| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 7 / 5 / 2026 سعيد غازي الأميري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
شاهد عدل يؤرّخ
سردية : حتى مصرع الفجر
للكاتب: خضر عبد الرحيم - سيرة سجين سياسيسعيد غازي الأميري
(موقع الناس)
منذ ولوج الشباب السياسي، كنا مفعمين بوسع انتماء أحلامنا صوب مجتمع اشتراكي يؤمن الحرية والمساواة لشعب مؤهل للعيش بعدالة تتماهى مع حقوق الإنسان.
بهذا الإعراب سبغ علينا خضر عبد الرحيم قناعته، تلك التي فصّلت تجربته باعتقالين متتالين بلغ فيهما حز الموت حدّ رقبته، حتى أعفته الأقدار — أو دعاء أمٍّ تلوك الحزن نبلاً، وأبٍ جليل سقاه طيب الزاد مع رذاذ ماء الفرات. فدوّنها لنا بسرديتين ترتقيان لرفٍّ خاص يؤرشف مخاض الوطنيين الأحرار في مواجهة الطغاة.
من الصفحة الأولى، ودون انتظار تلافيف السرد، توقن أنك أمام مخلص لم يهدأ ضميره حتى دوّن - البطش والحلكة وتعاسة مصير شباب بعمر الورد، قدّموا أنفسهم قرباناً لحرية منشودة.
في سرديته الأولى: حرائق الذاكرة... بين الزنزانة وقاعة المحكمة، جسّد وحشية سجون الدكتاتور كمن تجرّع مرارة نبات الصبر، فقرأتها بذائقة المكلوم حسرةً.
أما حتى مصرع الفجر، فأحسبها عهداً شخصياً وتكليفاً من الضمير واجب الأداء - إذ اتسعت لتشمل معايشات رفاقه وشهادات أحاديثهم خلف القضبان، لتكتمل بذلك وصمة لعنة على مسيرة حزب فاشي مشبع بالرذيلة، ملطّخ بدماء أزكى ما أنجبت تربة العراق.
تستحضر هذه السردية روح كتاب الراحل بهاء الدين نوري (أيام صعبة) الذي صدر في منتصف السبعينات، عن مذكرات ومسيرة حزب عنيد أنهكته المداهمات والمطاردات من قبل سلاّبة العقل والضمير بنزعة التسلط. لكن هنالك مفارقة جديدة عَمَدَ خضر عبد الرحيم إلى تضمينها هنا، وهو يستعرض ليس فقط صمود الضحايا بل تكرار فجيعتهم مرتين: الأولى في غدر انفراط الجبهة، ليتحولوا من حلفاء بناء مكشوفين في العلن إلى خونة وأعداء يحق للقانون البعثي إعدامهم. والثانية، فهم ضحايا العملاء والمندسين الذين تمكنت السلطة القمعية من توظيفهم في جسد تنظيمات الحزب - ومنهم يفرد الكاتب اسماً حركياً مستعاراً (نادية سعد)، ويعرّفها ابنة شهيد من كوادر الحزب المتقدمة. هذا الفتك الذي أنهك تنظيمات الحزب بقسوة.
أغلب محتوى الكتاب يسلط الضوء على كوكبة وطنية شابة أُعدمت بوشاية نذالة، قبلت لذاتها العفنة أن تدفع بهم إلى أعواد المشانق.
النص مثير بلغته وصدق جوهره ولوعة تفاصيله، يثير الحسرة والفخر معاً بمسيرة وطنية زاخرة بالوفاء، يقابلها نكوص الحكام والجلادين. اخترت مقتطفات للصراع بين العدالة والنذالة.
صفحة 67 - أضاف حسن زامل، بلوعة وغضب:
"أكابد الألمَ وسط جوقة الوحوش والسفلة، أفترش البلاط، وأتلحف الهواء، ولا رفيق معي غير دربزين السلم المربوط إليه أبث شكواي وأنيني لحديده الصامت بهدوء وخشية أن يسمعني أحد... بعد أن يعودون بي كل ليلة معصوب العينين بعد حفلة تعذيب وحيداً كالمنبوذ، ما أن يقترب مني أحدٌ حتى يُكيل لي السباب والشتائم، فضلاً عن ركلات السافلين التي لا تتوقف..صفحة 184 وبعدها، مقتطفات:
"وصلنا بناية المحكمة، أدخلونا السرداب مباشرة، كان مزدحماً كالعادة بالمحالين للمحاكمة... أدخلنا حرس المحكمة إلى قفص الاتهام، يرتدون زياً عسكرياً وسيماؤهم تنذر بشرٍ مستطير... أحاطونا من كل جانب... كان الهواء شحيحاً برغم وفرته، حتى أن القفص بدا أكثر ضيقاً، وقفنا متلاصقين، وجيب قلوبنا صار أكثر صخباً، لم تنفع معه جرعات الهواء التي كنا نعبّها بصعوبة بصدورنا. (ناصر فنجان) كان قربي، ضغطت على أصابعه كانت صلبة وباردة... قرأ الحاكم ما هو مفيد بالنسبة له، وكارثي ومفجع بالنسبة لنا: الحكم شنقاً حتى الموت وفق المادة 175/2 على: 1. محمد علي فليح الركابي 2. حسن زامل سلمان الساعدي 3. ناصر فنجان حسين الساعدي... شعرت أن هوة سحيقة قد فغرت فاها وابتلعت القاعة بمن فيها... 4. الحكم على (.......) لم تسعفني اللحظة على سماع اسمي بوضوح فقد غيبته الهوة التي أنا في خضم رهبتها وجبروتها.... بالسجن المؤبد وفق المادة 172/2... أخرجونا من القاعة بسرعة، فتحوا باباً توارى خلفه أصدقائي الثلاثة، فيما هبطتُ نحو السرداب وحيداً.
ختاماً.
ذات يوم في فورة بواكير الانتماء الوطني، كنت في زيارة لبيت أحد الأحبة ممن أجبرهم بطش النظام على المغادرة بعيداً دون وداع يستحق. صدمتني جملة والده ولازمتني حدّ هذه اللحظة، جاءت من سجين سياسي قارع ظلمهم منذ انقلاب 1963 الفاشي، إذ قال بحرقة المكلوم:
"كيف لحزب يتفق مع البعث في جبهة جديدة، ولا تزال أياديه تقطر من دم رفاقه؟"
العزيزية / السويد
7/5/2026