موقع الناس http://al-nnas.com/
إبن فضلان والعودة الى بغداد !
سهر العامري
الخميس 23 /3/ 2006
اكتسبت رسالة أحمد بن فضلان أهمية
كبيرة على الرغم من قلة عدد صفحاتها ، وذلك لأنها تحدثت عن عادات ، وطرق عيش ،
وأساليب حكم عند مجموعة شعوب أوربية ، كانت تعيش في ظلام دامس ، لا تعرف بعدُ ما
الحرف والورقة ، ولا تقدر الأهمية الكبيرة لهما . ولولا تلك الصفحات القليلة ما كنا
لنقف نحن اليوم على تاريخ تلك الحقبة الزمنية الغابرة عند أولئك البشر ، مثلما لم
يكن بمقدور الأجيال المعاصرة منهم أن تتعرف على جوانب مهمة من حياة أجدادهم في مأكل
، وملبس ، وعمل ، وعلاقات اجتماعية مختلفة ، دونها إبن فضلان بقلمه الأمين .
رحل أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد من بغداد يوم الخميس في الحادي عشر من
شهر صفر سنة 309 للهجرة ، الموافق لليوم الحادي والعشرين من شهر حزيران / يونيو سنة
921 للميلاد ، وفي سفارة دبلوماسية يرافقه فيها نحو خمسة آلاف رجل ، يسوقون معهم
ثلاثة آلاف دابة تحمل المساعدة التي طلبها ملك بلغار نهر أتل ( الفولغا ) من
الخليفة العباسي ببغداد ، المقتدر بالله ، أبي الفضل ، جعفر بن الخليفة المعتضد ،
وذلك عن طريق رسوله ، عبد الله بن باشتو الخزري .
لقد سارت هذه القافلة المهيبة رغم كل أهوال الطريق ، ورغم قساوة البرد والصقيع ،
وعلى شحط المسافة ما بين بغداد ، ومكان ما على نهر الفولغا ، ليس بعيدا عن جمهورية
تتارستان الروسية الحالية ، حيث حطت تلك القافلة الرحال يوم الأحد في الثاني عشر من
شهر محرم سنة 310 للهجرة ، الموافق للحادي عشر من شهر أيار / مايو سنة 922 للميلاد
، بعد أن قطعت تلك المسافة بأحد عشر شهرا .
لقد اختلف المؤرخون القدامى ، والمحدثون من العرب في تحديد مكان وهوية القوم الذين
قصدتهم بعثة الخليفة المقتدر ، فمرة هم الصقالبة ، ومرة هم البلغار ، وهم ،
بالإضافة الى ذلك ، لم يستطيعوا أن يحددوا بدقة المكان الذي تقع عليه مملكة البلغار
التي كانت هي ، على ما يظهر ، متنقلة غير مستقرة ، فالراعي والرعية كانا يسكنان
الخيام ، وكان كل طموحهم من وفادة الخليفة في بغداد هو تشيد مدينة محصنة لهم ،
تقيهم شرور الأعداء من الخزر .
ومع هذا فالدراسات الأوربية الكثيرة ، والحديثة ، التي دارت حول رسالة ابن فضلان
هذه ، تؤكد بنوع من الثقة على أن القوم ، الذين نزل عندهم ابن فضلان ، هم التتار
الذين يقطنون جمهورية تتارستان التي هي أحدى الجمهوريات التي تتكون منها روسيا
الاتحادية الحالية ، والتي اتخذت الآن من يوم وصول ابن فضلان لهم في الثاني عشر من
شهر حزيران / مايو عطلة دينية من كل سنة . فالمعلوم هو أن الإسلام قد دخل تلك
البلاد ، مع دخول سفارة الخليفة المقتدر ، حيث كان ابن فضلان واحدا من بين المعلمين
الذي علم ملك البلغار بعضا من مباديء الدين الإسلامي ، وأجاز لهذا الملك أن يتسمى
باسم الخليفة المقتدر ، جعفر ، وسمى أباه باسم عبد الله ، وهكذا صار يخطب له على
المنبر ( اللهم أصلح عبدك ، جعفر بن عبد الله ، أمير بلغار ، مولى أمير المؤمنين .
)
ومثلما أشرت من قبل ، فإن بلغار الفولغا كانوا على عداوة دائمة مع جيرانهم الخزر
الأقوياء الذين اتخذوا من اليهودية دينا لهم ، أولئك القوم الذين أخذت مملكتهم
بالضمور والاختفاء منذ نهاية القرن التاسع للميلاد ، تلك المملكة التي قامت الى
الشمال من بحري الخز والأسود ، بينما عاشت مملكة بلغار الفولغا ، التي قامت عند
ضفاف نهر الفولغا الأوسط ، في وريثتها ، جمهورية تتارستان ، من روسيا الاتحادية
المعاصرة للساعة ، مثلما أسلفت قبل قليل ، وقد لعبت كلتا المملكتين دورا مهما خلال
القرون الوسطى في العلاقة ما بين دول الشرق من جهة ، وبين روسيا القديمة ، والبلدان
الواقعة على ضفتي بحر البلطيق من جهة أخرى .
لقد تحدث ابن فضلان عن شعبي كلتا المملكتين في فصلين من رسالته ، الأول تحت عنوان :
الصقالبة ، وهم بلغار الفولغا ، والثاني تحت عنوان : الخزر ، وهم من الأقوام التي
ترد في اصولها الى العنصر التركي ، وقد انصب حديث ابن فضلان عن هؤلاء ، وهو حال في
ديارهم ، أو وهو ذاهب الى ملك البلغار ، ونازل عنده ، وليس وهو عائد منه الى بغداد
، فليس في رسالته ما يوحي الى أنه كان قد كتب شيئا عن طريق عودته ، رغم أن الراجح
هو أنه عاد بذات الطريق الذي سلكه في الذهاب ، ولهذا السبب ، على ما يبدو ، لم
يتحدث هو عن تلك العودة ، والقول من أن هناك جزءً مفقودا من الرسالة يتضمن حديثا عن
رجوعه الى بغداد ، هو قول فيه شك كبير ، حاله في ذلك حال قول آخر يرى أن ابن فضلان
ظل في تلك الأصقاع النائية ، ولم يعد الى بغداد ، مع أن ابن فضلان قد ترك لنا إشارة
في رسالته تدل على أنه قد عاد إليها ، وعلى أنه قد كتب رسالته فيها بعد عودته ، فقد
جاء في متن تلك الرسالة أنهم قرؤوا ( أي هو ومن رافقه ) نص رسالة الخليفة ، المقتدر
، على الملك الساماني ، نصر بن أحمد ، يأمره فيها بتسلم خراج مدينة أرثخشمين من
الفضل بن موسى النصراني ، وكيل الوزير ابن فرات ، وتسليمه الى أحمد بن موسى
الخوارزمي ، ويضيف ابن فضلان أن أمر الخليفة هذا قد وصل خبره الى الفضل بن موسى
النصراني ، وكيل ابن الفرات ، فاحتال عليه بأن أمر قائد الشرطة بطريق خراسان بوجوب
اعتقال أحمد بن موسى الخوارزمي حال وصوله من بغداد ، وذلك بعد أن علم الملك
الساماني ، نصر بن أحمد ، عن طريق ابن فضلان ، أن أحمد بن موسى الخوارزمي سيلحق بهم
بعد خمسة أيام من تاريخ خروجهم من بغداد ، وحين خرج الخوارزمي منها ، ووصل الى
خراسان تم اعتقاله حسب تلك الحيلة . وعلى هذا يكون انكشاف أمر الحلية تلك ، وعلم
ابن فضلان باعتقال الخوارزمي قد حدثا في طريق عودته الى بغداد ، وليس في طريق ذهابه
الى ملك الصقالبة ، وهذا دليل واضح على أن ابن فضلان قد عاد الى بغداد ، وبذات
الطريق الذي رحل به منها ، خاصة وأن قسم كبير من ذلك الطريق كان معروفا للكثيرين من
المسافرين ، إذ طالما سلكته قوافل الحجيج القادمة من الشرق الى مكة في موسم الحج
عبر العراق .
ويبدو أن القول بعدم عودة ابن فضلان الى بغداد ، أو ضياع جزء من تلك الرسالة كان
سببه سكوت ابن فضلان عن تلك العودة ، والصمت التام ، الذي اتسمت به أغلب المصادر
العربية التي أخذت من رسالته تلك ، عن تقديم نبذة تكشف لنا شيئا عن حياته ، أو نبذة
عن الكيفية التي انتهت بها سفارته الى بلاد البلغار ، ويضاف الى هذا أن الرجل ظل
مجهول سنة الولادة ومكانها، ولهذا فنحن لا نعرف شيئا عن نشأته الأولى ، وأين درس
وتفقه بمعارفه الدينية ، وهل ترك لنا كتبا أخرى غير تلك الرسالة اليتيمة ، ومثل ذلك
، فقد صمتت تلك المصادر كذلك عن سنة وفاته ، وعن المكان الذي توفي به ، رغم أن
ياقوت الحموي ، صاحب معجم البلدان ، قد ذكر أن رسالة ابن فضلان هذه كانت معروفة
مشهورة ، متداولة بين أيدي الناس ، وأنه هو نفسه قد رأى منها عدة نسخ ، وكان هذا
بعد ثلاثة قرون من زمن تدوين الرسالة تلك ، ومما يذكره ياقوت كذلك هو أن ابن فضلان
، صاحب الرسالة قد عاد الى بغداد ، وهذه الإشارة هي دليل آخر ، يدحض الزعم القائل
إن ابن فضلان لم يعد ، وإنه ارتحل من بلد البلغار الى البلدان الإسكندنافية ،
وحقيقة الزعم هذه ترد الى رواية : أكلة الأموات التي كتبها الأمريكي ميكائيل
كريشتون (Michael Crichton ) ، والتي تحولت فيما بعد الى فيلم سينمائي سنة 1999م
تحت عنوان : المحارب 13 ( The 13th Warrior) ، وقد أراد صاحب الرواية ، ومن ثم
الفيلم إسقاط كل الصفات المشينة على ابن فضلان ، ومن ثم على العرب وباسلوب تاريخي
امتزج بخياله المريض ، ولكنه ما استطاع ، مع كل ذلك الخيال ، أن يحط من قدر البطل ،
أحمد بن فضلان ، الذي أنجز بإخلاص وتفان ٍ أكبر عمل بطولي تجسد في رحلته الشاقة تلك
، وفي رسالته التي تعيش للان حاضرة عند العرب والأوربيين على حد سواء ، رغم أنها
قطعت من الزمن أكثر من ألف سنة في سيرها المتواصل إلينا ، وستواصل سيرها هذا حتما
الى رحاب أجيال قادمة ، أخرى ، ما زالت تعيش في عالم الغيب.