| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 18 / 2 / 2020 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
لعبة الأممد. سالم رموضه *
(موقع الناس)هذا عنوان كتاب شهير كتبه رجل المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند وهو من أشهر عملائها, ويبحث في عالم الاستخبارات الأمريكية مستندا على شهادات لشخصيات ورموز متعدّدة بمن فيهم كاتب الكتاب بدرجة أساسية. وقد قام بترجمته وتقديمه الدكتور الحسيني الحسيني معدّي لدار الخلود للنشر والتوزيع 2012م. وضّح المترجم أن عبارة لعبة الأمم تعني "ذاك النشاط الاستخباراتي الذي بدأته وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن بغية وضع المخططات المناسبة لبسط النفوذ الأمريكي على بلاد العالم عن طريق السياسة والخداع بدل اللجوء إلى الحرب المسلّحة". وهكذا يقترب معنى هذه الجملة من "التخطيط السياسي للصراع على مناطق النفوذ في العالم عن طريق الحرب الباردة". ومن غرائب الأمور أن تستند السياسات الخارجية لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة على أمور افتراضية تُرسم على طاولة للاعبين شبيهين بمحترفي لعبة البوكر الشهيرة في أمريكا. تلك الطاولة توجد في إحدى القاعات بمبنى وزارة الخارجية الأمريكية وتسمى "مركز اللعب" ولكنها في حقيقة الأمر "مركز التخطيط السياسي".
وفي مركز اللعب ذاك هناك مجموعة منتقاة من أبرع الخبراء الذين تعاقدت معهم حكومة الولايات المتحدة للقيام بتمثيل اتجاهات السياسة العالمية وأزماتها, محاولين معرفة نتائجها وتقييمها بالاستعانة بالتقارير التي تصل تباعاً من وزارة الخارجية والمخابرات المركزية والبنتاغون وغيرها من المؤسسات والوكالات الأمريكية. أولئك المجموعات من الخبراء كل يمثل دولة من دول العالم, تحاول تحديد مواقف تلك الدول والخروج بحلول مناسبة لكل أزمة طارئة بشكل اقتراحات عمل على مستوى الأمة والدولة. وتُنقل تلك الاجراءات المقترحة في صورة مذكرات أن اللاعب الذي يمثل دور تيتو أو ديجول أو عبدالناصر يظن أن الشخصيات الحقيقية ستتحرك تحت ظروف مماثلة في هذا الاتجاه أو ذاك الاتجاه وستكون ردود أفعالهم علي هذا الشكل أو ذاك.
ويحاول كل لاعب خبير أن يذكر في سياق تقريره الحلول للقضية الواحدة مع احتمال أسبقية حل على آخر. وتوضع هذه الاقتراحات والحلول لتُوزع إما إلى العقول الالكترونية أو تُترك فوق مكاتب بعض المسؤولين الذي أتقنوا دراسة صفات الشخصيات العالمية وأجادوا تمثيل أدوار الزعماء والقادة إلى الحد الذي لا يخطئون في توقعات أفعالهم إلا نادراً جداً. وقد مثّل دور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الكاتب نفسه, واستمر ذلك الدور الرديف منذ بداية ثورة يوليو عام 1952 بتقرير رُفع إلى الحكومة المصرية بعنوان " الأنظمة الثورية ومشاكل السلطة" وحتى الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو 1967 مختتمه بعبارة " وأخيراً فكل حالٍ يزول...".
والكتاب ركّز بكل وضوح على منطقة الشرق الأوسط وخاصة الدولة المصرية وقادة ثورتها التحرّرية وذلك لأن الكاتب أمضى زمناً لا بأس به وسيطاً طارئاً فيها وهو ما أسماه بدبلوماسية ما وراء الكواليس. وربما لا نتفق مع كثير مما طرحه الكاتب عن دور عبد الناصر وهو الذي عُرف تاريخه بمناهضة الاستعمار في كل مكان, ومحاربة الأحلاف العسكرية الدخيلة في المنطقة, ناهيكم عن دوره التاريخي في محاولة القيام بمشروع حضاري عربي تكالبت عليه لتجهضه قوى إقليمية ودولية وعلى رأسها الولايات المتّحدة نفسها. ومع كل ذلك فالكاتب الخبير قد أنصف عبد الناصر عندما قال بالحرف الواحد " إنه من أكثر من عرفت من بين الزعماء جرأة ولا يقبل الرشوة ولكنه لا يؤمن بالتعصّب للمبادئ ميّال للخير العام والإصلاح الاجتماعي وما أظن أنني قد التقيت بمن يفوقه في هذا من الزعماء. وروح النكتة متوفّرة عند ناصر إلا أنه لا يتصرّف بدافع من غلٍّ أو حقد أو هوى أو غير ذلك من الدوافع الدنيا".
ما أشبه الليلة بالبارحة في لعبة الأمم تلك ولا نريد أن نسترسل مع تلك اللعبة الافتراضية في عالم الأمس ونحن نشاهد اليوم لعبة من نوعٍ صريح ودامغ. فها هي الولايات المتّحدة نفسها ترمي بثقلها في منطقة الشرق الأوسط بعد دخولها في أرض العراق العظيم صاحب الحضارة التي جاوزت 7000 سنة ليعيث في أراضيه بكل ما هو سيء من حضارتهم, ويُسلّط أتباعه للهيمنة على مقدّرات شعبه الصامد الذي انتفض أخيراً من القهر والظلم والمعاناة الاجتماعية والاقتصادية.
والولايات المتّحدة تمارس كذلك لعبتها في سورية قلب العروبة النابض وجعلت تلك البلاد الخضراء في دوامة دموية من الصراعات المحلية والإقليمية لم يخمد أوارها بشكل نهائي بعد, وتستنزف نفط شرق الفرات تحت عدّة ذرائع واهية. والأمر ينطبق تماماً حول ما يحدث ولو بطريقٍ غير مباشر في ليبيا واليمن. أما ما حصل مؤخراً من اغتيالها للجنرال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس خارج مطار بغداد وهو انتهاك لسيادة العراق وما رافقه من ردّة فعل إيرانية بعد عاصفة من التهديد والوعيد الانتقامي لم يسفر إلا عن ما يمكن تسميته زوبعة في فنجان. فقد أطلقت إيران بعض الصواريخ على قاعدة عين الأسد في الرمادي وقاعدة حرير في أربيل لم تصب أي أضرار في مسرحية باهتة أُخرجت لذر الرماد في العيون, وذاك أيضا انتهاك صريح لسيادة العراق, وكان الضحية في ذلك طائرة الركّاب الأوكرانية وأفرادها المنكوبين وعددهم 176 فرداً, والتي أُسقطت بصاروخ إيراني بعد إقلاعها من مطار طهران بدقيقتين.
ذلكم هو سيناريو لعبة الأمم والذي تُوّج مؤخراً بما سُمّي صفقة القرن وهي خطّة تُهدر حقوق الفلسطينيين المشروعة ولم تُحدّد أي هامش معقول لقيام دولة فلسطينية. وكم هي صريحة وفجّة تلك التصريحات التي تطلقها الإدارة الأمريكية بين حين وحين حول ضرورة دفع دول المنطقة التي تستقدم قوات البحرية الأمريكية لحماية عروشها, وكم هو غالٍ ذلك الثمن الذي يُستخدم في شراء الأسلحة الأمريكية في حرب عبثية في اليمن توشك أن تكمل سنتها الخامسة في أسوأ لعبة للأمم على مدار التاريخ.
* نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق