقتلت من قتلت من نساء ورجال ، وسرقت ما سرقت من نفط ومن غيره ، واحرقت هذا البيت ، وذاك المحل . وكل ذلك تحت مسميات التصقت أسماءها باسم الله ، فمنها ثأر الله ، ومنها بقيت الله ( بالتاء الطويلة على الكتابة الفارسية ) ومنها كذلك حزب الله ، هذا بالإضافة الى عناصر أخرى قد تسلل الى دوائر الدولة في أقضية ونواحي المدينة ، قامت بمنح من يرغب من الإيرانيين الجنسية العراقية ، لقاء مبلغ مئة الف دينار عراقي ، أي حوالي خمسة وستين دولارا أمريكيا ، مثلما يقول الكثيرون من أهل البصرة ، ورافق هذا كذلك تفريس المدينة حيث صارت اللغة الفارسية لغة مألوفة بها ، كما صار التومان ، ( أي العملة الإيرانية ) متداولا في أسواقها ، مثلما صاحبه تجارة تهريب نفطها ، وبمساهمة فاعلة من قوات حرس الحدود الإيرانية في شط العرب ، وربما من مراكز في السلطة الإيرانية ، وفي الحرس الثوري الإيراني كذلك .
كل هذا ، وغيره كان يجري أمام أنظار الجنود البريطانيين المتمسكين بنظرية استهواء قلوب العراقيين ، تلك النظرية التي لاقت نجاحا يذكر عند الشارع البصري الغير مسيس ، والذي قدم أكثر من شكوى لهؤلاء الجنود عن الجرائم والأعمال المشينة التي كانت تمارسها بعض من مليشيات الأحزاب الحاكمة في البصرة ، وبعض من الضباط والمراتب من أفراد الشرطة الذين هم على صلة بتلك الأحزاب والمليشيات ، والى الحد الذي قامت فيه القوات البريطانية باعتقال عناصر من تلك المليشيات ، ومن أفراد الشرطة المرتبطين بها ، انتصارا لأهل البصرة الذين سيتجيرون من النار بالرمضاء على عكس ما ذهب له هذا المثل السائر . وبرد فعل القوات البريطانية على الأعمال المشينة التي قام بها حكام البصرة الجدد حازت تلك القوات على درجة جيدة من التقرب الى الناس فيها ، وصار بعض من هؤلاء الناس يدلون بمعلومات لتلك القوات عن أفعال ، وتصرفات حكومة البصرة ، وأشياعها المشغولين هذه الأيام بفتح أرصدة دولارات لهم في مصارف دولة الأمارات العربية ، أوفي مصارف الجمهورية الإسلامية التي يحتفل مسلموها من الشيعة هذه الأيام بعيد العشق والقلوب الأمريكي ، وفي شهر عاشوراء الذي قتل فيه الإمام الحسين عليه السلام ، وفي وقت لازال فيه شيعة العراق يشكون من اللطم على صدورهم بهذه المناسبة الأليمة ، فكيف تكون سياسة النفاق بعد ذلك ؟
قلت : لقد غضت القوات البريطانية النظر عن الكثير من الأعمال التي استهدفت المواطن البصري ، رغم أنها هي المسؤولة عن أمنه وسلامته ، وفقا للقانون الدولي ، وقرار الأمم المتحدة المرقم ( 1438 ) ، ذلك القرار الذي عرف تلك القوات على انها قوات احتلال .
لقد أرادت القوات البريطانية من وراء سياستها هذه خلق سياسيين من أهل البصرة يقتربون منها ، ولا يبتعدون عنها باتجاه الجارة الشرقية ، إيران ، وفات هذه القوات أن هؤلاء السياسيين المفترضين قد ارتبطوا بإيران منذ أمد زمني ليس بالقصير ، وهم لذلك لا يستطيعون فكاكا من رباطهم هذا ، فإيران هي التي صنعتهم كأحزاب ، وكميليشيات ، وأن نفوذها عليهم مثل نفوذها على أي تكوين إيراني داخل إيران ، وأن مخالفة أي فرد منهم لما تريده إيران أن يجري في العراق سيكون له عواقب وخيمة على هذا الفرد ، أنهم باختصار آلة في جسد نظام ولاية الفقيه .
رب قائل يقول أنك تمضي بعيدا ، وتتجنى على حقيقة الوضع في البصرة ، وحقيقة حكامها من العراقيين . ولهذا القائل أطرح هذا المثال ، رغم أن هناك أمثلة كثيرة يمكن أن تقال في هذا الموضوع ، فقبل أيام اعتدت القوات الإيرانية العاملة في شط العرب على الجنود العراقيين ، وهم في مياههم الإقليمية من الشط ذاك ، فقتلت من قتلت منهم ، وأسرت من أسرت ، وكان هدف القوات الإيرانية هو إنقاذ ربان سفينة إيراني كان يهرب النفط من البصرة بعد أن وقعت تلك السفينة بقبضة الجنود العراقيين ، وفي المياه العراقية من الشط ، وبعد هذا الحادث بأيام صرح أحد أعضاء المجلس البلدي في البصرة ، وبصوت خافت هذه المرة ، أن القوات الإيرانية قامت باعتداء آخر على سفينة عراقية في شط العرب ، وهي في الجانب العراقي منه ، وسارع الجنود الإيرانيون المعتدون الى إنزال العلم العراقي من على سارية السفينة العراقية ، ورفع العلم الإيراني بدلا عنه في عملية غطرسة واستهتار واضحة.
لقد سكت الجميع عن هاتين الجريمتين المشينتين بدءً بحكومة البصرة ، ومحافظها ، وانتهاء بالجعفري والعباقرة من وزرائه ! ، وحين وصل جثمان الجندي الشهيد من إيران أمتنع الكثير من قادة المنظمات والأحزاب الشيعية في البصرة من المساهمة في تشيعه ، وفي الطليعة من هؤلاء جماعة المجلس الأعلى ، ومليشيات بدر ، وخرج محافظ البصرة ، وبعض من أفراد المجلس البلدي حياء في ذلك التشيع ، ودون أن ينبسوا بكلمة إدانة ضد القوات الإيرانية المعتدية ، ولكن ، وبعد أن أحيل ملف إيراني النووي الى مجلس الأمن ، وجدنا أن محافظ البصرة ، ومجلسه البلدي يعلن قطع التعامل مع القوات البريطانية المحتلة للبصرة ، وراح هو ومجلسه يبكي على السيادة الوطنية المنتهكة من قبل تلك القوات ، والسبب في ذلك هو أن مجموعة من المراهقين ، والمحرضين من قبل الجماعات الإيرانية في البصرة ، مثلما يقول أهل البصرة ، قامت برمي الجنود البريطانيين بالحجارة ، فما كان من الجنود البريطانيين إلا أن قاموا بإلقاء القبض على نفر منهم ، وضربهم بالهراوات والأيدي ، مثلما ركلوهم بالأرجل ، ومع أن هذا العمل مهين ، وشائن ، ومدان ، لكن ما السبب الذي جعل محافظ البصرة ومجلسها البلدي ، الذي حول جامعة البصرة الى حسينية يقودها جهلاء الناس ، يبكيان السيادة الوطنية المنتهكة هذا اليوم ، مع أنه قد مضى على احتلال القوات البريطانية لمدينة البصرة قرابة ثلاثة سنوات ، ما كنا قد سمعنا فيها قبل اليوم بكاء للمحافظ ، ولا لمجلسه البلدي على تلك السيادة ؟ ثم إذا كان المحافظ ومجلسه البلدي قد أخذتهما الحمية ، والغيرة على أولئك الأطفال من رماة الحجارة ، فلماذا لم تأخذهما نفس الحمية والغيرة على الجنود العراقيين الذين قتلتهم القوات الإيرانية ، وأسرتهم في مياه شط العرب ، مثلما أسلفت من قبل ؟
العراقيون أغلب العراقيين ، وخاصة سكان مدينة البصرة يريدون أجوبة على هذين السؤوالين من المحافظ أولا ، ومن المجلس البلدي ثانيا .
إن السياسة المفضوحة الأهداف هذه ، والساذجة في الوقت نفسه سارت كذلك مسارا آخر ، وراح المجلس البلدي في البصرة هذه المرة يطالب ، وبهدي من تلك السياسة ، وبعد أن أحيل الملف النووي الإيراني الى مجلس الأمن ، القوات الدنماركية بالانسحاب من العراق ، والحجة هذه المرة الصور المشينة التي نشرتها صحيفة دنماريكية شعبية للنبي الكريم ، تلك الصور التي أستغلت من أكثر من طرف ، وكل واحد من هذه الأطراف كان يغني على ليلاه ، وفي المقدمة من هؤلاء كانت إيران . فماذا كان رد الحكومة الدنماركية على طلب المجلس البلدي ، الذي رأى النور بوجود قوات الاحتلال المتحالفة تلك ، والذي راح يطالب اليوم قوات تلك الحكومة بالانسحاب من العراق ؟
هاكم اسمعوا : قال ناطق باسم تلك الحكومة : إن الحكومة في الدنمارك هي التي تقرر السياسية الدنماركية ، وليس المجلس البلدي في مدينة البصرة !
ماذا سيقول المجلس البلدي في البصرة بعد هذا الرد ؟ ألا يدرك أعضاء هذا المجلس أنهم في مدينة من بلد فاقد السيادة ؟ وأنهم جالسون الآن تحت حماية مدافع قوات الاحتلال المتحالفة ؟ فلا تغركم إيران ـ يا من تدعون تمثيل الشيعة في العراق ـ ! فإيران تريد أن تزج بكم في معركة ليس للعراق مصلحة فيها ، وها أنتم ترون بأم أعينكم أن كل الذين دفعتموهم في احتجاجاتكم تلك للتظاهر من أهل البصرة لم يتجاوز عددهم ألف شخص ، فرحم الله إمرأ نظر ، واعتبر !


موقع الناس     http://al-nnas.com/