|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس   3  / 4 / 2025                                 سعيد غازي الأميري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

رواية مغنية الحيرة.. كشف التاريخ المُهمل

سعيد غازي الأميري
(موقع الناس)

يطوف بنا الروائي حسين السكاف إلى أماكن مؤنسة في مملكة الماء المنساب، "الحيرة" عاصمة المناذرة التي ازدهرت جنوب وادي النماء بين القرنين الثالث والسابع الميلادي، حيث تلاشت هيبتها ومُسحت آثارها في تناوب التضاد بين نزوة زحف أهل الصحراء غرباً وسطوة سكان الجبال الجرداء شرقاً.

يرسم لنا المؤلف بروية، لا تخلو من متعة التتبع المعرفي، صورة مدينة حجبها عنا التاريخ المؤدلج. فـ"الحيرة" استوطنت ضفة الفرات وتربعت على منافذ جداولها وهي تفيض زرعاً وغناءً. يسمعنا صهيل خيولها وهي تطوي الطرقات بعرباتها المزخرفة، ويقف بنا عند أسواقها للابتياع من ثمار بقاليها.

رواية "مغنية الحيرة" محاولة جادة لرفع الغطاء عن التاريخ المهمل، التاريخ المسكوت عنه الذي لم يمنح أشهر معماريًا عرفه التاريخ، المهندس الرومي "سنّمار" باني ومصمم قصر "الخورنق" الشهير سوى سطرين مكتوبين بخجل، فلا يذكر لنا التاريخ شيئاً عن حياته، فجاءت الرواية لترسم له حياة كاملة متوجة بالعشق والأسفار والذريّة... كما غفل التاريخ أيضاً عن حياة أشهر مغنية في الحيرة، "هند بنت عفزر" صاحبة الحانة التي كان الأمراء والسفراء من أهم رواد حانتها، والتي حظيت بالاهتمام الخاص من قبل ملك الحيرة الأشهر "النعمان ابن المنذر"، فلم تذكر لنا كتب التاريخ، الموسيقية على الوجه الخصوص سوى بضع كلمات وبيت شعري يتيم يُنسب خطأً لأمرؤ القيس بن حجر، وذلك محزن بحق، ومن ذلك الحزن المطعّم بالحرص، أثمرت مخيلة المؤلف في روايته "مغنية الحيرة مشاهد وصور ومراحل حياة كاملة لـ "هند" منذ ولادتها حتى غيابها الملائكي الذي أثار لوعة الشعراء.

"الحيرة" مدينة الرخاء والموسيقى، منصة ألحان الشعر بمخارجه: غزل وشجن، مفاخرة ووعيد. يتحفنا الكاتب بفنون نقوشها وزخارف طيقانها وقلائد مصوغاتها، ونسمع بعد المغيب عزف أوتار البربط والدفوف المدبوغة بجلود رفيعة الصنعة، وهي تنشد ألحاناً مغناة لشاعر البلاط عدي بن زيد العبادي، والنابغة الذبياني وغيره من كبار الشعراء.

كان السكاف موفقاً في اختيار الأسماء العذبة التي أضفت طراوة محببة للنص، إذ لا تكاد صفحة أو فصل يمر دون أن يرينا من خزين جهده أسماءً ممتعة أو أنواعاً من منقوع الشراب والأطعمة. نطفئ ظمأنا برحيق ثمارها وشذى عطرها التي ظلت متداولة إلى اليوم بنسب وأسماء ليست بعيدة رغم تبلبل الألسن، ما يعيد إحياء ثقافة مملكة عربية كانت مركزاً للتجارة والفن قبل الإسلام.

اختار السكاف الحانة بتأثيثها وخواص نظم عملها - مسرح وغناء، كبير السقاة وبنات حسان يرعين الزبائن - منطلقاً للتعريف بحياة أهل الحيرة لردح من الزمن، ربما توقف فيه لما يقارب قرنها الأخير. وبإشارة فنية ذكية، يلمح إلى جفاف عذوبة الألحان وبوادر لريح تذري قادمة حين يصور النقّاش الماهر والمغني الفاخر "مرامر" وهو يحاول تدريب وليده البكر والوحيد، سليل النكبات المتتالية، وكيف ينفر "الصبي" حد الجزع من الاستمتاع أو السماع لنقر الدف وضربة عود متمرسة. فالجدب قادم، في إشارة إلى ذلك السجال التاريخي بين شعوب المنطقة الذي أدى إلى أفول نجم تلك المملكة الجميلة.

كما يبرز لنا السكاف بحيادية سوءة ثقافة التبجيل المتأصلة بالموروث المتراكم، بمسبباته ومخارجه، لتأليه الحاكم وتجبره وتبجيله لذاته حتى وإن لاحت منه مسحة عدالة. يفصح لنا عن نزوة الحكم المتوحشة في كوامن الملك النعمان ابن امرؤ القيس عبر قصة نكبة "سنمّار"، مهندس قصر الخورنق، الذي ألقي من أعلى القصر بعد إتمام بنائه.

 



 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter