د. صادق أطيمش
الأثنين 18/6/ 2007
تسليح العشائر.....هدم لا دعم للأمن
د. صادق إطيمش
تناولت وسائل ألإعلام في ألأيام الأخيرة أطروحة تسليح العشائر للمساهمة في حفظ ألأمن ومطاردة عصابات الإرهاب التي تستبيح الدم العراقي يوميآ في جميع مناطق العراق واستنادآ إلى العجز الواضح الذي ينتاب الحكومة العراقية على تصديها لهذا ألإرهاب الذي تشكل بعض مفاصله المليشيات المرتبطة بالحكومة أو بالأحزاب الدينية التي تعلن عن تعاونها مع الحكومة واندماجها في العملية السياسية ظاهرآ إلا انها تقوم بالعكس من ذلك واقعآ . لقد ادى هذا الوضع الذي وضعت الحكومة العراقية المنتخبة نفسها فيه كامتداد لوضع المحاصصات الطائفية لسابقتيها ولمجلس الحكم , بحيث أنها لم تستطع لحد الآن أن تضع الخطوط العريضة التي يمكن الإستدلال بواسطتها على نية هذه الحكومة فعلآ على إسترداد الهوية العراقية المفقودة التي وعدت بها من خلال حل هذه المليشيات المنفلتة والتوجه لإعادة رص الصف العراقي شمالآ وجنوبآ , شرقآ وغربآ للوقوف بوجه أعداء التوجه الديمقراطي في العراق الجديد . لقد ظلت وعود الحكومة لحد الآن مثار السخرية والإستهزاء كلما تكررت على لسان هذا المسؤول أو ذاك , ولم تُقنع هذه الحكومة ولا طفلآ عراقيآ لحد ألآن بأنها ستضمن له فعلآ مستقبلآ خاليآ من ألإرهاب الديني والسياسي . نقول لقد أدى هذا الوضع إلى التفكير بسبل أخرى يمكن أن تساهم في إنقاذ ما تبقى من ماء الوجه . ولم تكن هذه السبل طبعآ في المستوى الذي يمكن أن يتجاوب وطموحات القوى الوطنية ذات الفكر الوطني التقدمي المتحرر من كل النزعات الشوفينية التعصبية دينية كانت أم سياسية , كتفعيل دور الوعي الثقافي والسياسي والإجتماعي الذي أصبح يشكل خزينآ لا يمكن تجاهله حين التفكير بعراق ديمقراطي فعلآ يساير الركب العالمي في القرن الحادي والعشرين . لا لم يكن التفكير بهذا الإتجاه , بل إنصب على إيجاد بعض المسكنات التي قد تريح من عذاب الآلام مؤقتآ إلا أنها لا ترقى إلى مستوى علاج أسباب هذه ألآلام والتخلص منها نهائيآ . ومن هذه المسكنات الجديدة التي جرى تداولها في ألأيام ألأخيرة هي الفكرة التي طرحها ألأمريكان أولآ والتي عبروا فيها عن رغبتهم بتسليح العشائر العراقية للمساعدة في كبح جماح ألإرهاب الذي لم يتناقص رغم الخطط ألأمنية المختلفة ورغم ألأموال الطائلة التي بُذلت لهذا الغرض منذ سقوط البعثفاشية في العراق ولحد الآن . كما نقلت وسائل الإعلام نبأ عدم موافقة الحكومة العراقية على هذه الفكرة التي طرحها ألأمريكان وكان لرفض الحكومة العراقية لهذه الفكرة ردود فعل إيجابية لدى الأوساط العراقية التي فسرت هذا ألأمر على إعتباره سيجنب الحكومة إنفلاتآ أمنيآ آخر في المستقبل إذا ما تواجدت قوى عشائرية مسلحة تنتظم في مليشيات جديدة لا تقل خطرآ على الوطن وأهله من المليشيات السائبة في الوقت الحاضر. إلا ان الغريب في ألأمر هو ما تردد في اليومين ألأخيرين حول نية الحكومة العراقية تحقيق هذه الفكرة من خلالها وليس من خلال القوات ألأمريكية المتواجدة في العراق . ألحكومة العراقية تسعى إذن لطرق هذا السبيل علها تجد فيه ما يضمد بعض جراحات الوطن التي تساهم مليشيات بعض أحزابها مساهمة فعالة في تعميقها .
ليس المهم في هذا ألأمر الجهة التي ستنفذ هذه الفكرة , ألحكومة أو ألأمريكان . إن المهم هنا هو الفكرة بحد ذاتها وأين سيقودنا طريق تنفيذها . وبما ان التأثير القريب ألأمد ألذي تتوخاه الجهة المنفذة لهذه الفكرة قد يتحقق حسب الخطط الموضوعة للتنفيذ حاليآ , إلا أن هذه الخطط ستخلق على الأمد البعيد أوضاعآ لا تساعد على دعم ألأمن , بل على هدمه من جديد , ولتوضيح ذلك أكثر ننطلق من الحقائق التالية التي ستتمخض عن عمل كهذا.
تعتمد خطة تسليح العشائر على إناطة أمر توزيع السلاح على أفراد العشيرة الواحدة إلى رئيس العشيرة أو ما يسمى شيخ العشيرة بالعراقي الفصيح . إن المتتبع لتاريخ العراق إبان حكم الدولة العثمانية لهذا البلد وامتصاص خيراته حتى النخاع يعلم جيدآ أن السياسة العثمانية تلك لم يجر تنفيذها من قبل الجندرمة العثمانية وحسب , بل ومن قبل بعض العوائل والشخصيات العراقية التي وقفت إلى جانب الحكم العثماني الذي إعتمد عليها إعتمادآ شبه كلي في السيطرة على مجريات ألأمور وتأمين الطاعة لخليفة ألمسلمين في العاصمة العثمانية وذلك من خلال مساعدة الولاة العثمانين على العراق على إجهاض أي تحرك وطني ضد سياسة التتريك أو ضد سياسة الإستغلال البشع لخيرات وموارد العراق من قبل حكومة الخلافة ألإسلامية العثمانية . وعرفانآ بالجميل لهذا العمل الموالي للسلطة العثمانية تلقى بعض هؤلاء الحلفاء الهدايا الطائلة والمستمرة من لدن السلاطين العثمانيين كان أبرزها المقاطعات التي إقتطعها هؤلاء الحلفاء لأنفسهم والتي جعلت منهم يتحكمون في حياة سكنة هذه المقاطعات . وبما أن السمة الغالبة لهذه المقاطعات كانت ريفية , لذلك شملت هذه السيطرة الجديدة أبناء الريف الزراعي الذين اصبحوا تحت الحكم المباشر للمالك الجديد للأرض الذي أصبح يشكل ركيزة لنظام شبه إقطاعي , ويطلق عليه مجازآ مصطلح " ألنظام ألإقطاعي " ساد المناطق التي وقعت تحت سيطرة هؤلاء الحلفاء .
العراقيون الذين عاشوا الأحداث التي تمخضت عن ثورة الرابع عشر من تموز وخاصة صدور وتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي يعلمون جيدآ ما هي الفضائح التي كشفها هذا القانون والتي اظهرت للعيان مدى التحكم الوحشي الذي كان يمارسه شيوخ العشائر من الإقطاعيين بحق الفلاحين العاملين في إقطاعياتهم , حيث إستمر ذلك إبان فترة العهد الملكي الذي قنن سلطة شيوخ العشائر بنظام دعاوى العشائر الذي ألغته ثورة الرابع عشر من تموز . لقد جاءت ثورة الرابع عشر من تموز لتقتلع جذور هذا النظام الإستغلالي البشع , وقد إستطاعت بالفعل تقطيع اوصال هذا النظام بقوة مواقفها وعزيمة أمرها المستمدة من الشعب مباشرة وكانت على وشك أن تقتلع جذوره من أرض العراق الطيبة إلى ألأبد لو لم تتعثر هذه الثورة بأحجار الرجعيات السياسية والدينية التي عملت المستحيل لإيقاف هذا الزخم الوطني الذي شعر بمردوده الواضح والسريع كل من وضع مستقبل الوطن والشعب نصب عينيه , وليس الحنين إلى تحكم ألإقطاع والإقطاعيين . إنها معادلة علمية لا تقبل الخطأ تلك التي تشير إلى قوة الدولة التي تتخلى عن الدعم العشائري والتي لا تعتمد في تنفيذ سياستها على كسب تأييد شيوخ العشائر لها , والعكس هو الصحيح . فماذا سيجني وطننا إذن من خلال تنفيذ فكرة تسليح العشائر ووضعها موضع التنفيذ . إنها ألعودة إلى ألإقطاع ولكنه ألإقطاع التجاري هذه المرة , إن صح التعبير, أي أن شيخ العشيرة لا يتحكم , كما كان يفعل سابقآ, بإنتاج الفلاح الزراعي , بل إنه سيتاجر في هذه الحالة بهذا الفلاح نفسه الذي لا زال يسكن ضمن المنطقة التي يسيطر عليها هذا الشيخ , حتى وإن لم يعمل في الفلاحة التي قضى عليها النظام البعثفاشي من خلال تطبيق سياسة زراعية عقيمة جعلت من العراق مستوردآ حتى للبصل . إن سياسة خلق الظروف التي تتيح لهذا الشيخ أو ذاك أن يحكم قبضته على أبناء منطقته سياسة إتبعتها ألبعثفاشية في السنين ألأخيرة من وجودها, إلا أنها لم تترك الحبل على الغارب لشيوخ العشائر الذين ربطتهم بمواثيق لم يكن من السهل عليهم التخلص منها ووضعت أمامهم من خياراتها القمعية ما جعل كل شيخ يفكر أكثر من مرة في تجاوز الحدود التي وضعها له النظام البعثفاشي . إلا أن السياسة الساعية لجعل شيوخ العشائر يتاجرون بالفلاحين الذين يقدمونهم كبضاعة يقبضون ثمنها من قبل الدولة أو الأمريكان وعلى أن يتعهدوا شخصيآ بجودة هذه البضاعة بضمانهم الشخصي , إن سياسة كهذه تطرح علينا فيضآ من ألأسئلة التي لا نجد جوابآ لها حتى ولا على المدى البعيد . فإن فرضنا تحقيق ألأمن فعلآ من خلال تنفيذ خطة تسليح العشائر , فإلى أي مدى سيستمر هذا التسليح..؟ وهل هناك من ضمان لعدم نشوء إقطاعيات جديدة يترأسها كل شيخ عشيرة ويتحكم بها بقوة السلاح كما تتحكم المليشيات المنفلتة اليوم في كثير من مناطق العراق التي تقع تحت سيطرة هذه المليشيات أو تلك ..؟ وما هي مواصفات تحديد الشيخ تحت هذا ألإنفلات في القيم والأخلاق والتقاليد التي يستغلها كل من هب ودب للكسب والإثراء على حساب الملايين التي ضحت بكل شيئ إبان الحكم البعثفاشي المقيت ولم تحصل على أي شيئ لحد ألآن ليستمر بؤسها وعناؤها ولينعم المنافقون والدجالون وحتى البعثيون بالأموال والبضائع المهربة عبر الدول " الشقيقة والصديقة "..؟ وما هو الضمان على عدم إستغلال هذا السلاح لتصفية حسابات شخصية أو مناطقية أو عشائرية أو طائفية , هذه السياسات التي أصبحت اليوم السمة الغالبة على الساحة العراقية..؟ وكيف سيتم ترويض هؤلاء الشيوخ في المستقبل,الذين سيجدون أنفسهم محاطين بالسلاح والرجال وألأموال التي يقبضونها لقاء متاجرتهم بأبناء مقاطعاتهم , وهل سيتخلون بسهولة عن حياتهم هذه , حتى وإن نجحوا في إستتباب ألأمن ..؟ ألا يحاولون المستحيل في المستقبل لخلق ظروف جديدة تضمن هذا النوع من الحياة لهم ولمن يأتي بعدهم من ألأولاد والأحفاد حسب التقاليد العشائرية المتبعة في الخلافة , ولو بقوة السلاح الذي سيجددونه بين الحين والآخر بما تنفقه عليهم الدولة أو ألأمريكان من أموال , أو بالسوق الجديدة التي ستنشأ من جراء المتاجرة بالبضائع البشرية الجديدة ..؟ ثم ما هو مستقبل الإنتاج الزراعي في هذه المناطق التي سيمتهن أبناؤها مهنة القتال بدل مهنة الزراعة..؟ ألم تدعي الحكومة في كثير من بياناتها بأنها تسعى إلى إعمار العراق..؟ ألا يشمل هذا الإعمار المجال الزراعي في بلد كان يصدر المحاصيل الزراعية المختلفة بوسائل إنتاج بدائية إذا ما قورنت بوسائل ألإنتاج الزراعي اليوم..؟ ثم ما هي العلاقة التي ستنشأ بين هؤلاء المسلحين من أبناء العشائر والدولة ...؟ ولمن سيكون ولاؤهم للشيخ الذي أنعم عليهم بهذا المردود المالي الذي بإمكانه أن يسحبه عن أي واحد منهم متى يشاء , ام للدولة ..؟ وبامر من سيأتمرون لتنفيذ الخطط ألأمنية , سيما إذا كانت مثل هذه الخطط لا تتفق ومزاج الشيخ الذي أنعم عليهم بهذه المهنة..؟ هذه ألأسئلة وأسئلة كثيرة غيرها يجب وضعها أمام من يسعى لتنفيذ فكرة تسليح العشائر , أسئلة يجب معالجة مردودها على المدى البعيد المتعلق بمستقبل الوطن وأهله .
إذا كان سعي الحكومة العراقية جادآ في هذا المجال , وهذا ما نسمح لأنفسنا كمواطنين أن نطلبه منها وليس من ألأمريكان , فعليها أن تدعوا أبناء ألعشائر للإنضمام إلى قوى ألأمن من خلال أجهزة حكومية نطيفة غير ملوثة بقذارات الطائفية والشوفينية والعنصرية والمناطقية والعشائرية , أجهزة لا تبيع الوظائف الحكومية كما يبيعها وكلاء ألأحزاب الدينية اليوم ولا كما سيبيعها شيوخ العشائرفي المستقبل في حالة إناطة أمر هذه الوظائف بهم عند تنفيذ خطة تسليح العشائر. وما نسمح لأنفسنا , كمواطنين , أن نطلبه أيضآ هو : قليلآ من بعد النظر ولو في هذا الأمرفقط .