الثلاثاء 27/11/ 2007
عندما يصبح الوطن ضباباد. صدام فهد الاسدي
انسنة الطبيعة الجامدة في شعر قصي عسكر
(الشمس والقمر)
(2)يخترق الرمز عند الشاعر جماليات اللغة المقننة بطاقات تعبيرية متقنة وهو يدرك جيدا ان اللغة بدلالاتها الوضعيةقاصرة عن نقل الحقائق خاصة عند الشاعر الممارس العملية الشعرية دون تصنع لذا تحسه مجاورا التجريد بتحويل الحسي المادي الى معنى ذهني خاصة في ربط الحضور بالغياب في فرادة النصوص ضمن علاقة داخلية تنبع من المرموز اليه والرمز الاصل مما يجعل المتلقي (المرسل اليه)باحثا عن مديات الايحاء والتنقيب عن الطرف الاخر وكلنا نعلم بان(قيمة الرمزلاتكمن في الدلالة بل تكمن في صياغة الدلالة شكلا ومعنى)اذا مانسينا ان الرمز اكثر وسائل الشاعر تنوعا واجد قصيا فنانا في رصف الرموز واكثرها الطبيعة الجامدة
انظر قوله :
قد حوى الشوك اضلعي قطرات لم تدنس بما تنوء السيول
فالشوك والسيل طبيعتان جامدتان يحركهما الشاعر فالشوك يحرك ويحتوي والسيول تجرف
ثم تتكور الريح صورة رمزية وهي طبيعة جامدة:
وقبل ان تخلعني الرياح
رأيت فيك صحوتي
يكفي بان نظرتي تشبثت بصخرة السراب
يبدو انه يتفنن في لعبة المجاز ضمن رمز مكثف ويلاوي حركات الطبيعة فالريح تخلع قميصها والصخر يتشبث والفصول تنقض ملامحها والليل قد ادركه
حتى تحولت الشمس الساطعة الى ذئب مفترس:
تغرز مخلبها الشمس في صدري----وقوله(الشمس ذئاب)
وغدا البحر الكبير مصقولا ياخذ قلبه الى مهوى القلب وحينما قابل البحر خرج اللؤلؤ مناديا عليه,فالشمس ثانية حجارة والريح والماء والنور كلها تذوب بداء الصخر,هل تستمتع بتاثر الشاعر بالبلاغة وهو يرصف مجازات ورموز
نبتت سبع سنابل في قلبي
خذها استعارة تناصا سمها ماشئت ويبقى دور الشاعر كبيرا في جماليات الوصف
وكم جسد الشاعر دورا للالوان المنبثة من جمال الطبيعة فالازرق يتكلم
"لما التفت الازرق كان الماء
الغيمة نافذة تتثاءب من ضجر
والغيم يماطلها ويتعانق فيها شجر الخوف واحجار الدم-وفي غد ملتقانا على دموع السحاب)(كابتهاج الضياء بالاحداق)
وكم تجد الشاعر محركا الارض فهي الافعى وقوله(الوردة افعى-الصخر وعود-"
فالارض انسلت كالثعبان الىوكر يدعى الكون
حتى البس صفات الانسان الى طبيعته في قوله
:كشمس الغروب الخجولة وقوله:لما ارتعشت واحدة بين غصون الاهات
فازج بها جبل الاوقات
وهكذا يستخدم التضخيم لقلقه الدائم حتى غدا الموج عنده(كان الموج طيورا تاتي من زمن مجهول)
وياخذ الجزء ويلبسه للكل (والبحر شراع يمتد الى اضلاعي) وكم كانت صورته رائعة مستحدثة جديدة لم يسبقه شاعر اليها(يتلوى كان البحر والغيمة تمطره بالقبلات) وقوله(نشوة القمر يهيم خلف النافذة-يرقص في المزارع
فترتقي سلالم الضياء لنقطف النجوم-
كيف لايكون هذا شعرا مرمزا والاحلى قوله(وحين ينزل القمر-للنهر يستطيب نشوة المياه,نتبعه,نصطاده,نبني له بيتا من المحار,بيتا من الرمال
هذا شعر جميل يسرح بنا الى سرد الخيال المتقن والشاعر يبذل جهدا في رصف صوره حقا,ولو خلق الشاعر ديوانا يحمل هذه الصور لما قربنا من دالة اخرى
واصبحت مداخلات الانسان طبيعة ليس للشاعر حصة فيها انظر اقواله(لغابة الخيال)وهو من حصة الانسان وقوله(الصحارى مفعمات بالرياء) وقوله(الليل الموحل بالاحلام يتمرغ بالافكار) وقوله(تنظر في بركة افكاري)
وهذه الفضاءات المغلقة والمفتوحة حينا تحاكي رمز طبيعته التي شغلت روحه فهو جبران مهجري يعصر همه وايليا اخر يحاكي وردته في كن بلسما
وما تبادل الحواس وتغير الدلائل الا قدرة على محاكاة هذه الطبيعة (فارى فيه اريجا عبقا)لابد ان يشم الاريج وهو يراه وهذه صورة تبادل الحواس العكسي
وهاهي الاحلام تتفتح عن غصون:
الامل الملتف على غصن الاحلام
وما اقسى الشارع متسللا(والشارع اذ يتسلل خلسة
مازال الشارع يلتقط الاقدام)
وبعد كم يلغي الشاعر من امنا الارض دورها الكبير (
لم تسمع الارض صرخات لمولدها ----كانما زانها في الضجة الصمم)
كم اعجبني هذا البيت
وهل اجدني مصيبا لو قرأت قول بلند الحيدري(اذا كان الوحي الذي يعبر اليك عبر ذاكرتك العينية المرهفة ) هنا مجاز اخر وتراسل حواس (فللصنعة في اخفاء الصنعة سيكون له اثره في التفاضل)(انك تمهد لك دربا رائقا في العطاء) وهذه اقوال بلند تتقارب من كشوفاتي لصوره ومقالب البلاغة في فنه الشعري
ولم تتوقف رحلتي بعد فالجزء القادم يكشف عن معطيات اخرى