|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  17  / 10  / 2026                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



شخصيات أكاديمية مرّت على جامعة حضرموت (13)
الأستاذ الدكتور عبدالمجيد ياسين الحميدي الويس

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

هذه شخصية أكاديمية متميّزة, تجمعُ ما بين الانتماء السوري جانباً كبيراً وأصيلاً ولها جذور متأصّلة في الأرض العراقية, فهو من مضارب البو كمال منطقة التماس بين العراق وسورية, تقع على الضفّة الغربية لنهر الفرات وهي آخر نقطة للنهر في سورية قبل أن يدخل الأراضي العراقية, حيث عبر الدكتور إلى العراق فاراً من بطش النظام السابق, وشارك في الدفاع عن العراق في الحرب العراقية الإيرانية وفي التصدّي للاحتلال الأمريكي الغاشم. وعمّق هذا التواصل السوري العراقي اقترانه بامرأة من منبتٍ وأرومة أصيلة من قبيلة من أكبر وأقوى قبائل العراق (الدليم) وبالتحديد من الرمادي مركز محافظة الأنبار ثاني أكبر مدينة في العراق من حيث المساحة والسكّان بعد العاصمة بغداد. الأستاذ الدكتور عبدالمجيد ياسين الويس من مواليد 1959م في العشارة بدير الزور, أكمل دراسة البكالوريوس عام 1986م والماجستير عام 1990م والدكتوراه عام 1998م وكلها في جامعة بغداد, واستكمل ترقياته العلمية حتى أصبح أستاذ اللغة والبيان القرآني عام 2023م من جامعة الزيتونة الدولية في بريطانيا مع فرعين لها في إدلب والقاهرة, إذ أن له أكثر من 25 مؤلفاً في اللغة والأدب والثقافة والفكر وأكثر من خمسة كتب صاغها أثناء اندلاع الثورة السورية حيث شارك فيها منذ انطلاقتها في عام2011م بالمال والسلاح والكلمة والموقف وتعرّض للسجن والنفي والملاحقة من عدّة جهات إضافة إلى تاريخه النضالي منذ الثمانينات حيث لاحقته السلطات لمشاركته في الأحداث التي جرت في تلك الفترة وانتهت بمجزرة حماة التاريخية المعروفة. ولجأ وقتها إلى العراق فاراً من بطش النظام, وعاد أخيراً إلى دمشق بعد التحرير مباشرة على أمل أن يخدم شعبه في ميدان البناء والإعمار والاستقرار.

والمتأمل في المسيرة العلمية للدكتور عبدالمجيد الويس يُلاحظ أنه بدأ مشواره العملي مدرّساً في بغداد أولاً في الجامعة المستنصرية ثم في أرض الفاتح كما كانت تُكنّى ليبيا سابقاً وتنقّل ما بين مدينة طبرق في شرق ليبيا التي احتجز فيها عند اللجان الثورية خمسة وأربعين يوماً لأسباب رأتها تلك اللجان غير منسجمة مع اندفاعاتها الثورية إلى مدينة درنة الساحلية أجمل المدن الليبية للعمل فيها بمعهد إعداد المعلّمين التابع لوزارة التربية والتعليم. ومصطلح اللجان الثورية استحدثه العقيد المرحوم معمر القذافي قائد ثورة الفاتح من سبتمبر1970م, الذي منحَ اليمن الديمقراطية بعيد الثورة مباشرة أكثر من خمسين منحة دراسية لطلابها في جامعتي طرابلس وبنغازي. ولأني درستُ مرحلة البكالوريوس في كلية الهندسة بجامعة طرابلس في العام الأول من قيام الثورة, فلم يُفاجئنا هذا المصطلح إلا قبيل استكمالنا الدراسة في يونيو1975م, وكانت لهذا الإجراء الثوري تبعات وخطوات أخرى أكثر غرابة وحدّية, ومن ذلك انبثاق الكتاب الأخضر والنظرية العالمية الثالثة وهي اجتهادات أقدم عليها العقيد الراحل, رغم أنه بدأ برنامج الثورة بمسحة قومية عروبية إسلامية, وكنا شاهدين عليها في السنوات الخمس الأولى للثورة. ويبدو أن الدكتور عبدالمجيد الويس لم يكن محظوظاً في الاستمرار في درنة الساحلية الجميلة, فقد تم إلغاء عقده بنهاية العام الدراسي الذي عمل فيه, بل تم إلغاء عقود كل المعلمين غير الليبيين في تلك السنة, ولكن لعلاقته الحسنة بمن كان يتعايش معهم ومبدأ إسداء المعروف ولا تنتظر أجراً وهو مبدأ إسلامي جميل لاحظته عليه أثناء تعاملي معه, جاءته النجدة في الوقت المناسب من زميل له في الدراسة الجامعية في بغداد وهو الدكتور عبدالعزيز الصيغ أستاذ اللغة العربية بكلية التربية بالمكلا, إذ تم صياغة عقد عمل له في جامعة حضرموت للعمل بكلية التربية بالغيضة في محافظة المهرة التي كانت تحتاج أستاذا في اللغة العربية, وربما عانى هناك دون شك من الظروف الحياتية القاسية في الغيضة لا سيما أن لديه طفلين صغيرين مع أمهم الأمر الذي استوجب نقله مراعاة لظروفه العائلية لكلية التربية في سيئون التابعة لجامعة حضرموت آنذاك بعد قضاء عام صعب في الغيضة, ولكن كان له من العزاء الوحيد وثمرة تلك المشقة والمعاناة أنه كتب أثناء إقامته في الغيضة كتابه الأول الجميل" فقه العربية وسر اللغة المهرية" الذي أبطل فيه عمل 180 سنة من جهد المستشرقين وهم يصنعون ويلفّقون لغة ليست سوى لهجة استعجمت وأخذ على ذلك الكتاب الأصيل جائزة صنعاء عاصمة الثقافة العربية للعام 2004م. ولم يطل به المقام في سيئون كثيراً فشدَّ الرحال إلى صنعاء للعمل بكلية التربية في خولان التابعة لجامعة صنعاء, وفي صنعاء صادف أن ألتقيتُ بالدكتور عبدالمجيد الويس مرة أخرى بعد أن غادرتُ جامعة حضرموت للعمل بجامعة أهلية جديدة في صنعاء جامعة الأندلس للعلوم والتقنية, كان القائمون عليها أناس أخيار من المملكة العربية السعودية وعلى رأسهم الدكتور عبدالرحمن محمد السري رئيس مجلس الأمناء ومنسّق الجامعة في بداية إنشائها الأخ محمد حسن الحميري, وكانت فترة الإقامة في صنعاء مع عائلتي فترة جميلة جداً, حيث أوكل لي عدة مهام علمية وإدارية منذ إنشاء الجامعة ومنها وكيل الجامعة ثم رئاستها لفترة إجمالية امتدّت من عام 2002 حتى عام 2008م.

ظلّت علاقتي مع الدكتور عبدالمجيد الويس طيبة للغاية من الناحية الشخصية البحتة ومن الناحية العملية الوظيفية, فالرجل شعلة نشاط ومتوقد الفكر العروبي الإسلامي, والشاهد على ذلك كتابته مجموعة من الكتب المنهجية في مجال تخصصه وكذلك مجموعة أخرى من الكتب الفكرية والثقافية والدينية الوسطية دون تطرّفٍ أو غلو, ومن ذلك كتابه الرصين المُيسّر والمختصر في السيرة المحمدية الطاهرة تحت عنوان: " محبّة الله لرسوله ودفاعه عنه في القرآن الكريم", الأمر الذي جعله يكسب العديد من الصداقات في صنعاء من الأخوة الأساتذة أعضاء هيئة التدريس وعلى الأخص الأساتذة السوريين والعراقيين وغيرهم من وجهاء القوم. عمل لدى جامعة الأندلس للعلوم والتقنية كأستاذ غير متفرّغ في اللغة العربية لتدريس مقررات النحو والصرف واجتهد في كتابة الكتب المنهجية المصاحبة للمحاضرات التي يلقيها لطلاب قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية التربية بخولان وكذا كلية التربية بجامعة الأندلس للعلوم والتقنية, وامتازت محاضراته بالحوار مع طلبته وهو الأسلوب التربوي الحديث الذي لا يعتمد على أسلوب الحشو والتلقين. تمّت الاستعانة بالدكتور الويس كرئيس لقسم اللغة العربية في كلية التربية بالجامعة أثناء رئاستي لها وبذل جهوداً واضحة في إدارته للقسم, إذ شارك في ورشة العمل التي نظمتها الجامعة لوضع المناهج وتحديثها وسجّل بعض المحاضرات المختارة في استديو الجامعة للطلبة غير المداومين كما طُبعت له بعض الكتب المنهجية تحت شعار جامعة الأندلس للعلوم والتقنية. وظلّت علاقتي بالدكتور عبدالمجيد الويس أخوية وصادقة يُعززها حبنا للغة العربية والأدب والشعر وانتماؤنا القومي العروبي الإسلامي الأصيل, كما ظلت علاقته بصنعاء العرب مستمرة على مدى خمس سنوات وترك فيها أمانة عمر الفاروق الذي توفّى نتيجة خطأ طبّي, وكتبتُ قصيدة في رثائه أواسي بها زميلي العزيز وصديقي الوفي, وصنعاء يعتبرها من أجمل مدن الدنيا وهو على حق في ذلك, كما كانت مدينة درنة في ليبيا وكما كانت كذلك مدينة الطائف في أرض نجد والحجاز التي أمضى فيها تسع سنين من أجمل أيام عمره قبل أن يغادر إلى السودان مُبعداً لأسباب سياسية ومن ثم إلى أربيل ومنها إلى إسطنبول والعودة إلى دمشق المحررة بعد ثلاثة وأربعين سنة من الاغتراب والتطواف في البلاد التي كانت محطة صنعاء من أجملها.

دعائي إلى الله أن يُحقق للصديق العزيز الأستاذ الدكتور عبدالمجيد ياسين الحميدي الويس ما يتمناه لأمن سورية واستقلالها وعزتها ورخائها وأن تعود كما كان يُطلق عليها الجيل الذي انتمي إليه (سورية قلب العروبة النابض) وأن نجتمع مرة أخرى في ثرى الشام الطاهر بعد فراق دام حوالي عشرين عاماً.



المكلا في 17 أكتوبر 2026م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter