سلمى بغدادي
الخميس 7 /12/ 2006
يوميات فتاة عراقية تنتحر ببطء
( 9 )
سلمى بغدادي
وصلت إلى دائرة عملي اليوم تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً ، مثلما أوعدت وداد قبل يومين ، بدى لي الطريق الى الدائرة طويلا جداً، وقد راودت مخيلتي صور الشباب الثلاثة الذين قتلوا في حادث الخط السريع قبل ايام ، عندما مرت السيارة قرب مكان الحادث ، وقد فكرت مع نفسي ، ماذا لو كنت أنا واحدة من الذين قتلوا، منْ يا ترى سوف يسال عني أو حتى يتعرف على هويتي، تملكني خوف شديد وأنا اتصور نفسي قتيله ومن شدة الخوف اعتقد أمتقع لون وجهي .
وانا أتوجه الى دائرة عملي دهشتُ ، (بعد أن نزلت من ( الكيا) أن ارى جدران بناية دائرتنا مغطاة بالقماش الاسود) ، وفي الباب الرئيسي رأيت شابين يرتديان ثيابا سوداء ، وقد لف كل واحد منهما راسه بقطعة من القماش الاسود مكتوب عليها ( يا حسين يا شهيد ) ويمسك كل منهما بيد واحده بندقية كلاشنكوف فوهتها الى الاسفل ، استوقفاني وأنا أهم بالدخول عبر البوابة الحديدية العريضه وسألني احدهما ( ها اختي تفضلي وين ؟ ) أجبتهما ( اني موظفة بهاي الدائرة ) ، لمْ أجرأ أن أسألهما وأنتما منْ ؟؟.....لمْ يستكملا أسئلتهما لان صوت وداد وهي تناديني من الخلف قطع عليهما الشك بشخصيتي ( سلمى دنتظري شصار عليج ، صارلي أشكد اصيح عليج وانت ولا تسمعيني ) أقتربت وداد منا ، ولكن الذي أثار انتباهي أنها حيتهم بقولها السلام عليكم وهما ردا عليها السلام مع التبريكات ( عندما كنت اقول للعم ابو حسين صباح الخير يردُ هو صباح النور بويه هله بهالصباح ).
على الواجهة الداخلية للبناية كانت هناك اكثر من لافتة سوداء ، واحدة منها جعلتني أنظر بأستغراب ودهشه الى وداد وكأنني أطلب منها تفسيراً، مكتوب عليها، ( كل ارضٍ كربلاء وكل يوم عاشوراء ) ، ضغطت وداد على يدي وهمست ( مو راح تجي عشرة عاشور ).
عند الباب الداخلي رايت عدداً من الشباب وهم يرتدون الملابس السوداء ويضعون نفس العصابة على رؤوسهم ، وقد رأيت جهاز تسجيل موضوعا على منضدة خشبيه مغطاة بقماش اسود وينبعث منه صوت رجل يروي قصة مقتل الامام الحسين .
كانت جدران الممر مغطاة بصور لرجال يرتدون العمائم السوداء ، دخلت إلى الغرفة التي نعمل بها أنا ووداد وماري ، أردت أن اضحك بصوت عالٍ عندما رأيت ماري ترتدي ملابساً سوداء وتغطي رأسها بمنديل اسود ، سلمت عليها وانا اقبلها همست لها ضاحكة ( هسه يسوج من عدهم )أشارت وداد إلى منضدة أم حسين وطلبت مني ان اجلس مكانها ,،وعندما سألتها لماذا هذا التغير قالت وهي تبتسم ( مو أم حسين هسه هي الكل بالكل ، أتزوجهه المدير الجديد على سنة الله ورسوله ، فصارت هي الزوجه الثالثة )، حينما جلست على الكرسي خلف المنضدة ، رأيت أمامي على الحائط صورة رجل يرتدي العمامة السواء ويرفع اصبع السبابة وكأنه يقول لي صه لا تتكلمي .
لاأعرف كيف مرَ الوقت ، حينما وقف بباب الغرفة شاب منهم وطلب منا ان نذهب الى المحاسب لاستلام الراتب ، في غرفة المحاسب رأيت أم حسين تجلس الى ركن منضدته وهي ترتدي (الحناكي ) وأمامها دفتراً كبيراً ، وهي تأخذ من كل موظف عشرة الالاف دينار تبرعاً الى موكب عزاء دائرتنا .
طيلة فترة وجودنا اثناء الدوام ، لم نعمل شيئاً ، عندما خرجنا دعتني وداد لتناول الغداء على حسابها في المطعم ، اعتذرت لها شاكرة ، قلت لها ارغب ان اعود الى البيت ، في الحقيقة ليس لي اي مزاج ، لهذا أريد أن أتمشى بمفردي ، ليس سوى الوحدة من ملجـأ لي ، إليها انتمي بكل كياني ، وبها أعرف أنني سأضيعُ بكل ضياعي.
يتبع