|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  11 / 4 / 2021                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



تحية عطرة من المكلا

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

تواصلاً مع المقال السابق عبر الأطلسي, دارت الأيام مُيسّرة في مدينة تولوز الزهرية, كنت فيها مثابراً على تجاربي المختبرية في مختبر الهندسة المدنية بالمعهد الوطني للعلوم التطبيقية بتولوز وفق برنامج مرتّب تحت إشراف مباشر من قبل الأستاذ شارل هنري ديتريشي وإشراف عام من قبل رئيس المختبر الأستاذ جون كلود مازو وهو الذي تكرّم مشكوراً أثناء فترة رئاسته بقبولي كطالب دراسات عليا وباحث في ذلك المختبر ذائع الصيت في فرنسا. كان علي أولا أن اجتاز مرحلة دراسية في النظام الجامعي الفرنسي تُسمّى دبلوم الدراسات المعمّقة قبل الشروع في برنامج الدكتوراه, وهذه الدرجة مناظرة إلى حدٍّ ما درجة الماجستير في النظام الدراسي المعتاد. ولأني أحمل مؤهل ماجستير من قسم الهندسة المدنية بمعهد الهند للتكنولوجيا بنيودلهي في الهند عام 1979م, فقد أعفيت من الامتحانات النظرية لدبلوم الدراسات المعمّقة, على أن أقوم بإعداد وتقديم بحث الدبلوم فقط. وهكذا مضت أربع سنوات كاملة بالوفاء والتمام من صيف 1983م حتى صيف 1987م بين أروقة ذلك المختبر الجميل, دون أن أتعرّض فيها لأي مضايقات من أي نوع بل حظيتُ بمعاملة حسنة من قبل الكادر البحثي والفنّي والإداري فيه. وقد أتاحت بعض من نتائج أعمالنا البحثية في المختبر المشاركة بها في مؤتمرات دولية في كل من الولايات المتّحدة الأمريكية وسويسرا وكذلك نشرها في مجلات متخصّصة محلية ودولية.

كانت الحياة الاجتماعية في المختبر لا تخلو من لمسات طريفة عبر تبادل الزيارات بين حين وحين في الأمسيات بين الباحثين أنفسهم وكذلك مع أقرانهم وأساتذتهم الفرنسيين, حيث يتم من خلالها التعرّف على أنماط الثقافات المتنوّعة والقيم والتقاليد الخاصة بكل بلد. أذكر أن أحد الفنّيين بالمختبر واسمه مسيو أتارد, دعاني لمنزله في إحدى ضواحي تولوز لتناول طعام الغذاء في يوم إجازة. وبمجرد دخولي لمنزله والتعرف على أفراد عائلته, حرص على قوله لي أن الطعام الذي سوف يُقدّم لي خال من دسم الخنزير ومتعلقاته, كما إن اللحم حلال مشترى من جزّارة تذبح على الطريقة الإسلامية. وكانت فرحته شديدة وهو يعرض علي بعد تناول طعام الغذاء ألبومات من الصور توثّق كيف بنى منزله من الأساسات بنفسه مع أفراد عائلته وأصهاره دون أن يلجأ لعمال البناء إلا في الأجزاء الفنية الصعبة التي تتطلّب ضرورة وجودهم. وكان من حظّه أن جدولاً من الماء العذب يمر داخل قطعة الأرض التي صُرفت له لبناء المنزل, الأمر الذي جعله يستفيد منه ويجعل موقع ذلك الجدول يقطع الحديقة الخلفية للمنزل. وكان منظراً طريفاً أن ترى مجموعة من المواشي المنزلية التي يربّيها وبعض الوز والبط تنعمن بمياه ذلك الجدول اللطيف. كما إن فنيّاً آخر بالمختبر اسمه مسيو كوبيه لمجرد أني عزمته مصادفة على كوب من الشاي بادر من ذات نفسه وبإصرار على أن يقوم بعملية تلصيق أوراق الديكور التي تُزيّن حوائط الشقة السكنية الجامعية والتي تُعطى وتُصرف لنا من قبل إدارة السكن الجامعي لكل ساكن جديد لعملها في منزله بمعرفته.

وخلال تلك المسيرة الجميلة في مدينة تولوز التي استغرقت قرابة أربع سنوات كانت فيها كل أموري الشخصية على ما يُرام رغم أنها كانت تتعرّض لمد وجزر في بعض الأحيان, وذلك من طبائع الأشياء والأمور وناموس الخلق والحياة. ومن ذلك أني مررت بفترة صعبة في آخر تلك المسيرة عندما أجرى لي الجراح الشاب حينها ميشيل كومي عملية قرحة الاثني عشر في مستشفى تولوز العام يوم الأحد 7 يونيو 1987م وهو يوم إجازة كما هو معلوم لدى الأوربيين وقبيل دفاعي عن أطروحة الدكتوراه يوم 23يونيو 1987م , علماً بأنني غادرت فرنسا يوم 27 يوليو 1987م , بعد اطمئنان الدكتور كومي على العملية الجراحية. فهناك في تلك البلاد البعيدة, ترى الكل متفانٍ في عمله حتى في أيام الإجازات, وهذا ما حصل معي بالضبط, إذ بعد الانتهاء من كتابة أطروحة الدكتوراه وطباعتها شعرت بآلام حادة في المعدة, وكان الوقت إحدى ليالي رمضان الكريم في صيف 1987م حيث تغرب الشمس في حدود الساعة العاشرة. وفي صبيحة اليوم التالي وصادف أن يكون يوم أحد, كان الألم لا يحتمل واستدعي طبيب عام للسكن الطلابي لمعاينتي سرعان ما شخّص الحالة بأن هناك قرحة منفجرة في الاثني عشر وطلب سيارة إسعاف نقلتني على عجل لمستشفى تولوز العام في ذلك الصباح الرمضاني المبارك, وأدخلت غرفة العمليات مباشرة بعد إجراء الفحوصات الضرورية وكان آخر ما رأيت ساعة الحائط تشير إلى الثانية عشرة ظهراً قبل الاستسلام لكمامات التخدير. وما شعرت بعدها إلا بهمسٍ رقيق في أذني " مسيو رموضه ! مسيو رموضه ! " وكان ذاك هو الطبيب الجرّاح ميشيل كومي جاء ليطمئن على العملية الجراحية في حدود الساعة الخامسة عصراً. وفتحت عيني لأرى بعض من زملاء المختبر في غرفة العناية المركزة ومكثت في المستشفى فترة 9 أيام محاطاً بعناية فائقة كانت من أجمل الأيام من ناحية الصفاء الذهني لأن غدائي كان عن طريق الوريد, وهنا تأكد لي مغزى الحديث النبوي الشريف " المعدة بيت الداء ". فتحيّة عطرة مع باقة ورد أبعثها من المكلاّ لذلك الطبيب الإنسان ولفنّية التخدير المساعدة له وهي بالمثل لأساتذتي وزملائي وكل الكادر البحثي والفنّي والإداري بالمعهد الوطني للعلوم التطبيقية بمدينة تولوز الزهرية.



المكلّا في 10 أبريل 2021م


*
نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter