إيران بدأت زج الشيعة العراقيين في معركتها مع الغرب
سهر العامري
بدأت إيران ، على ما يبدو ، تحث أنصارها في المنظمات والأحزاب
الشيعة في العراق ، وعلى وجه الخصوص في محافظة البصرة الجنوبية ، على التحرش بقوات
الاحتلال البريطانية ، تلك القوات التي حاولت قدر المستطاع التعامل مع الأحداث
بطريقة تختلف عن تلك الطريقة التي تعامل بها قوات الاحتلال الأمريكي مع ذات الأحداث
، فقد عمدت القوات البريطانية الى سياسة إطالة النفس مع السلطات المحلية في البصرة
التي وصلت الى حكم المدينة بمشيئة منها ، ومن حلفائها في القوات التي تحتل العراق
اليوم ، وذلك بعد أن هيأت لتلك السلطات ، مع القوات الأمريكية إزالة صدام ونظامه ،
وسمحت بعودة الكثيرين ممن يحكمون في البصرة اليوم من إيران ، حتى قيل أن محافظ
البصرة الحالي يسكن إيران ، ويحكم في العراق . يضاف الى ذلك أن القوات البريطانية ،
وباعتبارها قوات احتلال ، تعتبر هي المسؤولة عن حفظ الأمن والنظام في المدينة ،
لكنها ، وفي أحيان كثيرة ، كانت تغض النظر عن الأعمال الهمجية التي قامت بها عصابات
تسللت من إيران ، وعاثت فسادا في تلك المدينة ، فقتلت من قتلت من نساء ورجال ،
وسرقت ما سرقت من نفط ومن غيره ، واحرقت هذا البيت ، وذاك المحل . وكل ذلك تحت
مسميات التصقت أسماءها باسم الله ، فمنها ثأر الله ، ومنها بقيت الله ( بالتاء
الطويلة على الكتابة الفارسية ) ومنها كذلك حزب الله ، هذا بالإضافة الى عناصر أخرى
قد تسلل الى دوائر الدولة في أقضية ونواحي المدينة ، قامت بمنح من يرغب من
الإيرانيين الجنسية العراقية ، لقاء مبلغ مئة الف دينار عراقي ، أي حوالي خمسة
وستين دولارا أمريكيا ، مثلما يقول الكثيرون من أهل البصرة ، ورافق هذا كذلك تفريس
المدينة حيث صارت اللغة الفارسية لغة مألوفة بها ، كما صار التومان ، ( أي العملة
الإيرانية ) متداولا في أسواقها ، مثلما صاحبه تجارة تهريب نفطها ، وبمساهمة فاعلة
من قوات حرس الحدود الإيرانية في شط العرب ، وربما من مراكز في السلطة الإيرانية ،
وفي الحرس الثوري الإيراني كذلك .
كل هذا ، وغيره كان يجري أمام أنظار الجنود البريطانيين المتمسكين بنظرية استهواء
قلوب العراقيين ، تلك النظرية التي لاقت نجاحا يذكر عند الشارع البصري الغير مسيس ،
والذي قدم أكثر من شكوى لهؤلاء الجنود عن الجرائم والأعمال المشينة التي كانت
تمارسها بعض من مليشيات الأحزاب الحاكمة في البصرة ، وبعض من الضباط والمراتب من
أفراد الشرطة الذين هم على صلة بتلك الأحزاب والمليشيات ، والى الحد الذي قامت فيه
القوات البريطانية باعتقال عناصر من تلك المليشيات ، ومن أفراد الشرطة المرتبطين
بها ، انتصارا لأهل البصرة الذين سيتجيرون من النار بالرمضاء على عكس ما ذهب له هذا
المثل السائر . وبرد فعل القوات البريطانية على الأعمال المشينة التي قام بها حكام
البصرة الجدد حازت تلك القوات على درجة جيدة من التقرب الى الناس فيها ، وصار بعض
من هؤلاء الناس يدلون بمعلومات لتلك القوات عن أفعال ، وتصرفات حكومة البصرة ،
وأشياعها المشغولين هذه الأيام بفتح أرصدة دولارات لهم في مصارف دولة الأمارات
العربية ، أوفي مصارف الجمهورية الإسلامية التي يحتفل مسلموها من الشيعة هذه الأيام
بعيد العشق والقلوب الأمريكي ، وفي شهر عاشوراء الذي قتل فيه الإمام الحسين عليه
السلام ، وفي وقت لازال فيه شيعة العراق يشكون من اللطم على صدورهم بهذه المناسبة
الأليمة ، فكيف تكون سياسة النفاق بعد ذلك ؟
قلت : لقد غضت القوات البريطانية النظر عن الكثير من الأعمال التي استهدفت المواطن
البصري ، رغم أنها هي المسؤولة عن أمنه وسلامته ، وفقا للقانون الدولي ، وقرار
الأمم المتحدة المرقم ( 1438 ) ، ذلك القرار الذي عرف تلك القوات على انها قوات
احتلال .
لقد أرادت القوات البريطانية من وراء سياستها هذه خلق سياسيين من أهل البصرة
يقتربون منها ، ولا يبتعدون عنها باتجاه الجارة الشرقية ، إيران ، وفات هذه القوات
أن هؤلاء السياسيين المفترضين قد ارتبطوا بإيران منذ أمد زمني ليس بالقصير ، وهم
لذلك لا يستطيعون فكاكا من رباطهم هذا ، فإيران هي التي صنعتهم كأحزاب ، وكميليشيات
، وأن نفوذها عليهم مثل نفوذها على أي تكوين إيراني داخل إيران ، وأن مخالفة أي فرد
منهم لما تريده إيران أن يجري في العراق سيكون له عواقب وخيمة على هذا الفرد ، أنهم
باختصار آلة في جسد نظام ولاية الفقيه .
رب قائل يقول أنك تمضي بعيدا ، وتتجنى على حقيقة الوضع في البصرة ، وحقيقة حكامها
من العراقيين . ولهذا القائل أطرح هذا المثال ، رغم أن هناك أمثلة كثيرة يمكن أن
تقال في هذا الموضوع ، فقبل أيام اعتدت القوات الإيرانية العاملة في شط العرب على
الجنود العراقيين ، وهم في مياههم الإقليمية من الشط ذاك ، فقتلت من قتلت منهم ،
وأسرت من أسرت ، وكان هدف القوات الإيرانية هو إنقاذ ربان سفينة إيراني كان يهرب
النفط من البصرة بعد أن وقعت تلك السفينة بقبضة الجنود العراقيين ، وفي المياه
العراقية من الشط ، وبعد هذا الحادث بأيام صرح أحد أعضاء المجلس البلدي في البصرة ،
وبصوت خافت هذه المرة ، أن القوات الإيرانية قامت باعتداء آخر على سفينة عراقية في
شط العرب ، وهي في الجانب العراقي منه ، وسارع الجنود الإيرانيون المعتدون الى
إنزال العلم العراقي من على سارية السفينة العراقية ، ورفع العلم الإيراني بدلا عنه
في عملية غطرسة واستهتار واضحة.
لقد سكت الجميع عن هاتين الجريمتين المشينتين بدءً بحكومة البصرة ، ومحافظها ،
وانتهاء بالجعفري والعباقرة من وزرائه ! ، وحين وصل جثمان الجندي الشهيد من إيران
أمتنع الكثير من قادة المنظمات والأحزاب الشيعية في البصرة من المساهمة في تشيعه ،
وفي الطليعة من هؤلاء جماعة المجلس الأعلى ، ومليشيات بدر ، وخرج محافظ البصرة ،
وبعض من أفراد المجلس البلدي حياء في ذلك التشيع ، ودون أن ينبسوا بكلمة إدانة ضد
القوات الإيرانية المعتدية ، ولكن ، وبعد أن أحيل ملف إيراني النووي الى مجلس الأمن
، وجدنا أن محافظ البصرة ، ومجلسه البلدي يعلن قطع التعامل مع القوات البريطانية
المحتلة للبصرة ، وراح هو ومجلسه يبكي على السيادة الوطنية المنتهكة من قبل تلك
القوات ، والسبب في ذلك هو أن مجموعة من المراهقين ، والمحرضين من قبل الجماعات
الإيرانية في البصرة ، مثلما يقول أهل البصرة ، قامت برمي الجنود البريطانيين
بالحجارة ، فما كان من الجنود البريطانيين إلا أن قاموا بإلقاء القبض على نفر منهم
، وضربهم بالهراوات والأيدي ، مثلما ركلوهم بالأرجل ، ومع أن هذا العمل مهين ،
وشائن ، ومدان ، لكن ما السبب الذي جعل محافظ البصرة ومجلسها البلدي ، الذي حول
جامعة البصرة الى حسينية يقودها جهلاء الناس ، يبكيان السيادة الوطنية المنتهكة هذا
اليوم ، مع أنه قد مضى على احتلال القوات البريطانية لمدينة البصرة قرابة ثلاثة
سنوات ، ما كنا قد سمعنا فيها قبل اليوم بكاء للمحافظ ، ولا لمجلسه البلدي على تلك
السيادة ؟ ثم إذا كان المحافظ ومجلسه البلدي قد أخذتهما الحمية ، والغيرة على أولئك
الأطفال من رماة الحجارة ، فلماذا لم تأخذهما نفس الحمية والغيرة على الجنود
العراقيين الذين قتلتهم القوات الإيرانية ، وأسرتهم في مياه شط العرب ، مثلما أسلفت
من قبل ؟
العراقيون أغلب العراقيين ، وخاصة سكان مدينة البصرة يريدون أجوبة على هذين
السؤوالين من المحافظ أولا ، ومن المجلس البلدي ثانيا .
إن السياسة المفضوحة الأهداف هذه ، والساذجة في الوقت نفسه سارت كذلك مسارا آخر ،
وراح المجلس البلدي في البصرة هذه المرة يطالب ، وبهدي من تلك السياسة ، وبعد أن
أحيل الملف النووي الإيراني الى مجلس الأمن ، القوات الدنماركية بالانسحاب من
العراق ، والحجة هذه المرة الصور المشينة التي نشرتها صحيفة دنماريكية شعبية للنبي
الكريم ، تلك الصور التي أستغلت من أكثر من طرف ، وكل واحد من هذه الأطراف كان يغني
على ليلاه ، وفي المقدمة من هؤلاء كانت إيران . فماذا كان رد الحكومة الدنماركية
على طلب المجلس البلدي ، الذي رأى النور بوجود قوات الاحتلال المتحالفة تلك ، والذي
راح يطالب اليوم قوات تلك الحكومة بالانسحاب من العراق ؟
هاكم اسمعوا : قال ناطق باسم تلك الحكومة : إن الحكومة في الدنمارك هي التي تقرر
السياسية الدنماركية ، وليس المجلس البلدي في مدينة البصرة !
ماذا سيقول المجلس البلدي في البصرة بعد هذا الرد ؟ ألا يدرك أعضاء هذا المجلس أنهم
في مدينة من بلد فاقد السيادة ؟ وأنهم جالسون الآن تحت حماية مدافع قوات الاحتلال
المتحالفة ؟ فلا تغركم إيران ـ يا من تدعون تمثيل الشيعة في العراق ـ ! فإيران تريد
أن تزج بكم في معركة ليس للعراق مصلحة فيها ، وها أنتم ترون بأم أعينكم أن كل الذين
دفعتموهم في احتجاجاتكم تلك للتظاهر من أهل البصرة لم يتجاوز عددهم ألف شخص ، فرحم
الله إمرأ نظر ، واعتبر !
موقع الناس http://al-nnas.com/